شادي أبو صبحة

  أزمة أوامر وهمية تفجر صدام نتنياهو–زامير

حكومة الاحتلال تتخبط بعد الفشل في غزة، وصراع القيادة يتفاقم بين المؤسسة السياسية والعسكرية وسط غياب استراتيجية وانهيار داخلي.

حكومة في دائرة الفشل


بعد مرور 21 شهرًا على اندلاع الحرب في قطاع غزة، تجد حكومة بنيامين نتنياهو نفسها في مأزق استراتيجي معقد؛ إذ لا تملك القدرة على تحقيق الحسم العسكري أمام المقاومة الفلسطينية، ولا إمكانية للتراجع دون كلفة سياسية وأمنية باهظة، في وقت تعاني فيه من انقسامات داخلية وتراجع حاد في ثقة الجمهور الإسرائيلي.

الوعود التي أطلقتها الحكومة في بداية الحرب بتحقيق "نصر كامل" و"سحق حماس" و"استعادة الأسرى" تبددت أمام مقاومة مرنة، وفشل ميداني متكرر، وضغوط دولية متزايدة. ومع اشتداد الأزمة، بدأت الخلافات الداخلية تتفجر على السطح، وآخرها الصدام العلني بين نتنياهو ورئيس أركانه الجديد، إيال زامير.


خلافات علنية داخل الكابينيت


 مواجهة محتدمة بين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير، تعدت حدود الاجتماعات المغلقة في كالينيت الحرب  لتغريدات عائلية، حيث انتقد يائير نتنياهو زاامير عبر وسائل التواصل الاجتماع، بينما رد إيال زامير: لماذا تهاجمونني وتسرّبون ضدي في منتصف الحرب؟ ولماذا يكتب ابنك ضدي؟ ليجيبه نتنياهو: لا تهدّد بالاستقالة عبر الإعلام، لا أقبل أن تهدد في كل مرة أنه إذا لم نقبل خططك فستستقيل. وابني يائير إنسان بالغ ومسؤول عن نفسه
في آخر جلسة للمجلس الوزاري المصغر، وجّه نتنياهو انتقادات مباشرة وحادة لرئيس الأركان إيال زامير، متهمًا الجيش بالتباطؤ في تقديم حلول فاعلة لتأمين توزيع المساعدات في غزة، والتقاعس عن تنفيذ عمليات تؤدي إلى الحسم العسكري، وعلى وجه التحديد خطة تهجير سكان شمال غزة نحو الجنوب.

لكن زامير فاجأ الحضور بردٍّ عكسي، أحرج المستوى السياسي بالكامل، إذ قال: "أين هي هذه الأوامر؟ لم تُصدر لنا أهداف واضحة. أنتم لم تبلوروا خطة حتى يتم التعامل معها عسكريًا."

هذا الاشتباك الحاد كشف عن توتر كبير في العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية، رغم أن زامير كان قد عُيّن مؤخرًا من قبل نتنياهو نفسه خلفًا لهرتسي هليفي. والأخطر من الخلاف، أنه يفضح غياب القيادة والتوجيه السياسي الفعلي، ويؤكد أن ما يجري ليس إلا تبادل اتهامات مكشوفًا لتحميل الجيش مسؤولية فشل حرب تُدار دون استراتيجية واضحة.

حملة منظمة لتصدير الأزمة


الخلاف الظاهر لا يبدو عابرًا، بل أقرب إلى حملة إعلامية منظمة يقودها نتنياهو ومستشاروه. الهدف منها واضح: تحميل الجيش مسؤولية الفشل الميداني، وتقديم نتنياهو على أنه "قائد الحسم" الذي تُعيقه المؤسسة العسكرية.

في الخطاب العام الذي يُنقل إلى الجمهور الإسرائيلي، يُصوَّر نتنياهو على أنه يطالب بالحسم والتصعيد، بينما الجيش يتلكأ ويُبطئ التنفيذ. هذه السردية تُستخدم سياسيًا لإعادة تشكيل الرأي العام قبيل أي تسوية محتملة، سواء كانت صفقة تبادل أسرى أو وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار.


