خاص / شهاب
أظهر استطلاع للرأي أجراه "المعهد الأمني في إسرائيل" تراجعًا ملحوظًا في ثقة الإسرائيليين باستراتيجية الحكومة تجاه الحرب على غزة، وسط تصاعد القلق من فشل ملف الأسرى وخطر دخول إسرائيل في عزلة دولية خانقة.
أشار الاستطلاع إلى أن 61% من الإسرائيليين يرون أن استعادة الأسرى لن تتحقق إلا عبر صفقة تؤدي إلى إنهاء الحرب، فيما اعتبر 65% أن السيطرة على غزة لا تقرّب من هذا الهدف. كما أبدى 68% اعتقادهم بأن الحكومة لا تملك خطة واضحة لإنهاء الحرب، وأعرب 66% عن خشيتهم من أن استمرار العمليات العسكرية سيدفع إسرائيل نحو عزلة دولية متزايدة.
هذه النتائج تمثل قفزة في معدلات التشكيك الشعبي. فقبل أربعة أشهر فقط، أظهر استطلاع للقناة 12 أن نحو 48% من الإسرائيليين كانوا يرون أن الحكومة بلا خطة واضحة، لترتفع النسبة اليوم بأكثر من 20 نقطة مئوية.
أما في ملف الأسرى، فقد ارتفعت نسبة من يعتقدون أن الصفقة هي الحل الوحيد من أقل من النصف مطلع العام الجاري إلى 61% حاليًا، ما يعكس فشل الخيار العسكري في إقناع الشارع. وبشأن العزلة الدولية، فقد تحولت من قضية ثانوية إلى هاجس رئيسي يسيطر على ثلثي الإسرائيليين، على وقع تصاعد الإدانات الدولية وفتح ملفات قضائية ضد إسرائيل أمام محاكم دولية.
غضب الشارع
من الميدان، تتضح ملامح الإحباط الشعبي. يقول الشاب نوعام كوهين من تل أبيب: "الحكومة تبيعنا أوهامًا عن الانتصار لكنها لا تملك خطة حقيقية للخروج من غزة". أما رونيت مزراحي، وهي أم لأسير لدى حماس، فتؤكد أن "الحكومة تماطل ولا تفكر إلا ببقائها، بينما مصير أبنائنا يضيع". وفي القدس، يشير التاجر أفيشاي بن شوشان إلى أن "الاقتصاد يتهاوى، السياحة متوقفة والتجارة متعثرة، وإذا استمرت الحرب سنصبح معزولين بالكامل".
المعارضة تستثمر
زعماء المعارضة سارعوا لاستغلال نتائج الاستطلاع لتصعيد هجومهم على نتنياهو. إذ قال يائير لابيد، زعيم المعارضة: "الإسرائيليون فقدوا الثقة بحكومة تدفعنا إلى عزلة دولية وتفشل في إعادة أسرانا". فيما اعتبر بيني غانتس أن "الوقت حان لطرح بديل سياسي ودبلوماسي لأن الحرب بلا أفق تدمر إسرائيل من الداخل".
فيما أجمعت تحليلات عسكرية واقتصادية وأكاديمية على أن نتائج الاستطلاع الأخير ليست مجرد أرقام عابرة، بل تعكس أزمة استراتيجية شاملة تهدد إسرائيل داخليًا وخارجيًا.
عاموس هرئيل، المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، حذّر من أن "الأرقام تكشف مأزقًا استراتيجيًا للحكومة، فهي لا تملك رؤية واضحة للخروج من غزة ولا لإدارة الصراع، بل تواصل استنزاف ثقة الجمهور بخطاب شعاراتي عن الانتصار المطلق". وأكد هرئيل أن غياب خطة للخروج من الحرب يضع الجيش الإسرائيلي في حالة استنزاف طويلة المدى، وهو ما يعرض إسرائيل لمخاطر أمنية وسياسية متراكمة.
عزلة دولية
أما إيلان باز، الخبير الاقتصادي في معهد دراسات الأمن القومي، فأشار إلى أن تداعيات العزلة الدولية بدأت تُترجم فعليًا في تراجع ثقة المستثمرين وقلق الشركات الأجنبية. وقال باز: "إسرائيل تعتمد في بنيتها الاقتصادية على التعاون التكنولوجي والعسكري مع الغرب، وإذا تصاعدت الضغوط الأوروبية والأميركية لوقف تصدير الأسلحة أو التكنولوجيا الحساسة، فإن ذلك سيضرب أهم أعمدة الاقتصاد الإسرائيلي". وأضاف أن استمرار الحرب دون أفق سياسي سيجعل إسرائيل "بيئة طاردة للاستثمار ومكانًا محفوفًا بالمخاطر".
من جانبه، شدّد البروفسور دانيال بن دافيد، الاقتصادي في جامعة تل أبيب، على أن الخطر الاقتصادي لا يقتصر على الاستثمارات الأجنبية فحسب، بل يمتد إلى البنية الداخلية للاقتصاد. وأوضح: "في حال توسعت العزلة الدبلوماسية، ستواجه إسرائيل سيناريو يشبه اقتصاديات الدول المحاصرة، مع تراجع السياحة، تقلص التبادلات التجارية، وضغوط متزايدة على الموازنة العامة بسبب كلفة الحرب". ورأى بن دافيد أن "المعادلة واضحة: كلما طالت الحرب بلا حل سياسي، كلما زادت المخاطر بأن تدخل إسرائيل في أزمة اقتصادية طويلة المدى قد يصعب الخروج منها".
هذه التحذيرات مجتمعة ترسم صورة قاتمة للمستقبل، حيث لا تقتصر التحديات على الجانب العسكري أو السياسي، بل تمتد إلى تهديد أسس الاقتصاد الإسرائيلي ومكانته الدولية، ما يجعل أي تجاهل لهذه المؤشرات بمثابة مجازفة استراتيجية قد تدفع ثمنها الأجيال القادمة.
على الساحة الخارجية، يزداد الضغط على الحكومة الإسرائيلية. ففي الولايات المتحدة، برزت أصوات داخل الحزب الديمقراطي تطالب بربط المساعدات العسكرية بوقف إطلاق النار. أما في أوروبا، فقد تصاعدت الدعوات لفرض عقوبات، بما يشمل تقييد صادرات السلاح والتكنولوجيا إلى إسرائيل، ما يعزز المخاوف الداخلية من عزلة خانقة.
يكشف الاستطلاع الأخير أن إسرائيل تقف أمام مفترق طرق: بين استمرار الحرب التي فقدت ثقة الجمهور، وبين الدخول في تسوية سياسية تتيح صفقة تبادل ووقف إطلاق النار. وبينما يتمسك نتنياهو بخطاب "الانتصار المطلق"، تبدو قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي مقتنعة بأن المخرج الوحيد يكمن في خيار سياسي ودبلوماسي يوقف نزيف الحرب ويعيد الأسرى ويجنب إسرائيل عزلة دولية وأزمات اقتصادية متصاعدة.
