ترجمة خاصة / شهاب
كشف تحليل يديعوت أحرونوت وأفي يسسخاروف أن إسرائيل تجد نفسها اليوم أمام تسوية لا مفرّ منها بعد حرب طويلة ومكلفة، و تسوية تُظهر حدود القوة العسكرية في غياب الرؤية السياسية.
فالإنجازات الميدانية لم تُترجم إلى نتائج استراتيجية، وحماس التي أُعلنت هزيمتها قبل عامين عادت اليوم لتفرض حضورها، لتؤكد أن الحرب لم تحسم بعد، وأن إسرائيل مضطرة لمواجهة "الواقع المرّ" الذي صنعته سياساتها الغامضة.
رأت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، في تحليل للمعلق العسكري أفي يسسخاروف، أن موافقة الحكومة الإسرائيلية على اتفاق تبادل الأسرى مع حركة حماس تمثّل "تسوية مؤلمة وضرورية" وليست انتصارًا مطلقًا كما روّج له رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال العامين الماضيين من الحرب على غزة.
وأكد يسسخاروف أن ما جرى تحقيقه ميدانيًا لا يغيّر من الواقع الاستراتيجي، موضحًا أن "عدد المقاتلين الذين قتلوا من حماس أو القادة الذين تم اغتيالهم لا يهم، كما لا يهم عدد المباني التي دمرت في غزة، فبدون إعادة المختطفين لن يكون بالإمكان لململة الجراح أو علاج الصدمة التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر".
واعتبر يسسخاروف أن قرار الحكومة الإسرائيلية بالموافقة على الاتفاق خطوة صائبة وملحّة رغم الثمن الكبير، لأنها تشكّل بداية ضرورية لتعافي المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا عائلات المختطفين، من الصدمة الوطنية العميقة التي خلّفها هجوم السابع من أكتوبر.
وقال إن هذا القرار لا يمكن النظر إليه بوصفه انتصارًا سياسيًا أو عسكريًا، بل كضرورة إنسانية واجتماعية تُنهي حالة الشلل الداخلي التي تعيشها إسرائيل منذ عامين.
نتنياهو "يبتلع المرّ"
يشير التحليل إلى أن المشهد في غزة اليوم يُظهر عودة واضحة لعناصر شرطة حماس وانتشارهم في الشوارع، بعد عامين من الحرب، ما يعني – بحسب يسسخاروف – أن الأهداف التي أعلنتها إسرائيل في بدايات الحرب باتت بعيدة المنال.
وأوضح أن نتنياهو كان قد تعهّد بمنع حماس من العودة إلى الحكم في القطاع، لكن الاتفاق الأخير أجبره على "ابتلاع الحقيقة المرّة" ، لأن الواقع أثبت أن الحركة لم تُستأصل، بل استعادت حضورها الأمني والتنظيمي.
ويضيف أن حماس ترفض نزع سلاحها، كما ترفض وجود أي قوات أجنبية لإدارة شؤون غزة، حتى لو كان ذلك مقابل عودة السلطة الفلسطينية كبديل عنها، وهو ما يجعل أي تصور لـ"اليوم التالي للحرب" أمرًا غير قابل للتطبيق حاليًا.
ضبابية في إدارة الحرب
ويحمّل يسسخاروف حكومة نتنياهو مسؤولية غياب الرؤية السياسية لما بعد الحرب، قائلاً إن القيادة الإسرائيلية تجاهلت تحذيرات الجيش والأجهزة الأمنية التي طالبت منذ الأسابيع الأولى بوضع تصور واضح لنهاية الحرب.
ويرى أن إصرار نتنياهو على انتهاج سياسة ضبابية وغير واضحة منع إسرائيل من تحقيق أي إنجاز سياسي حقيقي يمكن أن يغيّر الواقع في غزة، وأن ما نراه اليوم هو نتيجة مباشرة لهذا الإخفاق في التخطيط السياسي والاستراتيجي.
حماس تجاوزت العاصفة
ورغم الخسائر التي تكبدتها الحركة، يقرّ التحليل بأن حماس استطاعت تجاوز العاصفة التي واجهتها خلال العامين الماضيين، بل وتمكنت من تعيين بدائل لقادتها الذين اغتيلوا، بطريقة تفوق التوقعات.
يصف يسسخاروف حماس بأنها "تنظيم خطير يمتلك رؤية ثاقبة"، ويضيف أن قادتها يدركون أن المباني المدمرة يمكن إعادة بنائها، وأن دماء الشهداء ستغذي الكراهية ضد إسرائيل وتساعد في تجنيد جيل جديد من المقاتلين، ما يجعل الحركة قادرة على الاستمرار رغم حجم الدمار والاغتيالات.
يُقِرّ يسسخاروف بأن الجيش الإسرائيلي تمكّن من السيطرة على مساحات واسعة في قطاع غزة، ودمر الكثير من مواقع حماس وقتل عددًا كبيرًا من مقاتليها، لكنه يشدد على أن "حماس لم تستسلم".
ويحذر من الخطأ المتكرر في تقدير الموقف حين تظن إسرائيل أنها استعادت قوة ردعها، مشيرًا إلى أن الحركة لم توقف التصعيد فعليًا، وأن أي استرخاء في هذا التقدير سيكلّف إسرائيل ثمنًا باهظًا في المستقبل.
ويشير يسسخاروف إلى أن إسرائيل ستجد نفسها أمام تحديات صعبة بعد تنفيذ الاتفاق، خصوصًا إذا بدأت حماس في إعادة بناء قدراتها العسكرية.
ويقول: "نحن شبه متأكدين بأنها بدأت فعلاً في محاولات تجديد صناعة الصواريخ وبناء الأنفاق وتجنيد مقاتلين جدد"، معتبرًا أن ذلك يشكّل خطرًا مستقبليًا يستوجب بقاء إسرائيل في حالة استعداد عسكري دائم.
ورغم تعهد إسرائيل بعدم العودة إلى الحرب أمام الإدارة الأمريكية بعد إتمام الاتفاق، إلا أن يسسخاروف يرى أنها ستكون "ملزمة بالحفاظ على حرية العمل العسكري متى ما تشكّل تهديد أمني"، لأن السؤال بالنسبة له "ليس هل سيحدث، بل متى سيحدث".
تسوية مؤلمة
ويختم التحليل بالقول إن ما يجري ليس انتصارًا مطلقًا كما وعد نتنياهو مؤيديه، بل هو "تسوية موجعة ومؤلمة كان من واجب الدولة أن توافق عليها على الأقل في المرحلة الأولى".
ويضيف أن هذه التسوية تعكس فشل إسرائيل في إيجاد بديل لحكم حماس في غزة، وأنها نتيجة طبيعية لسياسة المماطلة والضبابية التي اتبعتها الحكومة على مدار العامين الماضيين من دون استراتيجية واضحة لنهاية الحرب أو لإدارة ما بعدها.
