من الأسر إلى التجويع..

مقصلة الرواتب..  سلاح السلطة الجديد لاستهداف الأسرى وعائلاتهم!

مقصلة الرواتب..  سلاح السلطة الجديد لاستهداف الأسرى وعائلاتهم!

تقرير – شهاب

في خطوة أثارت استياءً وغضبًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والشعبية والفصائلية الفلسطينية، أقدمت السلطة برام الله على قطع رواتب عدد من الأسرى والأسيرات، والمحررين والمحررات، وسط ظروف اقتصادية صعبة تواجهها العديد من أسر الأسرى الفلسطينيين.

قطع رواتب (1612) أسيرًا داخل سجون الاحتلال جاء من خلال لجنة مشتركة ضمّت ممثلين عن أجهزة أمن السلطة ووزارة المالية برام الله، في حين أرسلت القوائم الكاملة من هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وسط توقعات بأن تستمر هذه الإجراءات خلال الأشهر القادمة، لتطال مزيدًا من الأسرى والمحررين.

مؤسسات حقوقية ووطنية أعربت عن استنكارها الشديد لهذا القرار، معتبرةً إياه انتقاصاً من حقوق الأسرى وتضحياتهم، مشيرةً إلى أن هذه الإجراءات تتنافى مع الواجبات الوطنية والإنسانية تجاه قضية الأسرى.

وكان أهالي الأسرى والشهداء والجرحى قد رفضوا تعبئة استمارة المسح الاجتماعي بمعايير مؤسسة التمكين الاقتصادي، والتي تعمل بموجب قرار أصدره رئيس السلطة محمود عباس بقطع مخصصات عائلات الأسرى والشهداء والأسرى.

وقالت عائلات الجرحى والشهداء، إن قرار عباس انتهاك صارخ للقيم الوطنية وتكريس لسياسة التمييز ضد من قدموا دمائهم دفاعاً عن فلسطين، مؤكدين أن مخصصات أسر الشهداء والجرحى ليست منحة خيرية بل حق مقدس تكفله المواثيق الوطنية.

وطالبوا بإلغاء قرار تعبئة استمارة المسح الاجتماعي، وضمان استمرار صرف المخصصات دون شروط تعجيزية، وتشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة في دوافع قرار عباس وآثاره.

ويأتي هذا القرار في أعقاب مرسوم رئاسي صدر في 10 فبراير 2025، ألغى قانون الأسرى والمحررين ولوائحه التنفيذية، واستبدلها بمعايير جديدة تخضع لما تسمى مؤسسة "تمكين الاقتصادي"، يتم عبرها تصنيف الأسرى والمحررين وفق معايير اجتماعية تحدد أهليتهم لتلقي المساعدة.

 

"حرب تجويع"

أم الأسير عاصف البرغوثي اتهمت السلطة الفلسطينية بممارسة "سياسة انتقامية ممنهجة" بحق عائلات الأسرى من خلال قطع رواتبهم وحرمانهم من مصدر دخلهم الوحيد، ووصفت ذلك بأنه "حرب تجويع حقيقية" تستهدف صمودهم الوطني والمعيشي.

وقالت البرغوثي في تصريح خاص لوكالة "شهاب"، إن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن محاولات إذلال عائلات الأسرى والنيل من كرامتهم، معتبرة أن ما يجري يرقى إلى عقاب جماعي يتنافى مع القيم الوطنية والإنسانية.

وأضافت: "نُحمّل السلطة المسؤولية الكاملة عن معاناة عائلات الأسرى، ونطالب الجهات الوطنية ومؤسسات حقوق الإنسان بالتدخل الفوري لوقف هذا الظلم ورفع الصوت عالياً نصرة للأسرى وذويهم".

كما قالت أم عمر بدر، شقيقة الأسيرين بهيج وباهر بدر المعتقلين منذ 22 عامًا، إن رواتبهما قُطعت رغم مرض أحدهما وكونهما من المصنفين بالمؤبدات.

وأشارت إلى أن والدتهما المريضة حُرمت من أي دعم، وأن العائلة تعيش أوضاعًا صعبة في ظل غياب أي مسؤول رسمي عن المتابعة.

وتساءلت عن كيفية صرف رواتب لمن هم خارج السجون بينما يُقطع عن من أمضوا أعمارهم في الأسر، مضيفة أن ابنة الأسير حُرمت من التعليم الجامعي، وأن العائلة تعاني من الفقر والحرمان.

فيما أشار أحمد عارضة إلى أن راتب الأسير محمود العارضة، المعتقل منذ 33 عامًا، قد تم قطعه رغم كونه من أبرز قادة عملية "نفق الحرية" ولا يزال معزولًا حتى الآن.

 

"المساس بهم خطيئة"

الرئيس السابق لهيئة شؤون الأسرى، قدورة فارس، طالب السلطة الفلسطينية بإعادة العمل فورًا بقانون الأسرى الذي تم إلغاؤه بشكل أحادي، معتبرًا ذلك خطوة خطيرة تمس بمكانة الأسرى وحقوقهم التي كفلتها القوانين الفلسطينية والنضال الوطني.

وأكد فارس في تصريح خاص بوكالة "شهاب" للأنباء، أن ما جرى من إلغاء القانون وتجميد اللوائح والأنظمة الخاصة بتنظيم شؤون الأسرى، هو انتهاك واضح للحقوق المكتسبة التي ناضل من أجلها الأسرى على مدار عقود. 

وشدد على أن المساس برواتب الأسرى وحقوقهم هو غير مبرر، ويمس في مكانة نضالهم المشروع ضد الاحتلال، معتبرًا أن الخطوة تشكّل تجاوزًا لإرث الحركة الوطنية، وأن ترك عائلات الأسرى والشهداء والجرحى للفقر أمر معيب.

وقال فارس: "نطالب بإعادة الاعتبار الكامل لقانون الأسرى، وإعادة صرف رواتب جميع الأسرى المقطوعة دون تأخير، عبر هيئة شؤون الأسرى والمحررين، باعتبارها الجهة الوطنية المخولة بمتابعة هذه القضية".

ودعا فارس إلى تحمّل المسؤولية الوطنية تجاه قضية الأسرى؛ وإعادة الاعتبار لحقوقهم الوطنية والسياسية.

كما حذّر مكتب إعلام الأسرى من التداعيات الخطيرة للقرار، موضحًا أن 1612 أسيرًا تضرروا بشكل مباشر، إلى جانب عدد من الأسرى المحررين، مؤكدًا أن القرار يستند إلى مرسوم رئاسي صدر بتاريخ 10 شباط/فبراير 2025 يقضي بإلغاء قانون الأسرى والمحررين، ويحوّلهم إلى فئة تخضع لتقييم إداري لتحديد استحقاق المساعدة.

واعتبر المكتب القرار مساسًا خطيرًا بمكانة الأسرى، داعيًا السلطة إلى التراجع الفوري عنه، واحترام التضحيات، والعودة إلى اللوائح التي تضمن حقوقهم المادية والاجتماعية. كما طالب القوى الوطنية والمؤسسات الحقوقية بالتحرك لوقف هذا الإجراء.

 

"تنديد واسع"

وقال الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية د. مصطفى البرغوثي إن الأسرى "هم أكثر من ضحى إلى جانب الشهداء"، وإن حقوقهم يجب أن تكون "مصانة بما يحفظ كرامتهم وكرامة عائلاتهم"، مطالبًا بصرف مخصصات جميع الأسرى "دون نقصان، وللجميع دون تمييز".

كما حمّلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين السلطة الفلسطينية ومؤسسة "تمكين" المسؤولية الكاملة عن ما وصفته بـ"السياسة المجحفة والمهينة بحق الأسرى".

وأكدت الجبهة أن قطع رواتب الأسرى بناءً على توصيات أمنية "هو جريمة وطنية وطعنة في خاصرة النضال الفلسطيني"، منددةً بـ"تحويل قضية الأسرى إلى ملف إغاثي يقاس بعدد السعرات الحرارية كما ورد في استمارات الذل والإذلال".

وشددت الجبهة على أن هذه السياسات تمثل رضوخًا للشروط الإسرائيلية والأمريكية، ودعت الشعب الفلسطيني إلى "رفع الصوت عاليًا رفضًا لهذا النهج الخطير"، مؤكدة أن الأسرى "رمز للصمود والمقاومة، لا عبء اجتماعي يُراد التخلص منه".

ومن جانبها، قالت جمعية واعد للأسرى والمحررين، إنها ترفض "التعامل مع ما تُسمى بمؤسسة تمكين"، ووصفتها بأنها "أداة تُمارس الإهانة بحق عوائل الشهداء والجرحى والأسرى"، مطالبة بوقف العبث بكرامتهم وحقوقهم.

واعتبرت الجمعية أن هذا النهج يعكس "تفريطًا بالهوية الوطنية"، وتحويلًا لقضايا الأسرى والشهداء إلى ملفات بيروقراطية وإدارية بعيدة عن عمقها النضالي والوطني.

أما حركة الأحرار الفلسطينية، فقالت في تصريح صحفي إن السلطة "تستمر في السقوط اللاأخلاقي"، معتبرة أن قطع رواتب أكثر من 1612 أسيرًا قرار "غير مقبول ويأتي بناء على توصيات أمنية".

وجاء في البيان: "في ظل الإبادة التي يتعرض لها شعبنا، وتحت الانتهاكات اليومية بحق الحركة الأسيرة، تطل السلطة الفلسطينية بهذا القرار المهين، الذي يمثل انسياقًا كاملاً خلف رغبات الاحتلال".

وأكدت الحركة أن "ملف الأسرى ثابت وطني، وليس سلعة للمساومة"، داعية إلى موقف وطني جامع لوقف القرار ورفضه.

وفي وقت سابق، أعلنت مؤسسات الأسرى الفلسطينية على رأسها هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني، رفضها لمساعي مؤسسة التمكين الاقتصادي، بفرض استمارة المسح الاجتماعي على الأسرى وذويهم، وذلك من خلال إطلاق رابط إلكتروني خاص، يدعوهم لتعبئة الاستمارة، واستناداً إليها سيتم تحديد ما يمكن أن يقدم لهم ولذويهم من مخصصات مالية.

وأوضحت مؤسسات الأسرى، في بيان، أن الأسابيع والشهور الماضية شهدت نقاشاً طويلاً حول الاستمارة، وهناك إجماع على ضرورة التعاون للخروج من المأزق السياسي العام، والذي ترتبت عليه جملة عقوبات على فلسطين، ولكن علاج الأمر لن يكون بهذا الشكل وهذه الطريقة، لما فيها من انتقاص لنضالات الأسرى وصمود أسرهم، وتناقضها مع المبادئ الوطنية التي حافظت على هذه الشريحة طوال سنوات النضال الفلسطيني.

وأكدت رفضها الاستمارة التي بحوزة مؤسسة تمكين بشكل قاطع، كونها استمارة لا تتناسب ولا تليق بتضحيات ونضالات الأسرى، وسجلنا ملاحظاتنا عليها أمام كل الجهات المعنية وذات العلاقة".

وطالبت المؤسسات، اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والقوى الوطنية، بالتمسك بمبادئ الحفاظ على كرامة المناضلين من أبناء شعبنا، وخصت بالذكر عائلات الشهداء والجرحى والأسرى الذين قدموا أعمارهم وحياتهم من أجل المشروع الوطني الفلسطيني.

وفي وقت سابق، قال "جرحى فلسطين" في بيان حمل اسمهم، إنهم يرفضون تعبئة استمارة المسح الاجتماعي، مطالبين بإلغاء القرار المتعلق بهذا الخصوص من مؤسسة التمكين الاقتصادي، وذلك في ظل القرار الأخير الذي يفرض على عائلات الجرحى والشهداء تعبئة استمارة المسح الاجتماعي كشرط للاستمرار في صرف المخصصات.

وأكدوا في بيان لهم، أن التخصيصات المقدمة لذوي الجرحى والشهداء ليست منحة خيرية، بل هي حق مقدس تكفله القوانين والمواثيق الوطنية والدولية. مشددين رفضهم ربط هذا الحق بتعبئة المسح الاجتماعي لأنها تشير إلى أغراض اجتماعية تمييزية.

وأضافوا، أن "هذه الاستمارة تهدف إلى تصنيف الجرحى وعائلاتهم وفق استحقاق مجتمعي مبني على تحويل الجرحى وعائلاتهم على أساس معيار برنامج الحماية والرعاية الاجتماعية الذي يصنف الجرحى تحت خط الفقر ويتنكر لهم بتصنيفهم الوظيفي، مما يشكل انتهاكاً لخصوصية قضية الجرحى ويفتح باب حرمان الآلاف الجرحى من حقوقهم".

وشددوا على رفضهم لتحويل ملف الجرحى إلى أداة ضبط سياسية أو مساومة على أساس قطع رواتبهم بشرط الخضوع لتعبئة الاستمارة. مؤكدين رفضهم "للاستمرار في قطع مخصصاتهم لأنها حق مقدس".

وأوضحوا أن "تعريض اسم الجريح لظروف معيشية صعبة وقاسية بهدف تعقيد الإجراءات وعدم وضوح المعايير يعتبر إهانة لكرامة عائلات من ضحوا بأبنائهم في مسيرة النضال الوطني".

وطالبوا وبشكل عاجل، بإلغاء قرار تعبئة استمارة المسح الاجتماعي فوراً، وضمان استمرار صرف المخصصات دون شروط تجريحية أو تمييزية، وكذلك تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في دوافع هذا القرار وآثاره.

واعتبروا أن الموضوع خط أحمر "وسنستخدم كافة الوسائل المشروعة للدفاع عن حقوقنا الوطنية ولن نسمح بتحويل قضيتنا وقضية جرحانا إلى استمارة مهينة ومذلة لا تمثل الحالة الوطنية"

ويأتي هذا التصعيد في ظل تزايد الشكاوى من عائلات أسرى فلسطينيين تتعرض لقطع الرواتب أو تقليصها دون أسباب قانونية واضحة، ما يفاقم من معاناتهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة