صاروخ "قسام" الضفاوي : تجربة ميدانية قد تعيد رسم قواعد الاشتباك و المواجهة

z8uZH.webp

يُعَدّ صاروخ "قسام" الضفاوي، الذي أُطلق من قرية كفر نعمة غرب رام الله، واحدًا من ضمن تصاعد المسارات والمحاولات لتوسيع قواعد الاشتباك من غزة إلى الضفة، بما يعكس سعيًا واضحًا لنقل الخبرة والرمزية الصاروخية إلى بيئة مختلفة ومعقدة أمنيًا.

ورغم محدودية التجربة أو طابعها التجريبي، فإنها تمثل إشارة استراتيجية إلى رغبة فاعلين محليين في إعادة رسم جغرافيا الصراع، وفرض معادلات استخبارية وأمنية جديدة على الاحتلال، وتعزيز خطاب المقاومة ومنح جمهورها دفعة معنوية. ومن جهة أخرى، تضع هذه التجربة أجهزة الأمن الإسرائيلية أمام تحديات متنامية لمراقبة ومنع تكرار مثل هذه المحاولات.

الوقائع الميدانية، كما نقلتها وسائل إعلام عربية ومحلية وعبرية، تذكر أن الإطلاق وقع في ساعة متأخرة من الليل، على مقربة من مستوطنة موديعين عيليت، وأن أجهزة الاحتلال ضبطت أجزاء من منصة الإطلاق وبقايا هيكلية للصاروخ على مسافة من نقطة الانطلاق، ما يؤكد – بحسب هذه التقارير – أن التجربة تجاوزت مرحلة التخزين أو التصنيع ووصلت إلى مرحلة إطلاق فعلي، حتى لو لم تصل إلى هدف داخل الأراضي المحتلة.

قواعد المواجهة 

لا تزال التفاصيل الفنية والجهة المنفذة الدقيقة غير مُعلنة رسميًا من جهات فلسطينية موثوقة. والمهم في الحادثة ليس فقط مكوّنها التقني، بل دلالتها الرمزية والعملية: أن قدرة على المبادرة الصاروخية، ولو كانت ابتدائية، قد بدأت في الظهور في مشهدٍ يطمح بعض الفاعلين فيه إلى إعادة تعريف قواعد المواجهة في الضفة.

وبحسب المختصين، فإن تجربة "القسام" خارج غزة ليست مفاجأة تامة. فخلال السنوات الماضية ظهرت في الضفة مجموعات مسلحة محلية، بينها تشكيلات حملت مسميات ترتبط بتاريخ الانتفاضات أو بقادة رمزيين (مثل ربط اسم مهندس حماس "العياش" ببعض الكتائب في شمال الضفة)، وسُجِّلت محاولات متناثرة لصناعة وتجريب قذائف محلية الصنع وإطلاقها نحو محيط مستوطنات. ما يميّز الحادثة الراهنة هو تكرار الإشارة إلى نجاح الارتفاع الفعلي للصاروخ، وهو ما يضيف بُعدًا عمليًا إلى بُعدها الرمزي.

ويرى المحللون أن تلك الحادثة ليست مجرد عمل ميداني معزول، بل قد تمثل نقطة انطلاق لإعادة تشكيل معادلات الردع في الضفة الغربية. فعندما تُظهر الفاعليات المحلية قدرة – حتى محدودة – على امتلاك منصة صاروخية وتجريبها فعليًا، يتحول السرد من "مقاومة محلية متناثرة" إلى "قوة قادرة على المبادرة". وبذلك تنتقل المبادرة من حقل ردود الفعل إلى حقل الفعل، وتبدأ المقاومة في فرض إيقاعها على ساحات القرار الأمني.

وبحسب خبراء عسكريين، فإن هذا التحول له ثلاثة أبعاد تكتيكية وسياسية واضحة: أولًا، مبدأ المبادرة نفسه، أي أن القدرة على إطلاق عمليات مبادرة تجبر الاحتلال على تعبئة استخبارية وأمنية أكبر، وتكبده تكلفة عملياتية تتجاوز إجراءات الاعتقال والاحتواء التقليدية، ما يربك الجداول الزمنية ويعطّل خطط السيطرة.

أما البعد النفسي والسياسي: فحتى إمكانية امتلاك منصة صاروخية محدودة المدى تزرع الخوف وعدم الاطمئنان بين المستوطنين والقواعد الإسرائيلية، فتتآكل الثقة في قدرة الأجهزة على الاحتواء، ويزداد الضغط الشعبي والسياسي على القادة الإسرائيليين لاتخاذ إجراءات تصعيدية أو احترازية مكلفة. علاوة على الرسائل الداخلية التي تحوّل كل فعل ميداني ناجز إلى مادة دعائية وسياسية تُمكّن الفصائل والخلايا من تضخيم وجودها، وفرض أجنداتها، والضغط على الأجهزة الرسمية الفلسطينية لتغيير مواقفها أو خطواتها السياسية. مجتمعةً، هذه العناصر تجعل من تجربة الصاروخ قرب رام الله أكثر من حدث تكتيكي؛ فهي بوابة محتملة لقلب موازين التعاطي مع مقاومة الضفة، إذ تقرّبها من أدوات ردع جديدة وتضع الاحتلال أمام معضلة: إما تصعيد أمني يعقّد المشهد أو قبول واقع جديد من المواجهة المتنامية.

ردود الفعل الإسرائيلية كانت سريعة ومتوقعة، حيث تم تشديد الإجراءات الأمنية والمداهمات الاستباقية، والتحرك الاستخباري لوقف أي تحركات مماثلة. وهذا ما عكسته تصريحات وسائل إعلام عبرية وصفحات استخباراتية تحدثت عن "قلق" من احتمال أن تكون هذه التجربة بداية لتوسيع مساحة العمل الصاروخي داخل الضفة، مع الإقرار بأن الإمكانيات حتى الآن محدودة، ومدى الرأس الحربي الذي عُثر عليه صغير نسبيًا، بحسب التقديرات الأولية.

تكتيكية قسامية

ويرى الخبراء العسكريون أن هذه الحادثة تكتيكية قسامية للانتقال من نمط ضربات الكتائب الكبيرة إلى عمليات تأثيرية صغيرة، سيما وأن الضفة بيئة مدنية متداخلة أكثر، وقواعدها الأمنية والانتشار الاستيطاني مختلف. لذلك، فإن أي محاولة تصنيع أو إطلاق فيها تُعد مخاطرة عالية بمعايير إدارة العمليات الصغيرة. لكن من جهة أخرى، فإن هذا التدني في الموارد قد يدفع الفاعلين إلى التركيز على "أهداف تأثيرية" بدلًا من أهداف تدميرية واسعة، أي استهداف النفَس المعنوي والسلامة النفسية للمجتمع الإسرائيلي، بدل السعي لتحقيق إصابات كبرى.

ويرى المحللون المختصون أن قوة المقاومة في الضفة تُبنى أولًا من الإرادة والعزيمة، لا من وفرة السلاح أو حجم الإمكانات المادية. فالمعادلة الأساسية، كما يوضحون، تقوم على أن شعبًا يرفض الانكسار قادر على تحويل أي أداة محدودة إلى عنصر ردع فعّال. ومن هنا، فإن التجارب الميدانية الأخيرة – على بساطتها – تفتح الباب أمام إعادة تشكيل حسابات الاحتلال، لأن الابتكار المقاوم حاضر باستمرار، ويبحث دائمًا عن منافذ جديدة للتأثير.

ومن زاوية أخرى، يشير المحللون إلى أن أثر هذه المحاولات لا يُقاس فقط بقدرتها العسكرية المباشرة، بل بما تخلقه من انعكاسات نفسية وسياسية. فالاحتلال يجد نفسه أمام حاجة دائمة لتعبئة استخبارية وأمنية مرهقة، والمستوطنون يعيشون حالة من القلق وانعدام الشعور بالأمان، بينما يزداد لدى الفلسطينيين الإحساس بالصمود والثقة في أن المقاومة قادرة على إرباك المعادلة.

ويؤكد هؤلاء أن جوهر العمل المقاوم في الضفة يجب أن يستند إلى عقلية "حرب شعبية"، تقوم على حماية المجتمع أولًا، والابتكار في التنفيذ ثانيًا، مع الحفاظ على صمت استراتيجي في التفاصيل. وبهذا النهج تستطيع المقاومة أن تضاعف أثرها، وأن تصنع من محدودية الأدوات قوة حقيقية تفرض نفسها في ساحة المواجهة.

أثار صاروخ "قسام الضفة" سلسلة من التداعيات الأمنية التي يراها مراقبون بمثابة تحدٍ مباشر لمنظومة الاحتلال، ليس من ناحية القدرات العسكرية فحسب، بل من حيث التكاليف الباهظة التي تترتب على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية.

فمن الناحية الأولى، يفرض هذا التطور عبئًا استخباريًا متزايدًا، إذ تدفع أي محاولة لإطلاق صاروخ في الضفة الأجهزة الإسرائيلية إلى تكثيف أعمال المراقبة والتنصت ومتابعة شبكات الاتصالات والتمويل المحلي. هذا الجهد يستهلك موارد بشرية وتقنية، ويُرهق دوائر جمع المعلومات التي تضطر لتوسيع عملها الميداني وتخصيص ميزانيات إضافية لرصد محاولات التصنيع المحلي.

مأزق سياسي وإعلامي

أما على الصعيد الثاني، فإن مواجهة مثل هذه المحاولات تستدعي عمليات ميدانية متكررة ومكلفة، إذ لا تقتصر على اعتقالات أو مداهمات محدودة، بل تشمل استنفارات واسعة، وتحريك وحدات خاصة، واستخدام آليات وطائرات مراقبة. هذه الإجراءات تعني نفقات ضخمة على مستوى اللوجستيات والوقود وساعات العمل للقوات، فضلًا عن ارتفاع احتمالات الاحتكاك والخسائر البشرية التي تضع المؤسسة العسكرية في مأزق سياسي وإعلامي.

ويبرز البعد الثالث في إضعاف الروتين الأمني ورفع حالة التأهب بشكل دائم، إذ إن بروز تهديد صاروخي، ولو محدودًا، يجبر الاحتلال على إعادة توزيع قواته وتغيير خطط حماية المستوطنات والطرق والمعابر. هذا التغيير يفرض أعباء إضافية على الجيش، ويُربك آليات الحماية الاعتيادية، ما يجعل كل نشاط يومي بحاجة إلى تقييم جديد، ويزيد من مستوى القلق داخل المجتمع الإسرائيلي.

وفي الجانب الرابع، تتجسد التكلفة في البعد النفسي والاجتماعي داخل المستوطنات. فحتى إذا لم يُسفر الصاروخ عن إصابات مباشرة، فإن مجرد احتمالية التهديد تزرع الخوف في أوساط السكان، وتدفعهم للمطالبة بحماية أكبر أو حتى التفكير بالانتقال من بعض المناطق. هذه الحالة تترجم إلى ضغوط سياسية على الحكومة الإسرائيلية لتقديم حلول عاجلة، وهو ما يضاعف كلفة إدارة الصراع من الناحية الداخلية.

أكثر هشاشة وصعوبة

البعد الخامس يتمثل في تعقيد العلاقة بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية. إذ إن بروز محاولات تصنيع أو إطلاق صواريخ محلية في الضفة يضع السلطة أمام ضغط داخلي من جمهورها وضغط خارجي من إسرائيل، ويحرجها في ملف التنسيق الأمني. ذلك يفتح الباب أمام مزيد من التوتر في العلاقة، ويقلّص من هامش عمل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ما يجعل السيطرة أكثر هشاشة وصعوبة.

أما على المدى الطويل، فإن البعد السادس يتمثل في دخول الطرفين في دورة تصعيدية مستمرة. فكل محاولة لإطلاق صاروخ قد تؤدي إلى رد إسرائيلي واسع، وهو ما يولّد محاولة مضادة من جانب المقاومة، لتتحول المعادلة إلى حلقة استنزاف متبادلة. هذه الحلقة تفرض على الاحتلال إنفاقًا دائمًا على المراقبة والاستعداد، وتُثقل المجتمع الفلسطيني بأعباء أمنية واقتصادية واجتماعية إضافية، ما يجعل التكلفة المستدامة عاملًا ضاغطًا على جميع الأطراف.

وبالنظر إلى هذه الأبعاد مجتمعة، فإن صاروخ "قسام الضفة" يبدو أكبر من مجرد تجربة محدودة؛ فهو إشارة واضحة إلى أن معادلات الأمن في الضفة الغربية قد تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، تُرهق الاحتلال وتفتح الباب أمام تحولات جديدة في طبيعة المواجهة.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة