تقرير - شهاب
تشهد الساحة السياسية في الكيان الإسرائيلي تطورات متسارعة مع تصاعد الدعوات لتشكيل جبهة واسعة تضم قوى سياسية وحزبية وشخصيات عامة، هدفها الرئيسي إسقاط حكومة بنيامين نتنياهو التي تواجه انتقادات غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتأتي هذه التحركات على وقع تصاعد الغضب الشعبي داخل الكيان الإسرائيلي بسبب طول أمد الحرب، وفشل الحكومة في إعادة الأسرى من قطاع غزة، إضافة إلى الخسائر البشرية الكبيرة في صفوف الجيش، والتراجع الاقتصادي الحاد الذي يهدد قطاعات حيوية.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن ثقة الشارع الإسرائيلي بنتنياهو تراجعت بشكل غير مسبوق، حيث عبّر أكثر من 70% من المستطلعين عن عدم رضاهم عن إدارة الحكومة للأزمة.
ووفق مراقبون، فإنه من الواضح أن الكيان الإسرائيلي يعيش لحظة سياسية فارقة، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على الجبهة الخارجية مع غزة، بل انتقل إلى الداخل الإسرائيلي نفسه، ومع استمرار الحرب وتفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، تبدو حكومة نتنياهو أمام اختبار قد يكون الأصعب في مسيرتها، فيما تعوّل المعارضة على استثمار هذه اللحظة التاريخية لبناء جبهة قد تعيد رسم المشهد السياسي بالكامل.
تحالفات متشابكة
قادة أحزاب سياسية إسرائيلية اتفقوا على تشكيل جبهة لإيجاد بديل من حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المطلوب للجنائية الدولية، في حين تصاعدت الاحتجاجات بإسرائيل، ونشرت القسام صورة وصفتها بالوداعية لـ47 أسيرا إسرائيليا.
وجاء ذلك الاتفاق، عقب اجتماع عُقد في تل أبيب ضم كلا من زعيم المعارضة يائير لبيد، وزعيم حزب إسرائيل بيتنا أفيغدور لييرمان، ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، ورئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان.
وأعلن المجتمعون في بيان مشترك أنهم اتفقوا على تشكيل هيئة مهنية مهمتها وضع الخطوط العريضة لحكومة مقبلة.
وقال البيان إن الهيئة ستعنى بوضع تصور للقوانين، وفرض الخدمة الإلزامية في الجيش على الجميع، والحفاظ على طابع إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وصهيونية.
ويرى محللون أن ما يجمع هذه القوى ليس بالضرورة برنامجًا سياسيًا متكاملًا، بل هدف محدد هو إنهاء حكم نتنياهو، الذي يصفونه بـ"المعرقل لأي تسوية" و"الخطر على مستقبل الدولة".
من أبرز العوامل الضاغطة على الحكومة تصاعد احتجاجات عائلات الأسرى المحتجزين في غزة، الذين يطالبون نتنياهو بالاستقالة وفتح المجال أمام حكومة جديدة يمكنها التوصل إلى صفقة تبادل.
كما تشهد "تل أبيب" وعدة مدن أخرى مظاهرات أسبوعية ترفع شعارات تطالب بـ"إنقاذ الدولة من الانهيار" وتحمل نتنياهو المسؤولية المباشرة عن الفشل الأمني والسياسي.
ورغم الزخم الشعبي والإعلامي، تواجه الجبهة الساعية لإسقاط الحكومة عقبات قانونية وسياسية، أبرزها تمسك نتنياهو بالائتلاف اليميني المتطرف الذي يمنحه أغلبية برلمانية، فضلاً عن غياب رؤية مشتركة بين أحزاب المعارضة بشأن بديل حكومي واضح.
لكن مراقبين يشيرون إلى أن استمرار الحرب وتفاقم أزماتها قد يعجّل بانهيار هذا الائتلاف، خاصة إذا انسحب منه حزب أو أكثر تحت ضغط الشارع أو الحسابات السياسية.
ضغط غير مؤلم
الخبير في الشأن الإسرائيلي الدكتور مهند مصطفى، قال إن الاحتجاج الشعبي داخل "إسرائيل" غير مؤلم من الناحية الاقتصادية لأنه يظل أسبوعيا وليس مستمرا، فضلا عن نجاح نتنياهو في تشويهه وتصويره على أنه يستهدف إسقاطه لأسباب سياسية.
وأضاف مصطفى، أن الفجوة بين دعم هذه الاحتجاجات والمشاركة فيها يجعلها أقل إيلاما، خصوصا وأنها لا تشل حركة القطاعات الاقتصادية التي تهم الحكومة.
ورأى أن التعويل الداخلي على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد انتهى، بل ووصل الأمر إلى حد الغضب والتقزز من حديثه ودعمه لمواصلة الحرب.
ولفت الخبير بالشأن الإسرائيلي إلى أن القضية الأساسية حاليا في الكيان الإسرائيلي، تتعلق بـ"مستقبل الدولة الإستراتيجي والهوياتي، وبموضوع خدمة الحريديم في الجيش والتي تحولت لقضية حياة أو موت بعد أن كانت قضية اقتصادية قبل الحرب، لأن هناك تخوفات من أن يؤجل نتنياهو الانتخابات بسبب حالة الحرب التي يواصل إطالتها".
وحول تشكيل المعارضة لائتلاف لإعادة صياغة شكل "إسرائيل" كدولة يهودية ديمقراطية صهيونية، وهي خطوة يقول مصطفى إنها "تحاول طرح بديل للحكومة الحالية التي تشير كل استطلاعات الرأي إلى أنها ستخسر أي انتخابات مقبلة، وتسعى لحماية المعايير الأساسية للدولة والتي تحاول حكومة نتنياهو القضاء عليها وجعل إسرائيل دولة يهودية دينية وليست سياسية".
في الأسبوع الماضي، أعلن آيزنكوت عن تأسيس "يشار!"، وقدّم قائمة بأسماء 120 مؤسسًا للحزب.
قال آيزنكوت: "سيعمل الحزب على إصلاح المجتمع الإسرائيلي وتعافيه ومنحه الأمل"، مضيفًا أنه "سيضع أمن دولة إسرائيل ومصالحها الوطنية فوق أي اعتبار آخر".
ولم يُبلَّغ زعيم المعارضة يائير لابيد ورئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت مُسبقًا بنية رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت تسجيل حزب، ومع ذلك، لا يزال الاثنان مهتمين بالتواصل مع آيزنكوت، حتى لو تطلب الأمر اندماجًا حزبيًا، وفقًا لتقرير ريشيت العبرية.
وتصاعدت أزمة الحكومة والمعارضة وعائلات الأسرى في "إسرائيل" مؤخرًا، بعد رفض نتنياهو الموافقة على مقترحات للإفراج عن الأسرى ووقف الحرب.
وتشهد مدن إسرائيلية مظاهرات واحتجاجات يشارك فيها آلاف المتظاهرين، مطالبين بوقف الحرب على غزة وإعادة الأسرى.
ويرفض "نتنياهو"، الذي يحاكم داخليا بتهم فساد ومطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب، دعوات المعارضة إلى إجراء انتخابات مبكرة، إذ تتهمه بمواصلة الحرب على غزة للحفاظ على موقعه في السلطة.
