د.محمد إبراهيم المدهون

السابع من أكتوبر: حين انكسرت هيبة الحديد وتكلمت الإرادة

في تاريخ الأمم لحظات لا تُقاس بالساعات، بل تُقاس بقدر ما تزلزل الأرض من تحت الطغاة، وتفتح أبواب الوعي في ضمير الشعوب. كان السابع من أكتوبر لحظة من هذا النوع النادر؛ يومَ خرجت غزة من تحت الركام لتقول كلمتها، وتعيد تعريف القوة والمعنى والكرامة. لم يكن “طوفان الأقصى” مغامرةً عسكرية ولا اندفاعة غضب، بل فعلَ وعيٍ مؤمن، جمع بين الحساب الدقيق والعقيدة الراسخة، ليعلن أن زمن الخضوع قد انتهى، وأن فلسطين ما زالت حيّة تقاتل لتصنع مصيرها بيدها.

 

جاء الطوفان ردًّا على سبعة عقود من الاحتلال والحصار والخذلان، لا بوصفه هجومًا بل نداء حياةٍ لشعبٍ حُرم من الهواء والماء والكرامة. من قلب الجوع والدمار وُلدت تلك الصرخة التي زلزلت الكيان الصهيوني، وأسقطت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”. فانهارت منظومته الأمنية، واهتزت قيادته السياسية، وتبدد وهم التفوق الأخلاقي الذي طالما تستر به أمام العالم. لقد كشفت غزة – بدمها لا بخطابها – أن إسرائيل ليست دولة طبيعية، بل مشروع هيمنة يتداعى من داخله، مأزومٌ بانقساماته، متآكل بعجزه الأخلاقي، وغارق في عاره الإنساني.

 

لم تكن معركة السابع من أكتوبر معركة نارٍ وحديد، بل معركة وعيٍ وإرادة. فالمقاومة التي نشأت من بين الركام لم ترفع السلاح إلا لتقول: “لن نموت صامتين.” على مدى عامين من الإبادة، صمدت غزة أمام أعتى آلة حربية عرفها العصر الحديث، وخرجت من بين النيران أكثر صلابة، وأكثر إيمانًا بأن الدماء الطاهرة هي التي ترسم طريق الحرية. ومن بين كل شهيد وطفلٍ محمولٍ على الأكتاف، كانت تولد أمةٌ جديدة تدرك أن الكرامة لا تُوهب، وأن العدالة لا تُستجدى من مجلس الأمن بل تُنتزع بقبضة الإيمان.

 

لقد تحولت غزة إلى مركز أخلاقي للعالم، وصارت صورها ومآذنها المهدّمة مرآةً تكشف زيف الحضارة الغربية التي تبرر القتل وتدّعي الإنسانية. وحين تهاوت مشاريع التطبيع وصفقات الخداع، عاد وجه فلسطين الحقيقي إلى الواجهة: رمزًا للتحرر الإنساني، ونبضًا لكل مظلومٍ في الأرض. لم تعد فلسطين قضية حدود، بل قضية وجود ومعنى، ومن رماد المحرقة بدأت ملامح فجرٍ جديد ترتسم على أفق الأمة.

 

أما إسرائيل، فقد دخلت زمن أفولها الاستراتيجي؛ جيشها بلا هيبة، مجتمعها ممزق، قيادتها مأزومة، واقتصادها في انحدار. لقد خسر الكيان تماسكه قبل أن يخسر معاركه، وصار يواجه نفسه قبل أن يواجه غزة. ومن سخرية القدر أن تكون المدينة الصغيرة المحاصرة هي التي كشفت عورة القوة العظمى، وأعادت تعريف الردع في قاموس التاريخ.

 

السابع من أكتوبر ليس مجرد ذكرى، بل بداية زمن جديد، حيث لم تعد الموازين تُقاس بالنار، بل بالإيمان والقدرة على احتمال المستحيل. إن ما جرى في غزة لم يكن نهاية المعركة، بل افتتاحًا لعصرٍ جديد من الوعي والمقاومة، حيث تحوّل الألم إلى يقين، والدم إلى بيانٍ خالدٍ يكتب على وجه التاريخ:

**من هنا… من غزة… يبدأ فجر الحرية.**

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة