تقرير – شهاب
أشعلت تصريحات رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول "ارتباطه العاطفي بمشروع إسرائيل الكبرى" موجة واسعة من الإدانات والرفض العربي والدولي، معتبرةً أن هذه التصريحات بمثابة إعلان صريح لنوايا توسعية تهدد أمن المنطقة واستقرارها، في ظل أزمات متفاقمة وصراعات مشتعلة.
وخلال مقابلة مع قناة "آي 24 نيوز" العبرية، قال نتنياهو إنه "في مهمة تاريخية وروحانية" مرتبطة برؤية توسعية تمتد من فلسطين إلى الأردن ومصر وسوريا ولبنان، وصولاً إلى السعودية والعراق، واصفاً ذلك بـ"رسالة الأجيال"، وأظهرت المقابلة تلقيه خريطة تضم أراضي فلسطينية وأجزاء من دول عربية، مؤكداً موافقته عليها "بشدة".
ويرى محللون أن حديث نتنياهو ليس مجرد "زلة لسان"، بل هو تعبير عن رؤية أيديولوجية متجذّرة في اليمين الإسرائيلي، تستخدم في سياق سياسي داخلي لتعزيز صورته أمام قواعده الانتخابية، لكنها أيضًا تحمل رسائل إقليمية مفادها أن "إسرائيل" لن تتوقف عند حدود الواقع الحالي.
وبحسب محللين، فإن تصريحات نتنياهو حول "إسرائيل الكبرى" قد تكون جرس إنذار جديد للعرب، بأن المشروع التوسعي الإسرائيلي لم يعد مجرد رؤية تاريخية بل خطاب سياسي معلن، ومواجهة هذا التحدي تستوجب استراتيجية عربية شاملة، تتجاوز الإدانة اللفظية إلى الفعل العملي، دفاعًا عن السيادة والوجود.
ويرى خبراء بالشأن الإسرائيلي أن تصريحات نتنياهو الأخيرة ليست انفعالاً شخصياً أو مجرد دعاية انتخابية، بل امتداد مباشر لنهج أيديولوجي صهيوني متجذر، يستند إلى أفكار زئيف جابوتنسكي، مؤسس التيار "التصحيحي" في الحركة الصهيونية، الذي دعا منذ عشرينيات القرن الماضي إلى إقامة دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن، وفرض السيطرة بالقوة على كامل المنطقة بين النهر والبحر وما وراءهما.
ما المطلوب عربيًا؟
وقال مراقبون، إن المطلوب عربيا لمواجهة تصريحات ورؤية رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تتمثل بموقف سياسي موحّد، عن طريق تشكيل جبهة عربية وإسلامية مشتركة تضع خطوطًا حمراء أمام أي مساس بالسيادة أو حدود الدول.
وأضافوا أن من القرارات التي يجب أيضًا العمل عليها خلال الفترة القادمة وهي التحرّك الدبلوماسي الدولي عبر الضغط عبر مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتبار تصريحات نتنياهو تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.
وأشاروا إلى تفعيل أوراق القوة الاقتصادية عبر وقف كامل للعلاقات والاتفاقات الاقتصادية مع الكيان الإسرائيلي، أو ربط أي علاقات أو اتفاقيات اقتصادية أو أمنية مع الاحتلال بوقف السياسات التوسعية والالتزام بالقانون الدولي.
وشددوا على دعم صمود الفلسطينيين، عبر تعزيز الدعم المالي والسياسي للشعب الفلسطيني، وتسريع خطوات الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وعاصمتها القدس.
كما العمل على استراتيجية إعلامية موحّدة لمواجهة الدعاية الإسرائيلية عبر كشف خطورة المشروع على الأمن والاستقرار العالمي، وليس فقط العربي.
وتعزيز الأمن القومي العربي، عبر رفع مستوى التنسيق العسكري والاستخباراتي بين الدول العربية لمواجهة أي احتمالات للتصعيد الإسرائيلي.
لماذا الآن؟
وقال الكاتب وخبير في القانون الدولي الإنساني محمود حنفي، إن تصريحات نتنياهو "ليست زلة لسان أو استفزازا عابرا، بل إفصاح متعمد عن مشروع أيديولوجي راسخ"، مضيفا أن "إحياء مصطلح إسرائيل الكبرى يعكس تداخلا بين القناعة الأيديولوجية والحسابات السياسية الراهنة".
وأضاف حنفي إلى أن التوقيت ليس بريئا، إذ تأتي هذه التصريحات في ظل أجواء الحرب على غزة وتصويت الكنيست مؤخرا لصالح قرارات رمزية تدعم ضم الضفة الغربية، إلى جانب سياسات حكومية سابقة ألغت فك الارتباط مع غزة وكرست السيطرة على المستوطنات.
ويطرح الكاتب تساؤلات حول جدوى اتفاقيات السلام والتطبيع في ظل هذا الخطاب، متسائلا: "هل كانت أوسلو ووادي عربة سوى محطات في إستراتيجية خداع أوسع؟ وهل تكفي الإدانات دون تحرك عملي لردع مشروع استعماري يعلن نفسه بلا مواربة؟".
ويضيف أن هذه التصريحات قد تمنح حركة المقاطعة (BDS) زخما جديدا في تسويق إسرائيل كدولة فصل عنصري، تماما كما كان الحال مع نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.
تحالفاً عربياً ودولياً عاجلاً
ومن جانبه، قال الحقوقي صلاح عبد العاطي رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" إن التصريحات الأخيرة التي أطلقها رئيس حكومة الاحتلال "بنيامين نتنياهو" ووزير ماليته المتطرف "بتسلئيل سموتريتش" حول ما يسمى بمشروع "إسرائيل الكبرى" ليست مجرد مواقف عابرة أو تصريحات فردية، بل تعكس توجهاً معلناً نحو تنفيذ مخطط استعماري إحلالي شامل يستهدف إعادة احتلال قطاع غزة وتهجير سكانه قسراً.
وأكد عبد العاطي في حديث خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أن هذه التصريحات تهدف لجعل القطاع منطقة منكوبة غير صالحة للحياة، إلى جانب فرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية وتهويد القدس وعزلها عن محيطها الفلسطيني والعربي وتوسيع الاستيطان الاستعماري ومصادرة الأراضي، فضلاً عن العدوان الممنهج على الدول العربية المجاورة في محاولة لفرض واقع إقليمي جديد يخدم المشروع الصهيوني.
وأوضح أن هذه المخططات، التي تحظى بدعم أمريكي وتستفيد من حالة الصمت الدولي والعجز الأممي، تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها وتشكل جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية، كما أنها تهدد الأمن القومي العربي والسلام العالمي برمته.
وأضاف عبد العاطي أن الاكتفاء بسياسات الإدانة والشجب لم يعد يجدي نفعاً في مواجهة تصاعد جرائم الاحتلال، مشدداً على أن المرحلة الراهنة تستدعي تحركاً فلسطينياً وعربياً ودولياً عاجلاً يهدف إلى وقف العدوان وحماية الشعب الفلسطيني والتصدي للمخططات الإسرائيلية المعلنة.
وأكد على أن إفشال مشروع "إسرائيل الكبرى" يتطلب توافقاً فلسطينياً يحقق الوحدة الوطنية العاجلة ويعيد الاعتبار للإرادة السياسية العربية من أجل تطبيق قرارات القمم العربية والإسلامية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، كما يتطلب حراكاً دبلوماسياً وشعبياً واسعاً على مستوى العالم لتفويت الفرصة على الاحتلال ومنع تحويل مخططاته الاستعمارية إلى واقع يهدد وجود الشعب الفلسطيني وأمن واستقرار المنطقة والعالم بأسره.