الهروب نحو الصفقة: مخرج من المأزق


مع استمرار الحرب وتفاقم الأزمات، بات واضحًا أن نتنياهو وحكومته يسعون إلى مخرج عبر صفقة تهدئة أو تبادل أسرى. هذا التوجه نابع من إدراك استحالة تحقيق حسم شامل عسكريًا، وسط مقاومة شرسة تكبد الاحتلال خسائر كبيرة في الجنود والمعدات، إلى جانب الضغوط الدولية والأزمات الداخلية المتصاعدة.

نتنياهو، رغم تصعيده ضد الجيش، يوظف هذه الخلافات ليُظهر نفسه كمن "سعى للحسم حتى النهاية"، فيما الصفقة تُستخدم كغطاء سياسي للهروب من مأزق لم يعد ممكنًا تجاوزه عسكريًا أو سياسيًا.


أزمة خيارات وانعدام إجماع


تعيش الحكومة حالة شلل سياسي واستراتيجي ناتج عن غياب الإجماع حول أي من المسارين: لا اتفاق داخل الحكومة على مواصلة الحرب، ولا توافق على الدخول في تسوية. وفي الحالتين، يتفاقم الاستنزاف على كل المستويات السياسية والعسكرية والمجتمعية.

فمن جهة، لا تستطيع الحكومة التقدم نحو الحسم العسكري الكامل بسبب الخسائر وتعقيدات الميدان، ومن جهة أخرى، فإن القبول بوقف الحرب دون استعادة الأسرى أو إعلان النصر سيُعد فشلًا سياسيًا مدويًا لنتنياهو وتحالفه اليميني.

ما وراء الخلاف مع زامير


رغم أن زامير محسوب على نتنياهو، إلا أن تصعيد الخلاف معه يبدو متعمدًا وله وظيفة سياسية مزدوجة:
لتبرئة نتنياهو من الفشل المتراكم في إدارة الحرب.
ولإعداد الأرضية لجعل المؤسسة العسكرية كبش فداء في حال تم التوصل إلى صفقة لا تحقق "أهداف الحرب".

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذه الخلافات عن الترتيبات الإقليمية والدولية الجارية، خاصة في ظل تقارير عن صفقة تبادل محتملة تشمل تهدئة مؤقتة، وإدخال مساعدات، وإنشاء آلية جديدة لإدارة القطاع.

نتنياهو في الزاوية


تكشف المواجهة بين نتنياهو وزامير عن مأزق عميق تعيشه إسرائيل بعد 21 شهرًا من الحرب:
لا قدرة على تحقيق الحسم أمام المقاومة.
ولا إمكانية للتراجع دون كلفة سياسية فادحة.
ولا إجماع داخل الحكومة على أي من الخيارين.

في هذا الفراغ الاستراتيجي، يحاول نتنياهو حرف الأنظار عن مسؤوليته السياسية، وخلق سردية جديدة تبرّئه من الفشل، وتُلقي باللوم على مؤسسات الدولة التي طالما خدمته. لكنها لعبة محفوفة بالمخاطر، في وقت تنكشف فيه هشاشة الرواية الإسرائيلية أمام صمود غزة وتعاظم الضغوط الدولية.

فشل داخلي يتجاوز ساحة المعركة


في نهاية المطاف، لا يبدو أن حكومة نتنياهو قادرة على اتخاذ قرار واضح: لا حسم عسكريًا ممكناً، ولا تسوية تُرضي القاعدة اليمينية. وبينما تتراكم الخسائر، وتحترق شرعية القيادة، تتحول حرب غزة إلى أزمة داخلية مفتوحة، قد تكون مقدمة لانهيار أوسع في بنية الحكم داخل الكيان الإسرائيلي.
 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة