خاص / شهاب
لم تكن القوى الإقليمية والعربية بمنأى عن تداعيات حرب غزة، بل وجدت نفسها في قلب عاصفة الإبادة، تلعب أدواراً متباينة تحكمها مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتوازناتها الداخلية والخارجية.
واحدة من أبرز هذه الأدوار، بحسب المحللين، بروز دور مصر وقطر كلاعبين دبلوماسيين لا غنى عنهما. بحكم الجغرافيا والتاريخ، قادت مصر جهود الوساطة، المدفوعة بالمخاوف الأمنية التي تتعلق بحدودها مع غزة ومنع تدفق اللاجئين، وحرصها على الحفاظ على دورها الإقليمي التقليدي.
وكما أشار تقدير مركز الزيتونة للدراسات (فبراير 2025)، كانت القاهرة مركزاً لـ"مباحثات ومفاوضات مكوكية"، كما شكل معبر رفح شريان الحياة الرئيسي للمساعدات الإنسانية.
في المقابل، عززت قطر دورها كوسيط نشط ومؤثر، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع حماس وقنوات اتصالها مع إسرائيل والولايات المتحدة. لعبت الدوحة دوراً حاسماً في مفاوضات الأسرى والهدن، سعيًا لتعزيز نفوذها الدبلوماسي ومكانتها كلاعب إقليمي ودولي موثوق، وكفرصة لتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن.
فيما واجهت كل من السعودية والإمارات تحديات كبيرة. فعلى صعيد السعودية، التي كانت تسعى للمضي قدماً في رؤية 2030 ومسار التطبيع المحتمل مع إسرائيل، وجدت نفسها مضطرة لتبني خطاب أكثر تشدداً تجاه إسرائيل استجابةً للضغوط الشعبية والإقليمية، مما أدى إلى تعقيد مسار التطبيع.
تمثلت مصالحها في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي الضروري لخططها الاقتصادية، ومواجهة النفوذ الإيراني.
أما الإمارات، الرائدة في اتفاقيات أبراهام، فقد واجهت حرجاً متزايداً بسبب الفظائع في غزة، وحاولت الموازنة بين علاقاتها الجديدة مع إسرائيل وموقفها التقليدي الداعم للفلسطينيين، عبر زيادة المساعدات الإنسانية والدعوة لحل الدولتين. كشفت الحرب عن التحديات التي تواجه الدول المطبعة في ظل استمرار الصراع.
ويرى المراقبون أن إيران وجدت في الحرب الإسرائيلية على غزة فرصة لتعزيز "محور المقاومة" وتحدي إسرائيل والولايات المتحدة. وكما أشار تقرير مركز الجزيرة للدراسات (فبراير 2025)، برزت أدوار مؤثرة لحلفاء إيران مثل حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، الذين انخرطوا في تصعيد مدروس على جبهات مختلفة.
هدفت إيران إلى إضعاف إسرائيل، وتأكيد نفوذها الإقليمي، واستخدام القضية الفلسطينية لحشد الدعم.
من جانبها، اتخذت تركيا موقفاً خطابياً قوياً جداً ضد إسرائيل، وسعت لتقديم نفسها كمدافعة عن القضية الفلسطينية. تمثلت مصالحها في تعزيز مكانتها الإقليمية، وكسب ود الرأي العام، وموازنة علاقاتها المعقدة مع مختلف الأطراف، وإن ظل تأثيرها المباشر على مسار الصراع محدوداً.
لاعبون جدد
لم يقتصر تأثير الحرب على القوى الكبرى والإقليمية المعروفة، بل شهد المشهد بروز أدوار جديدة أو متغيرة لفاعلين آخرين، أضافوا تعقيدات وحسابات جديدة للمعادلة الإقليمية والدولية.
ويُصنف المحللون دور جماعة أنصار الله في اليمن من أبرز الأدوار الجديدة التي فرضت نفسها بقوة، من خلال استهدافها للسفن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تحت شعار دعم غزة.
تحولت الجماعة من طرف في الصراع اليمني إلى لاعب إقليمي مؤثر في أمن الملاحة الدولية والتجارة العالمية.
وكما أشار تقرير مركز الجزيرة للدراسات (فبراير 2025)، فإن "بروز أدوار مؤثرة... لجماعة أنصار الله في اليمن" لم يكن مجرد تعبير عن التضامن، بل استراتيجية ناجحة لفرض الجماعة كقوة لا يمكن تجاهلها، وتعزيز نفوذها في أي ترتيبات مستقبلية، وتأكيد انتمائها لـ"محور المقاومة".
فيما شهدت الحرب تفعيلًا غير مسبوق لآليات القانون الدولي، في تحرك جنوب أفريقيا لرفع دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية، وتحرك المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لطلب مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين.
كل ذلك حول المحاكم الدولية إلى ساحة مهمة للصراع، وأداة للضغط السياسي والأخلاقي.
وبحسب المحللين، فإن هذه التحركات، بغض النظر عن نتائجها النهائية، وضعت إسرائيل تحت ضغط دولي كبير، وأثارت نقاشاً عالمياً حول تطبيق القانون الدولي ومساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، ومنحت دولاً مثل جنوب أفريقيا دوراً بارزاً في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
أدوار متغيرة
فيما منحت هذه الحرب إنضاج التأثير المبكر للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، الذي شكلت تصريحاته ورغبته المعلنة في إنهاء الحرب ضغطاً إضافياً على الأطراف المعنية.
كما سلّط طول وتعقيد المفاوضات الضوء على الأدوار الفردية لشخصيات محددة في أجهزة المخابرات ووزارات الخارجية في مصر وقطر، الذين اكتسبوا نفوذاً وخبرة من خلال إدارتهم لهذا الملف الشائك.
لم تكن الأدوار التي لعبتها مختلف القوى والفاعلين ذات طبيعة واحدة، بل تنوعت بشكل كبير، ما بين الدعم المباشر، الذي تجلى بوضوح في الدعم العسكري والسياسي والاستخباري الأمريكي لإسرائيل، والدعم المالي والعسكري واللوجستي الإيراني لحلفائها في "محور المقاومة".
وما بين الوساطة والدبلوماسية، حيث برزت مصر وقطر كقناتي الوساطة الرئيسيتين، تليهما محاولات أمريكية وروسية وصينية وتركية بدرجات متفاوتة من التأثير.
أما الدور الأكبر فكان، حسب المراقبين، التصعيد كسمَة بارزة لأداء "محور المقاومة" (حزب الله، أنصار الله، والفصائل العراقية)، بهدف استنزاف إسرائيل وتخفيف الضغط عن غزة.
كما شكلت العمليات الإسرائيلية الواسعة في غزة، وضرباتها في دول مجاورة، تصعيداً خطيراً، وردود الفعل الأمريكية والبريطانية على هجمات أنصار الله أضافت بعداً آخر للتصعيد.
ولا خلاف بين الجميع أن المصالح الاقتصادية والأمنية كانت المحرك الرئيسي لمواقف العديد من الدول، بدءاً من ضمان أمن إسرائيل وتدفق الطاقة (الولايات المتحدة)، وحماية ممرات التجارة والاستثمارات (الصين)، والحفاظ على أمن الحدود ومنع تدفق اللاجئين (مصر)، وضمان الاستقرار الإقليمي لنجاح الخطط الاقتصادية (السعودية والإمارات)، وصولاً إلى استخدام التأثير على الملاحة كورقة ضغط (أنصار الله).
ويؤكد المحللون أن تداعيات حرب غزة في عام 2025 لم تكن مجرد مأساة إنسانية فادحة، بل كانت أيضاً محفزاً قوياً لتغيرات جيوسياسية عميقة في الشرق الأوسط والعالم.
فقد كشفت الحرب عن حدود القوة الأمريكية، وعن سعي قوى أخرى مثل روسيا والصين لملء أي فراغ محتمل، وعن الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد عززت الحرب أدوار دول الوساطة مثل مصر وقطر، وكشفت عن التحديات التي تواجه دول التطبيع مثل الإمارات والسعودية. كما أبرزت نفوذ إيران المتزايد عبر وكلائها، وصعود لاعبين جدد مثل أنصار الله في اليمن كقوى مؤثرة تتجاوز حدودها الوطنية.
ويتوقع المراقبون أن الشرق الأوسط بعد حرب غزة يتجه نحو توازنات جديدة، قد تكون أكثر تعقيداً وتنافسية، بينما تسعى الولايات المتحدة لإعادة تقييم دورها تحت إدارة جديدة، وتحاول روسيا والصين تعزيز نفوذهما، وتتنافس القوى الإقليمية على الأدوار والمصالح.
يبقى السؤال الأهم هل ستؤدي هذه التحولات إلى مزيد من الاستقرار؟ أم إلى جولات جديدة من الصراع وما إذا كانت الدروس المستفادة من دمار غزة ستدفع نحو حل سياسي عادل وشامل للقضية الفلسطينية، أم ستظل المنطقة أسيرة لحسابات القوة والمصالح الضيقة؟
