حمزة قرقماز

المطلوبُ من يرى عواقب الأمور

الاستجابة الفورية للأحداث التي تجري في حياة الإنسان والتوقف عندها هي شغل الأشخاص أصحاب البصر، بينما اتخاذ الإجراءات الاستراتيجية وقراءة السياق بشكل صحيح هي شغل الأشخاص أصحاب البصيرة. في هذه المرحلة، لا مفر من أن يفحص كل واحد منا مدى بصيرته.

يروى في القصة أنه ذهب شخص إلى صائغ مجوهرات وقال: ”أريد أن أزن بعض الذهب، أعطني ميزانك“. قال الصائغ: ”عزيزي السيد، اذهب بعيدًا، ليس لدي غربال!“ قال الرجل: ”لا تسخر مني. أعطني  الميزان“. قال الصائغ: ”ليس لدي مكنسة“. قال الرجل: ”كفى سخرية. أريد الميزان منك. لا تكن أصمًا؛ توقف عن التردد، أعطني الميزان فقط“. قال الصائغ: "أنا لست أصمًا، لقد سمعتك، لا تظن أن كلماتي بلا معنى. لقد سمعتك، لكنك رجل عجوز لم يعد لديك قوة أو طاقة، لا شك لدي أن يدك سترتجف من الضعف. الذهب الذي ستزنه ليس سبيكة، إنه مسحوق ومفتت. سترتجف يدك، وستسكبه على الأرض، ثم ستطلب مني مكنسة لتكنس الذهب الذي سقط على الغبار الذي على الأرض. ما إن تكنس الذهب وتجمعه في مكان واحد، حتى تصر على طلب الغربال. لقد رأيت عاقبة هذا بالفعل؛ من الأفضل أن تذهب إلى مكان آخر!"

نعم، إن امتلاك وعي مثل وعي الصائغ الذي رأى العاقبة أصبح مسألة حياة أو موت بالنسبة للمسلمين. أن تكون ضحية للوضع الراهن، وأن تشاهد الأحداث وهي تسير وكأنك تشاهد فيلماً، وأن تتفاعل بشكل عابر وتقول: ”الله كريم يا عزيزي!“ للخطوة التالية، هو استهزاء بسنة الله وعدم مسؤولية.

عاقبة عدم وجود البصيرة

ما أكثر ما حصل لنا بسبب هذا العمى! انظروا إلى فلسطين... لأكثر من سبعين عاماً، لم يستطع العالم الإسلامي، الذي غاب عن صناعة التاريخ، أن يفعل شيئاً سوى ردود فعل مؤقتة وإدانات. للأسف، هناك منطقة راحة تأتي مع عدم القدرة على التبصر في عاقبة الأمر. أولئك الذين لا يدركون أن الأحداث في فلسطين ستتحول يوماً ما إلى نار ستلتهم بيوتهم قد ارتكبوا أكبر خيانة للإسلام والمسلمين والأجيال القادمة بردود أفعالهم المؤقتة وجهودهم لتحقيق مكاسب مرحلية.

في المقابل، طورت الحركة الصهيونية مشروعها على مدى فترة طويلة من الزمن، مستمرة من حيث توقفت الأجيال السابقة، كما لو كانت في سباق تناوب. والواقع أن تصريحات نتنياهو الأخيرة حول ”إسرائيل الكبرى“ هي أوضح دليل على ذلك. لو كان المسلمون قادرين على التبصر بالنتيجة النهائية، لطرحوا بلا شك مشاريع تستشرف القرون القادمة بدلاً من التركيز على الحاضر، ولما وجدوا أنفسهم في وضعهم المهين الحالي.

كان هذا المرض منتشراً أيضاً أثناء انهيار الدولة العثمانية

عدم وجود البصيرة هو سمة واضحة للفترات التي شهدها المسلمون من الانهيار. فكروا في هذا: أوروبا كانت قد مرت بثورتها الصناعية وبدأت في التقدم، بينما كانت الدولة العثمانية منشغلة بالصراعات الداخلية. لو أن الثروة الهائلة التي كانت تحت تصرفها قد استُخدمت لتقوية الصناعة والتعليم والجيش، لربما لم نكن اليوم نناقش الإبادة الجماعية في غزة. مما لا شك فيه أن ما يحدث اليوم هو نتيجة لتراكم تاريخي. نعم، مع انهيار الدولة العثمانية، فشل المسلمون الذين فقدوا بصيرتهم ورجال الدولة الذين عانوا من عدم القدرة على التبصر بنهاية الأحداث في الحفاظ على الخلافة التي وحدت المسلمين تحت سقف واحد، مما أشعل فتيل أكثر الفترات مأساوية في تاريخ المسلمين.

اليوم، نرى التاريخ يعيد نفسه لأن العبر لم تُستخلص. بعبارة أخرى، مجتمعاتنا عالقة في حلقة مفرغة، بعد أن أصبحت مجرد كومبارس بدلاً من أن تكون بطلة الأحداث التي تدور حولها، ساعية وراء مصالح قصيرة الأمد ومصابة بفيروس الدول القومية والقومية. في غضون ذلك، يتم إعادة خلط الأوراق في المنطقة، ويتم تنفيذ خطط بعيدة المدى للقرن المقبل. أما نحن نواصل دعايتنا الجوفاء...

تجدر الإشارة إلى أن هذا الاتجاه سيتغير في اللحظة التي نكتسب فيها القدرة على استبصار نتائج أفعالنا. نعم، نحن اليوم في حالة يرثى لها. ولكن إذا اكتسبنا أولاً ”البصيرة“ على المستوى الفردي والمجتمعي، ثم على مستوى الدولة، فسنتمكن من تفسير ما يحدث حولنا بشكل صحيح، وكما في تاريخنا المجيد، سنكون نحن من يضع قواعد اللعبة بدلاً من اتباعها. كل ما علينا فعله هو أن نستيقظ ونحرر أنفسنا من العمى!

 

 

 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة