تحوّلت الناشطة السويدية الشابة غريتا ثونبرغ، البالغة من العمر 22 عامًا والمصابة بمتلازمة أسبرجر (أحد أشكال التوحّد عالي الأداء)، من رمز عالمي للنضال البيئي إلى صوتٍ صارخ ضد الإبادة الجارية في قطاع غزة.
غير أن رحلتها الأخيرة على متن "أسطول الصمود العالمي" انتهت بمشهد مأساوي: تعذيب وإهانة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، أجبرتها – بحسب شهادات ناشطين – على الزحف وتقبيل علم الاحتلال خلال احتجازها في المياه الدولية.
اعتقال المهين
الناشط والصحفي التركي أرسين تشليك، الذي كان ضمن الأسطول، أكد أن ما جرى مع ثونبرغ "يفوق الوصف من حيث القسوة والإذلال".
وأشار الصحفي الإيطالي لورنزو داغوستينو إلى أن جنود الاحتلال "لفّوا العلم الإسرائيلي حول جسد غريتا واستعرضوها كما لو كانت غنيمة".
وبحسب ما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، فإن وزارة الخارجية السويدية أبلغت مقربين من ثونبرغ أن ممثلًا عن سفارتها زارها في مقر احتجازها، وتبيّن أنها “تعاني من نقص في الماء والطعام وإصابة بطفح جلدي ناتج عن حشرات الفراش”، إلى جانب إجبارها على الجلوس لساعات طويلة على أرض صلبة، في ظروف وصفتها الصحيفة بأنها “مهينة وترقى إلى التعذيب”.
وُلدت غريتا عام 2003 في العاصمة السويدية ستوكهولم لأسرة فنية ومثقفة؛ والدها الممثل سفانتي ثونبرغ ووالدتها مغنية الأوبرا ميلينا إيرنمن، وجدّها المخرج المعروف أولوف ثونبرغ.
في عام 2018، وبينما كانت في الصف التاسع، قررت التوقف عن الذهاب إلى المدرسة احتجاجًا على تقاعس حكومتها في مواجهة أزمة المناخ، فجلست أمام البرلمان السويدي يوميًا حاملة لافتة كتب عليها “إضراب من أجل المناخ”. ومن هناك وُلدت حركتها الشهيرة “أيام الجمعة من أجل المستقبل” التي اجتاحت العالم.
بعد عامٍ واحد فقط، تحوّلت ثونبرغ إلى أيقونة عالمية، واعتبرتها مجلة تايم “شخصية العام 2019”. فازت بجائزة سبل العيش الصحيحة، وجائزة سفيرة الضمير من منظمة العفو الدولية، كما رشحت ثلاث مرات لجائزة نوبل للسلام. ورغم سخرية بعض القادة منها، بينهم دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، فإنها ظلت مصدر إلهام لملايين الشباب حول العالم.
مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، اختارت غريتا الانحياز للضحايا. أوقفت أنشطتها البيئية لتكرّس صوتها للتنديد بالإبادة في القطاع، معتبرة أن “لا عدالة مناخية بدون عدالة إنسانية”.
ونشرت مع مجموعة من ناشطي “أيام الجمعة من أجل المستقبل” مقالًا في الغارديان جاء فيه: “لن نصمت أمام معاناة غزة… العدالة المناخية لا تنفصل عن حقوق الإنسان”.
موقفها الجريء كلّفها الكثير. فقد أزالت وزارة التعليم الإسرائيلية اسمها من المناهج الدراسية بعد أن دعت إلى وقف إطلاق النار وحرية الفلسطينيين، فيما اعتُقلت في السويد والدنمارك وألمانيا خلال مشاركتها في وقفات مؤيدة لغزة، لم تتردد خلالها في توجيه انتقادات علنية للحكومات الأوروبية الداعمة لإسرائيل.
رغم تعرضها للملاحقة، واصلت ثونبرغ محاولاتها لكسر الحصار البحري المفروض على غزة. ففي سبتمبر/أيلول 2025، انضمت إلى أسطول الصمود العالمي الذي ضم أكثر من 50 سفينة من ناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان من مختلف الدول.
لكن الأسطول لم يصل وجهته؛ إذ اعترضته البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية واحتجزت المشاركين، قبل أن ترحّلهم لاحقًا إلى تركيا.
التقارير الحقوقية وشهادات الناجين أكدت أن المحتجزين خضعوا لمعاملة “مهينة وقاسية بشكل متعمد”، بينما وثّقت الخارجية السويدية تعرض غريتا للحرمان من الطعام والماء ولسوء معاملة جسدية ونفسية.
صوت مقلق
تحولت غريتا إلى كابوسٍ بالنسبة للوبيات الضغط الموالية لإسرائيل في الغرب، فصوتها مؤثر في جيل الشباب الذي يرى فيها نموذجًا للمقاومة السلمية. ورغم محاولات التشويه والشيطنة، فإنها لا تزال تواصل نشر صور ضحايا غزة ومناشدات الأمم المتحدة التي توثق"دلائل على إبادة جماعية".
وقالت في آخر تصريحاتها قبل اعتقالها: “أنا لست تابعة لأي جهة أو منظمة. أفعل ما أفعله بإرادتي الكاملة، وبشكل مجاني ومطلق”.
ورغم ما تعرّضت له من تعذيب وإهانة، يتوقع المقربون منها أن تواصل المشاركة في أي تحرك مستقبلي يهدف إلى فك الحصار عن غزة، إلى أن "تفتح جميع المعابر أمام المساعدات الإنسانية".
