لم تعد غزة مجرد منطقةٍ أمنيةٍ خطيرةٍ للقتال تتعرض على مدار الساعة لكل أنواع القصف والصواريخ، بل إنها تشهد معركةً أمنيةً موازية لا تقل خطورةً ولا تأثيرًا عن المواجهة العسكرية المباشرة؛ إذ يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى ضرب تماسك الجبهة الداخلية عبر زرع العملاء، وتغذية الفوضى الداخلية، وتشغيل العصابات والمستعربين، في وقت تحاول فيه المقاومة أن تثبت قدرتها على تطهير ساحتها الداخلية وحماية ظهرها من الخيانة.
خطًا أحمر
لم يعد سلاح الاحتلال محصورًا في الطائرات والدبابات؛ بل باتت «المعلومة» التي يقدمها «العميل» أخطر من أي صاروخ، لأنها قد تحدد مصير قائدٍ ميداني أو تكشف موقعًا حساسًا، وهو ما يجعل المعركة في مواجهة العملاء لا تقل أهميةً عن إدارة المواجهة في الميدان. وفي المقابل، اختارت المقاومة أن ترفع سقف المواجهة عبر الإعدامات العلنية للعملاء، كإشارةٍ واضحة على أن الخيانة أصبحت خطًا أحمر، وأن المجتمع كلُّه شريك في حمايته من الاختراق.
وكانت المقاومة الفلسطينية قد أعلنت في بيانٍ صحفي أنها تمكنت من تصفية مجموعةٍ من العملاء الذين تورطوا في العمل مع أجهزة استخبارات العدو، وقد ثبت لدى المقاومة بالدليل القاطع قيام هؤلاء العملاء بالأعمال الخيانية التالية: تسليم عددٍ من المجاهدين والمقاومين إلى الاحتلال، وكشف مواقع وعملياتٍ حساسةٍ خاصةً بالمقاومة، وتسليم كمياتٍ من العتاد للعدو، والتورط المباشر في اغتيالِ مجاهدَين في منطقتي بيت حانون وبيت لاهيا.
وحذرت المقاومة كافة المواطنين من الانخراط في أي نشاطٍ مشبوهٍ يخدم الاحتلال بأي شكل من الأشكال، وأكدت أن العدوَّ لا يحمي عملاءَه، بل يستخدمهم وقودًا لمشاريعه ثم يتخلى عنهم.
من جانبٍ آخر، أصدر أمن المقاومة تحذيرًا أمنيًا شديدَ اللهجة من التعامل مع عددٍ من العملاء في قطاع غزة يتلقون تعليماتٍ مباشرةً من ضباطِ مخابرات الاحتلال.
ذرائع متعددة
وكشف أمن المقاومة في بيانٍ أن هؤلاء يستدرجون المواطنين تحت ذرائع متعددة، بينها تقديم مساعدات أو الادعاء بالارتباط بالسلطة الفلسطينية، وحدد أسماء العملاء وهم: أشرف محمد محمود المنسي، وأحمد عبد الكريم السماعنة، ورامي عدنان محمد حلس، وأحمد مسعود صابر جندية، وحسام عبد المجيد أحمد الأسطل.
وأوضح أمن المقاومة أن الأفراد المذكورين ينشطون ضمن شبكات تعمل لصالح الاحتلال، ويستخدمون أساليبَ احتياليةً للإيقاعِ بأبناء الشعب الفلسطيني.
ودعا المواطنين إلى عدم التواصل أو التعامل معهم بأي شكل من الأشكال.
ودعت المقاومة عائلات العملاء إلى التبرؤ من أبنائهم الخونة، كما فعلت مشكورة كل من عائلة العميل/ حسن جمعة عبد الحميد أبو فرية، وعائلة العميل/ أحمد عبد الكريم إسماعيل السماعنة، حفظًا لشرف العائلة وبراءةً من العار.
وأكدت المقاومة الفلسطينية أن يدها ستطال كل من تلطخت يداه بخيانة الوطن، وأن لا مكان للخونة بين أبناء شعبنا، ولن تتهاون مع من باعوا ضمائرهم مقابل الفتات.
وفي ذات السياق، حذّر أمن المقاومة من تصاعد نشاط العصابات العميلة والمستعربين في قطاع غزة، وقال إن معطياتٍ أمنيةً مؤكدةً رصدت عصاباتٍ قامت باختطاف مجاهدين، في إطار ما وصفه بمخطط العدو الرامي إلى كسر حالة الثبات الميداني والنيل من كوادر المقاومة.
وأضاف أمن المقاومة أن التوصيات الأمنية في هذا السياق شملت الالتزامَ بأعلى درجات الحيطة والحذر في التنقلات واللقاءات، وعدم الاستجابة لأي نداءات أو اتصالات مجهولة المصدر، وتجنب ارتياد المواقع الخالية أو قليلة الحركة، إلى جانب إبلاغ الجهات المختصة فورًا عن أي تحركات أو أشخاصٍ يثيرون الريبة.
وفق تقديرات خبراء الشأن الأمني، يمثّل العميل في زمن الحرب خطرًا مضاعفًا يفوق أثر أي غارةٍ جوية. فالغارة يمكن التنبؤ بها أو تجنّبها أحيانًا، لكن المعلومة التي يسرّبها العميل للاحتلال تُعتبر «الرصاصة غير المرئية» التي قد تُصيب في العمق دون سابق إنذار.
العميل هو العين التي يزرعها الاحتلال داخل المجتمع، والعنصر الذي يمكّنه من تحديد أهداف دقيقة، سواء كانت بيوت قادةٍ ميدانيين، أو مخازنَ أسلحة، أو حتى أماكنَ اجتماعاتٍ سرية.
تسريب مواقع حساسة
وفي هذا السياق يقول رامي أبو زبيدة، الخبير في الشؤون العسكرية والأمنية: إن دوافع المقاومة للانتقال إلى مرحلة الإعدامات العلنية لا يمكن قراءتها بمعزلٍ عن سياق الحرب الراهنة، فالتصعيد الأمني جاء نتيجة تراكم معطياتٍ خطيرة خلال الأشهر الأخيرة، حيث تبيّن أن بعض العملاء كانوا وراء تسريب مواقع حساسةٍ جدًا، ما أدى إلى استهداف مقاومين في لحظاتٍ حاسمة. لذلك رأت المقاومة أن الردع العلني أصبح ضرورة وطنية، ليس مجرد خيار أمني.
ويحدد أبو زبيدة ثلاثة دوافع رئيسية دفعت المقاومة إلى التصعيد العلني في مواجهة العملاء والعصابات المسلحة: ضرورة إغلاق ثغراتٍ أمنيةٍ حساسة؛ فالحرب كشفت أن الاحتلال استغل حالةَ الفوضى الإنسانية والضغوط المعيشية لاختراق المجتمع، مما ساعد بعض العملاء على تمرير معلومات بالغة الأهمية حول تحرّكات المقاومين. وفق أبو زبيدة، فإن «الإعلان العلني يوجّه رسالةً مباشرةً لكل من قد يفكّر بالارتباط بالاحتلال بأن النهاية ستكون معلومةً ولن تكون سريةً كما اعتدنا في الماضي. إذاً ترى المقاومة بهذا الأسلوب محاولةً جادةً لقطع الطريق أمام أي محاولاتٍ جديدةٍ للتعاون مع الاحتلال».
ويُربط أبو زبيدة أن هناك دافعًا ثالثًا ذو أهمية بالغة يندرج ضمن طمأنة الشارعِ الغزي وسط القصف والحصار والانهيار الخدمي؛ قد يتسلّل شعورٌ لدى المواطنين بأن الأجهزة الأمنية مشلولة. لذلك اختارت المقاومة إظهارَ قوتها الداخلية، لتأكيد أن قدراتها لم تُستنزف بالكامل وأن عيونها مفتوحة في كل الاتجاهات.
حرب عسكرية وامنية
ويضيف أبو زبيدة: «المقاومة تدرك أن الحرب ليست عسكريةً فقط، بل أمنيةً ونفسيةً أيضًا. الإعلان عن تصفية العملاء رسالة ردعٍ جماعية، وفي الوقت نفسه عامل طمأنة للحاضنة الشعبية التي تُدرك أن الخيانة لن تمر دون حساب».
وفق ما تشير إليه بيانات أمن المقاومة وتحليلات خبراء الشأن الأمني، الأجهزة المعنية برصد التجنيد، فإن الاحتلال يستهدف فئاتٍ محددة داخل المجتمع الغزي لتحويلها إلى أدوات استخباراتية، ويفضل أصحابَ السوابقِ الجنائية وتجارَ المخدرات والضعفاء اقتصاديًا واجتماعيًا؛ إذ يجد من هؤلاء الأشخاص من يشكّل هدفًا عمليًا لأن دوافعهم المادية أو الخوف من الفضيحة تجعلهم أكثر قابليةً للمساومة.
وحول آليات التجنيد تقول المواقع الأمنية إنها تبدأ بالرصد والاقتراب، ثم عرض الحوافز أو تفعيل الابتزاز، يلي ذلك تدريج مهام متصاعدة تتدرج من نقل معلومات بسيطة إلى تسهيل دخول عناصر وتجهيزات أو نقل عتاد.
ووفق منصة «الحارس» تتحول الشبكات المحلية ووسائل الاتصال التقليدية والرقمية إلى قنوات لتمرير التعليمات والموارد والتكليفات التي غالبًا ما تدار عبر وسطاء لتفادي ربط العميل مباشرةً بجهاز الاستخبارات؛ ومعظم التعليمات تُمنح عبر قنوات مشفّرة أو حسابات وهمية، ما يصعّب كشفها مبكرًا.
أحد العملاء المشار إليهم بـ(ع.م) تحوّل من تاجر مخدرات إلى حلقة وصل استخباراتية تقوم بجمع معلومات ونقل معدات والمساهمة في عمليات لوجستية.
ويرى الخبراء أن الاستثمار في هذه الفئة يحقق للاحتلال أهدافًا مزدوجة: أولًا قدرةً تكتيكيةً على تحديد مواقع ومواعيد حساسة، وثانيًا إحداث تشتتٍ اجتماعي من خلال إشعال نزاعات أو دعم عصابات محلية تعمل كقوى مضللة. العميل هنا ليس مجرد ناقل معلومات بل أداة لوجستية، ويمكن تحويله إلى محرضٍ محلي أو منفّذ عملياتٍ صغيرة تهدف إلى تعقيد مهمة الأجهزة الأمنية في قطاعٍ صغير المساحة ومكثف الارتباطات العائلية.
من زاوية المواجهة، يضع وجود هؤلاء تحدياتٍ استخباراتيةً تتجاوز الحلول العسكرية. القضاء على عنصرٍ أو إغلاق نقطة لا يكفي إذا بقيت شبكة من الوسطاء والأسر والروابط التي تسمح بتجدد الظاهرة.
وتؤكد الجهات الأمنية أن إدارة ملف العملاء يتطلب توازنًا بين ردع الخيانة وحماية النسيج الاجتماعي من التصدع أو الوصم اللاحق بالأسر. دعاوى التبرؤ العلني من بعض العائلات، بحسب مراقبين، قد تردع المصابين بالشك، لكنها في المقابل قد تفتح جروحًا عاطفية وتمنح ذريعةً لانتقامٍ محلي إذا لم تُصاحب بآليات قانونية أو مجتمعية تحمي الأبرياء وتضمن إجراءات تحقيقٍ شفافة.
الضعف و الانحراف
ويرى أبو زبيدة الخطر ويؤكد على استراتيجية الاحتلال في توظيف الضعف الإنساني: «الاحتلال يستثمر في نقاط الضعف الفردية ويحول المنحرفين إلى أدوات في أخطر اللحظات الميدانية». ويضيف أن طبيعة هذه المعركة مختلفة عن المواجهة التقليدية؛ فهي تتطلب استخبارات مضادّة متقدمة وقدرةً على قطع خطوط التمويل والاتصال التي تغذي عملاء العدو.
ويؤكد أبو زبيدة أن استغلال الفاسدين والمنحرفين يفرض على المقاومة إعادة تشكيل استجابتها الأمنية بأسلوبٍ متعدد المستويات يجمع بين الاستخبارات الدقيقة وإدارة المجتمع. وجود عملاء داخل النسيج الاجتماعي يجعل الحلول العسكرية وحدها غير كافية: استئصال عنصرٍ هنا أو هناك لا يقطع الشبكة التي تسمح بتجدّد الظاهرة ما لم تُرافقه آليات مجتمعية وقضائية واضحة. لذا تحوّلت أولويات الاستجابة من مجرد تنفيذ عملياتٍ ميدانية إلى بناء نظامٍ متكامل يشمل رقابةً مجتمعيةً محسوبة، استخباراتٍ مبنيةً على الأدلة، إجراءاتٍ لإدارة الأثر الاجتماعي، وأساليبَ استخباراتٍ مضادّة تستهدف قنوات التجنيد وتمويلها.
ويكشف أن الرقابة المجتمعية المحسوبة، كتشجيع المواطنين على الإبلاغ، ضروري، لكنَّه يحتاج إلى آليات تقلّل مخاطرة الاتهامات العشوائية. يعني ذلك إطلاق حملاتٍ توعوية موجهة تشرح ما الذي يستدعي التبليغ (مؤشراتٍ سلوكيةٍ محددة، تعاملاتٍ ماليةً مشبوهة، اتصالاتٍ رقميةٍ مريبة)، وتقديم خطوط تواصلٍ سريةٍ وآمنةٍ للتبليغ. كما يجب أن تُرافق هذه القنوات وحداتُ تحققٍ سريعة ومتخصصة تمنع تحويل الشكوك الفردية إلى حملاتِ تشويه تستهدف أشخاصًا أبرياء.
ويؤكد أنه يجب أن تركز المقاومة على تشويش قنوات إدارة العملاء وقطع خطوط التمويل والاتصالات. ذلك يتضمن تتبّع الوسطاء الذين يربطون بين العملاء والاستخبارات المعادية، كشف شبكات الدعم اللوجستي، وإغلاق الثغرات في نقاط العبور أو الاتصال. إجراءات فنية مثل مراقبة الحسابات الوهمية، تتبّع التحويلات المالية المشبوهة، وتعطيل القنوات الرقمية المستخدمة في التوجيه تُضعف قابلية العدو للاستفادة من عملائه.
ويذكر أن تنفيذ المقاومة عمليتين أمنيتين أسفرتا عن إعدام ستة عملاء، ونشرت أسماء مجموعةٍ أخرى لتحذير الجمهور. باتت الرسالة الرسمية والإعلامية واضحةً ومباشرة: التعامل مع هؤلاء لا يندرج في باب الخطيئة الفردية فحسب، بل هو تهديد مستمر لمستقبل المجتمع ككل. إذ لم تعد الخيانة مجرد فعلٍ معزول يؤذي جهةً معينة، بل تحوّلت إلى أداةٍ تمكّن العدو من استهداف المدنيين والمقاتلين على حدٍّ سواء، وإضعاف قدرة المجتمع على الصمود في ظل حربٍ شاملة.
قطع الطريق
التحذير الذي صدر عن أمن المقاومة لم يقتصر على تحذيرٍ فردي، بل صاحبه قرارٌ علني بكشف الأسماء ومطالبة العائلات بالتبرؤ. هذا الأسلوب يهدف إلى قطع الطريق على أي تواطؤ أو تهاون، ويمثّل محاولةً لخلق آليةٍ رقابيةٍ مجتمعيةٍ تستند إلى المعلومات الرسمية بدل الإشاعات، مع التأكيد على أن أي تهاون قد يحمل تبعات تتخطى الخيانة الشخصية إلى آثارٍ أمنيةٍ وجماعيةٍ بعيدة المدى.
من منظورٍ أمني، تُقرأ عمليات التصفية وكشف الأسماء كخطوةٍ عمليةٍ لإيقاف تسلسل الاختراقات: إزالة عناصر نشطة، فضح شبكات دعمها، وتحذيرَ آخرين من مواصلة التعاون. ومن منظورٍ اجتماعي، تحمل هذه الخطوات رسالةً تحذيريةً للأسر والمجتمعات المحلية بأن السكوت أو التواطؤ مع العميل يساوي تسهيل عمل العدو وإضعاف قدرة الدفاع الجماعي.
في هذا الإطار يؤكد خبراء الشأن الأمني أن الردَّ المؤسس يجب أن يقترَنَ بضوابطٍ وإجراءاتِ تحقيقٍ لضمان عدم توجيه اتهاماتٍ عشوائيةٍ وإدارة أثرٍ اجتماعيٍ مدروس. ومع ذلك، تبقى الرسالة العامة التي أرادتها المقاومة حازمةً: العميل لا يُعاقَب على خيانته وحدها، بل على مساهمته في تعريض مستقبل شعبه للخطر. والنتيجة الأوضح اليوم: الخيانة طريقٌ بلا عودة، والمقاومة بالمرصاد.
