بعد الغضب والتنديد الدولي..

الموت برصاص إسرائيلي ورعاية أميركية.. من يوقف آلة القتل عند مراكز المساعدات؟

الموت برصاص إسرائيلي ورعاية أميركية.. من يوقف آلة القتل عند مراكز المساعدات؟

تقرير - شهاب 

تحولت نقاط توزيع المساعدات في قطاع غزة، التي تديرها ما يُعرف بـ"مؤسسة غزة الإنسانية" بتمويل أميركي وبإشراف الاحتلال إسرائيلي، خلال الأسابيع الأخيرة إلى رمزٍ لمأساة إنسانية كبيرة، حيث تنصبّ نيران القناصة والطائرات الإسرائيلية على الفلسطينيين المجوّعين عند كل محاولة للوصول إليها.

وعلى إثر ذلك استشهد نحو 600 فلسطيني خلال محاولتهم الحصول على المساعدات، حيث يتم إجبار الغزيين على المفاضلة بين الموت جوعا أو برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بعدما أظهر تقرير لصحيفة "هآرتس" العبرية أدلة على استهدافهم عمدا من قِبل قوات الاحتلال.

وقد أكد ضباط وجنود إسرائيليون، أن أوامر إطلاق النار على المجوّعين صدرت عن قادة في الجيش لإبعاد الفلسطينيين عن مراكز المساعدات، وشددوا على أن الغزيين لم يكونوا مسلحين ولم يشكلوا أي تهديد لأحد، لكنهم مع ذلك تلقوا الأوامر بإطلاق النار.

فالمراكز التي حُددت لتوزيع الغذاء، تقع غالبًا في مناطق مفتوحة خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال، دون إشراف أممي، ودون وجود ممرات آمنة، وبدلًا من أن تكون بوابات نجاة، تحولت إلى مصائد موت جماعي، يهرع إليها آلاف المدنيين المحرومين من الغذاء، ثم يتساقطون بالرصاص أو بسبب التدافع أو تحت أقدام الجوعى.

وتفرض آلية المساعدات على الغزيين قطع عشرات الكيلومترات سيرا على الأقدام من أجل الحصول على سلة غذاء في سابقة من نوعها، ومع ذلك يقتلون وهم ذاهبون أو هم ينتظرون أو وهم عائدون من هذه النقاط.

ومع تصاعد الغضب الدولي، وصدور إدانات حادة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية عالمية، يطرح السؤال نفسه بقوة، هل يمكن استمرار هذه الآلية؟ أم أن الضغط الدولي سيجبر واشنطن وتل أبيب على إعادة النظر؟

ورغم كل هذا الضغط، لم تُبدِ الإدارة الأميركية أي إشارات علنية على نيتها إلغاء أو تعديل الآلية، بل أعلنت زيادة التمويل المخصص لها بملايين الدولارات.

ومع ذلك، تتعرض واشنطن لضغوط متصاعدة من داخل الكونغرس ومن منظمات حقوقية أميركية، قد تدفعها لإعادة النظر.

 

تنديد دولي

وتزايدت التصريحات وردود الأفعال الدولية المنددة بعمل هذه المؤسسة المصيدة في ظل استشهاد المئات من الباحثين عن كسرة طعام تسد جوعهم في مساعدات تبيّن أيضا أنها ملغومة بأقراص مخدرة تم دسها في أكياس الطحين، بحسب ما أكد بعض المواطنين الفلسطينيين.

وتعليقا على عمل هذه المؤسسة، قال وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو إن قتل 600 شخص وإصابة نحو 4 آلاف آخرين أثناء توزيع المواد الغذائية في قطاع غزة فضيحةٌ وعار وانتهاك للكرامة الإنسانية.

وأضاف أن الكرامة الإنسانية لا تقبل المساومة لذا يجب أن يتوقف هذا الأمر فورا، كما أكد أنه "لا مبرر لاستمرار العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة" ولاحتجاز أسرى إسرائيليين، كما أنه لا مبرر لمنع المساعدات الإنسانية.

كما طالبت منظمة أطباء بلا حدود بوقف نشاط الشركة المدعومة من "إسرائيل" والولايات المتحدة والتي بدأت عملها منذ 27 مايو/أيار الماضي، معتبرة أنها تتسبب "بمجازر متكررة".

وقالت أطباء بلا حدود، إن مؤسسة غزة الإنسانية التي أُطلقت الشهر الماضي "بدعم وتمويل من إسرائيل والولايات المتحدة صُممت لإهانة الفلسطينيين بإجبارهم على الاختيار بين الجوع أو المخاطرة بحياتهم من أجل الحصول على الحد الأدنى من الإمدادات"، وطالبت بوقف نشاطها "فورا".

كما وصفتها الأمم المتحدة بعملية "المساعدة الإنسانية العسكرية الإسرائيلية"، وتقول إنها تتناقض مع المعايير الدولية لتوزيع المساعدات، خاصة أنها بدأت نشاطها بعيدا عن إشراف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

ووصفها كذلك المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) فيليبي لازاريني بأنها آلية "بغيضة وتؤدي لإزهاق الأرواح".

وقال عنها المستشار الإعلامي للأونروا عدنان أبو حسنة، إنها تعتمد "نظاما قاتلا وبغيضا وغير مسبوق"، مشيرا إلى أن سكان غزة يتعرضون لنوع جديد من القتل يتمثل في جرهم إلى الموت بمناطق توزيع المساعدات.

وتفرض آلية المساعدات على سكان القطاع قطع عشرات الكيلومترات سيرا على الأقدام من أجل الحصول على سلة غذاء في سابقة من نوعها، ومع ذلك يقتلون وهم ذاهبون أو هم ينتظرون أو وهم عائدون من هذه النقاط، وفق أبو حسنة.

واستبدلت الآلية الجديدة بـ400 نقطة وآلاف الموظفين الذين كانوا يقدمون المساعدات للسكان الغزيين، 4 نقاط يشرف عليها عسكريون متقاعدون لا يملكون معلومات ولا خبرة في العمل الإنساني، كما قال المستشار الإعلامي لأونروا.

 

أكبر جريمة منظمة

من جانبه، وصف أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، محمد مهران، الاعترافات الصادمة لجنود الاحتلال الإسرائيلي لصحيفة "هآرتس" حول استهداف المدنيين الفلسطينيين عند مراكز توزيع المساعدات بأنها أدلة دامغة على أكبر جريمة منظمة في القانون الدولي المعاصر، مؤكداً أن هذه الشهادات تكشف عن نظام إجرامي ممنهج يحول المساعدات الإنسانية إلى فخ للموت.

وقال الدكتور مهران في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، إن اعترافات جنود الاحتلال بأنهم يتعمدون إطلاق النار على المدنيين الفلسطينيين دون أي تهديد من الجانب المقابل تشكل اعترافاً صريحاً بارتكاب جرائم حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهي أدلة قانونية كافية لإدانة القادة العسكريين والسياسيين.

وأوضح أستاذ القانون الدولي أن تصريح الجنود الإسرائيليين بأنهم لم يشهدوا أبداً إطلاق نار من الجانب المقابل يؤكد أن استهداف المدنيين العُزل يشكل قتلاً عمداً وفقاً للمادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تصنف القتل العمد للأشخاص المحميين كمخالفة جسيمة ترقى إلى جريمة حرب.

وشدد مهران على أن اعتراف ضباط الاحتلال بأن الجيش يرى أنه نجح باكتساب شرعية مواصلة القتال من خلال مراكز توزيع المساعدات يكشف عن تلاعب إجرامي بالقانون الدولي الإنساني، مؤكداً أن المادة 23 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر صراحة استغلال المساعدات الإنسانية لأغراض عسكرية أو سياسية.

ومن منظور القانون الجنائي الدولي، أكد الخبير أن تصريح الجندي الإسرائيلي بأن غزة أصبحت مكاناً بقوانين خاصة يكشف عن إقامة نظام فصل عنصري يحرم الفلسطينيين من الحماية القانونية، مما يشكل جريمة ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي التي تجرم الاضطهاد العنصري.

وفيما يتعلق باستخدام الرشاشات الثقيلة وقذائف الهاون والقنابل اليدوية ضد طالبي المساعدات، أوضح مهران أن هذا السلوك ينتهك مبدأ التناسب المنصوص عليه في البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، مشيراً إلى أن استخدام الأسلحة الثقيلة ضد المدنيين العُزل يشكل استخداماً مفرطاً للقوة يرقى إلى جريمة حرب.

وحول وصف الجنود للتعامل مع الحشود كقوة تشن هجوماً، أكد أستاذ القانون الدولي أن هذا يكشف عن تجريد ممنهج للفلسطينيين من إنسانيتهم، مشدداً على أن المادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول تكفل المعاملة الإنسانية لجميع الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية.

وأشار مهران إلى أن تصريح الجندي بأن عمليات القتل لم تعد بحاجة لبيانات الحوادث المؤسفة يكشف عن افلات منهجي من العقاب ينتهك التزامات الاحتلال بموجب المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تلزم الأطراف بملاحقة مرتكبي المخالفات الجسيمة قضائياً.

ومن منظور جريمة استخدام التجويع كسلاح حرب، أكد أستاذ القانون الدولي أن تحويل مراكز توزيع المساعدات إلى مناطق قتل يشكل انتهاكاً صارخاً للمادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول التي تحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، مؤكداً أن ما يحدث يمثل أوضح صور تسليح الطعام في القانون الدولي المعاصر.

وطالب مهران المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق عاجل في هذه الاعترافات، مؤكداً أن شهادات الجنود الإسرائيليين تشكل أدلة مباشرة على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ودعا المدعى العام للمحكمة إلى إصدار مذكرات اعتقال فورية ضد القادة العسكريين المسؤولين عن هذه السياسات.

وحذر أستاذ القانون الدولي من أن صمت المجتمع الدولي أمام هذه الاعترافات الصريحة سيؤدي إلى انهيار كامل للقانون الدولي الإنساني، مشيراً إلى أن السوابق التي يتم ترسيخها في غزة ستفتح الباب أمام انتهاكات مماثلة في صراعات أخرى حول العالم

وشدد على أن اعترافات جنود الاحتلال تكشف عن نظام إبادة ممنهج يستهدف الشعب الفلسطيني من خلال تحويل أبسط احتياجاته الإنسانية إلى فخ للموت، داعياً جميع الدول إلى تطبيق الولاية القضائية العالمية لملاحقة مرتكبي هذه الجرائم والحيلولة دون إفلاتهم من العقاب.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة