لم تعد لغة الأرقام مجرد إحصاءات في دفاتر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بل تحولت إلى مرآة تعكس عمق المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل حرب مستمرة على غزة تستنزف الجنود والموارد والقدرة على الصمود.
تشير البيانات الرسمية إلى أن 81 ألف عسكري أصيبوا في الحروب المختلفة، بينهم 20 ألف جندي في حرب غزة وحدها، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المواجهات الإسرائيلية. الأخطر أن ما يقارب 10 آلاف جندي يعانون من اضطرابات وصدمات نفسية، ما يعني أن المعركة انتقلت من الميدان إلى داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته.
التكاليف المترتبة على هذه الحرب تبدو هائلة أيضًا، إذ تجاوزت فاتورة علاج المصابين العسكريين 2.5 مليار دولار، في وقت يواجه فيه الجيش عجزًا طبيًا خطيرًا، يصل إلى طبيب واحد فقط لكل 750 مصابًا. هذه الفجوة الصحية تضيف بعدًا إنسانيًا وأمنيًا للأزمة، حيث يفتقر المصابون إلى الرعاية اللازمة بما قد يضاعف تداعيات الحرب على المدى البعيد.
القراءة التحليلية لهذه الأرقام تكشف أن إسرائيل ليست فقط أمام نزيف بشري ومالي، بل أمام تآكل داخلي في قدرة الجيش على الاستمرار، خاصة مع تصاعد أزمات الثقة بين الجنود وقيادتهم، وازدياد الضغوط على الحكومة التي تواجه انتقادات داخلية متصاعدة.
وبينما تواصل إسرائيل حربها المفتوحة ضد غزة بلا أفق سياسي أو عسكري واضح، تبدو هذه الأرقام بمثابة شهادة إدانة صامتة، تؤكد أن الاحتلال يغرق أكثر فأكثر في حرب تستنزفه من الداخل قبل أن تُنهك خصومه.
