الصفقة تغيّر قواعد اللعبة: "إسرائيل" في مواجهة تداعيات سياسية وعسكرية غير متوقعة

 ترجمة / شهاب

نشرت صحيفة "يسرائيل هيوم" مقال تحليلي تحت عنوان "الأسعار الباهظة التي تدفعها إسرائيل مقابل صفقة الأسرى"، تناول الكاتب الإسرائيلي تسفيكا حايموفيتش الكلفة المتعددة الأوجه التي تحملتها تل أبيب في سبيل الوصول إلى اتفاق تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في غزة، معتبرًا أن الثمن الذي دفعته إسرائيل يتجاوز بكثير المكاسب المباشرة للصفقة، ويمتد إلى أبعاد سياسية وعسكرية واستراتيجية تمسّ توازن القوى في المنطقة بأكملها.

يبدأ حايموفيتش مقاله بالإشارة إلى الانقسام داخل دوائر صنع القرار في إسرائيل حول الأسباب التي أدت إلى تحقيق ما وصفه بـ“الاختراق” في مسار المفاوضات مع حركة حماس. فهناك من يرى أن العملية العسكرية الأخيرة المسماة “عربات جدعون ب” والتهديد بالسيطرة على مدينة غزة شكّلا عامل الضغط الحاسم الذي أجبر الحركة على التراجع، بينما يرى آخرون أن فشل محاولة اغتيال قيادة حماس في قطر كان النقطة التي غيّرت قواعد اللعبة ودَفعت المفاوضات نحو التفاهم.

ويعتبر الكاتب أن الخلاف حول السبب لم يعد جوهريًا، إذ لا توجد إجابة قاطعة، لكن ما هو مؤكد – بحسب رأيه – أن إسرائيل دفعت أثمانًا لم تكن في حسبان أي خطة سياسية أو عسكرية قبل هذا التحول.

أول هذه الأثمان، وفق حايموفيتش، يتمثل في توقيع اتفاقية الدفاع بين الولايات المتحدة وقطر، التي يصفها بأنها بمثابة “معاهدة دفاعية كاملة” ترفع مستوى العلاقات إلى أعلى درجات الالتزام العسكري والسياسي بين البلدين. هذه الاتفاقية – كما يقول – منحت الدوحة حصانة دبلوماسية وأمنية تجعل من المستحيل تقريبًا على إسرائيل تنفيذ أي عمليات ضد شخصيات تابعة لحماس داخل الأراضي القطرية، وهو ما أفقدها “مرونتها العملياتية” وأرسى واقعًا جديدًا يجعل قطر ملاذًا آمنًا لقادة حماس لا يمكن المساس به.

ويعلّق ساخرًا: “ربما لا تنوي إسرائيل غزو قطر، لكنها فقدت قدرتها على المناورة مع من تعتبرهم خصومها هناك، وهو ثمن لم يكن مدرجًا في أي اتفاق أو خطة.”

الثمن الثاني الذي يناقشه الكاتب هو التحول في العلاقات الأميركية – التركية، لا سيما قرار واشنطن تزويد أنقرة بطائرات F-35 المتطورة. ويرى أن هذه الخطوة تمثل تهديدًا مباشرًا لمبدأ التفوق النوعي الإسرائيلي الذي ظلّ ركيزة أساسية في العقيدة الأمنية للدولة العبرية لعقود طويلة. ويحذر من أن وجود تركيا – ذات المواقف العدائية المعلنة تجاه إسرائيل – كقوة إقليمية تمتلك أحدث أنظمة التسليح الأميركي “ينذر بإخلال خطير في ميزان القوى”، خصوصًا إذا ما وجدت الطائرات التركية نفسها في مواجهة الطائرات الإسرائيلية فوق أجواء سوريا أو البحر المتوسط، وهو سيناريو “كانت تل أبيب تأمل تفاديه بالكامل”.

أما الثمن الثالث، فهو سياسي بامتياز. إذ يرى حايموفيتش أن الصفقة أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية، بعد أن كانت غائبة عن طاولة النقاش في السنوات الأخيرة. فوفق مقاله، لم يكن ملف “الدولة الفلسطينية” مطروحًا في أي من المقترحات الإسرائيلية أو الأميركية السابقة، إلا أن التطورات الأخيرة أعادت فتح الباب أمام مسار سياسي جديد يمكن أن يفضي – ولو على المدى البعيد – إلى إحياء خيار حلّ الدولتين. ويصف الكاتب هذا التطور بأنه “أكثر ما يخشاه صانع القرار الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر”، لأنه يعيد فرض ضغوط دولية على الحكومة الإسرائيلية قد تعيد ترتيب الأولويات في المنطقة.

ويختتم حايموفيتش مقاله بعبارة نقدية لاذعة قائلاً إن اتفاق الأسرى أنهى أزمة لكنه فتح ثلاث أزمات أكبر، مشيرًا إلى أن غزة لم تعد شأناً محلياً بل تحوّلت إلى ملف إقليمي ودولي معقد يعيد رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط. ويرى أن هذا المسار قد يسهم من جهة في توسيع دائرة اتفاقات السلام والتركيز على الملف الإيراني، لكنه من جهة أخرى أدخل إسرائيل في شبكة من التبعات السياسية الصعبة التي قد تستنزف قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة.

ويخلص الكاتب إلى أن إسرائيل “مرة أخرى تُثبت افتقارها للتخطيط بعيد المدى، إذ تندفع لحلول آنية تُنتج أزمات أكبر مما تحلّه”، قبل أن يختم بقوله: “فلنأمل أن يعود أبناؤنا قريبًا إلى الوطن، وبعدها فقط يمكننا أن نحاسب أنفسنا على الأثمان الثقيلة التي تكشفت تباعًا.”

ويخلص حايموفيتش في مقاله إلى أن إسرائيل تواجه اليوم واقعًا جديدًا فرضته صفقة الأسرى، يتمثل في فقدان جزء من حرية حركتها العملياتية خارج حدودها نتيجة التحصين الدبلوماسي والعسكري الذي باتت تتمتع به قطر بعد توقيع اتفاقية الدفاع مع الولايات المتحدة. كما يشير إلى أن ميزان التفوق العسكري الإسرائيلي يشهد تراجعًا ملحوظًا في ظلّ الدعم الأميركي المتزايد لتركيا وتزويدها بطائرات F-35، ما يخلق معادلة إقليمية أكثر هشاشة وتعقيدًا بالنسبة لتل أبيب.

أما سياسيًا، فيرى الكاتب أن أخطر ما نتج عن الصفقة هو عودة القضية الفلسطينية إلى قلب الأجندة الدولية، بعد أن كانت غائبة عن النقاش العالمي لسنوات. ويعتبر أن هذا التطور يعيد إحياء الجدل حول حلّ الدولتين، ويضع الحكومة الإسرائيلية أمام موجة جديدة من الضغوط الخارجية التي قد تعيد رسم خريطة التحالفات والمصالح في المنطقة.

وبذلك، يرى حايموفيتش أن صفقة الأسرى لم تكن مجرد خطوة إنسانية لاستعادة المحتجزين، بل نقطة تحول استراتيجية قد تغيّر موقع إسرائيل في ميزان القوى الإقليمي، أكثر مما تغيّر مصير الأسرى أنفسهم.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة