غزة – محمد هنية
بين ممرات المستشفيات ومنازل الإيجار المؤقتة، تقيم السيدة لميس صالح (63 عامًا) في إحدى ضواحي القاهرة منذ أكثر من عام، بعد أن رافقت شقيقتها المريضة بالسرطان للعلاج، ولم تتوقع أن تتحول رحلة قصيرة إلى معاناة مفتوحة.
تقول لميس لوكالة شهاب: "خرجنا من غزة بحثًا عن الدواء، لكننا وجدنا أنفسنا عالقين في مكان لا نملك فيه قرار العودة، ولا قدرة على الاستمرار."
أتمّت شقيقتها تسعة أشهر من العلاج، ثم انتقلتا إلى مدينة العريش، حيث يعيش عدد كبير من الفلسطينيين العالقين بانتظار فتح معبر رفح الحدودي.
تتابع لميس بأسى: "المساعدات التي تصل محدودة، والأموال التي بحوزتنا أوشكت على النفاد، وأبناؤنا عاجزون عن إرسال الدعم بسبب الظروف القاسية في غزة."
من الممرات الطبية إلى محطات الانتظار
حال رياض حمدان (47 عامًا)، لا يختلف كثيرًا حيث خرج من غزة برفقة ابنه المصاب بمرض نادر في الكبد لتلقي العلاج في مستشفى متخصص في مصر، بتكفّل جزئي من مؤسسة دولية، لكن تغطية العلاج لم تشمل تكاليف الإقامة، النقل، أو الغذاء.
يقول رياض لشهاب: "نعيش على حافة الاضطرار... لا نعرف متى نعود ولا كيف نستمر. أشعر أنني أتنقل بين المستشفيات ومحلات الصرافة أكثر مما أطمئن على صحة ابني."
منفى مؤقت... ووطن مستحيل
القصص التي تناثرت عبر المدن والعواصم العربية والدولية، ليست مجرد وقائع شخصية، بل مرآة لمعاناة جماعية لشعب مُبعد قسرًا عن أرضه، تحت وطأة العدوان والحصار.
تختم لميس صالح حديثها بالقول: "الغربة مؤلمة، لكن الأصعب أن تكون بعيدًا عن الوطن وأنت تعرف أن لا أحد ينتظرك... لا معبر مفتوح، ولا وعد قريب".
الحاجة الماسة رغم القهر
وفي الوقت الذي تُدك فيه مستشفيات غزة بالقصف، وتُشلّ فيه مرافقها الطبية بفعل الحصار، يعيش آلاف المرضى الفلسطينيين مأساة من نوع آخر: انتظار طويل ومؤلم على بوابات الخروج من القطاع، في محاولة للوصول إلى مستشفيات خارجية للعلاج وربما للنجاة.
تقول منظمة الصحة العالمية إن النظام الصحي في غزة على وشك الانهيار الكامل، بينما تؤكد تقارير حقوقية أن عشرات المرضى يموتون يوميًا بسبب تأخر الموافقات أو غياب الإمكانيات. ومع تعطل التصاريح، وندرة الوقود، وتدمير المستشفيات، أصبحت الحياة نفسها مرهونة بختم أو استثناء.
أرقام صادمة ومعاناة ممتدة
وفق منظمة الصحة العالمية (WHO)، هناك أكثر من 12,000 مريض في غزة بحاجة عاجلة لمغادرة القطاع لتلقي العلاج، بينهم ما يزيد عن 4,500 طفل يعانون أمراضًا مزمنة، كالسرطان وفشل القلب والكلى.
ومنذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، تمكن فقط 7,200 شخص من مغادرة القطاع للعلاج، في وقت تزايدت فيه الأعداد اليومية للحالات الحرجة.
ولا يزال قرابة 14,000 مريض، حسب تقديرات PCHR، عالقين بانتظار "تصريح عبور"، في وقت تُسجل فيه 5 إلى 10 وفيات يومية لمصابين حُرموا من فرصة السفر للعلاج.
"يانصيب قاتل" لمنح تصاريح العلاج
تصاريح الخروج من غزة للحصول على العلاج باتت تُمنح وفق آلية توصف من قبل المنظمات الدولية بأنها "يانصيب قاتل"، حيث تُرفض الطلبات بشكل تعسفي، خاصة للشباب الذكور من عمر 18 إلى 40 عامًا، دون إبداء أسباب.
وتشير منظمة Worldcrunch إلى أن فرص الموافقة على الخروج لأغراض مثل جراحة العظام أو العيون لا تتجاوز 50%، بينما يعاني المرضى من أمراض نادرة من غياب كلّي للرعاية.
القطاع الصحي في الداخل على شفا الانهيار
ولم تقتصر الكارثة على الخارج، بل وصلت إلى عمق المستشفيات داخل غزة، حيث تم تدمير أو تعطيل 6 من أصل 7 مراكز لغسيل الكلى، مما تسبب بوفاة ما يزيد عن 400 مريض فشل كلوي.
كما أُبلغ عن وفاة مئات من مرضى السرطان نتيجة توقف جلسات العلاج الكيميائي والإشعاعي، وفقدان الأدوية الحيوية، وفقًا لتوثيق PCHR.
