الدور المصري وتأثيره على المصالحة الفلسطينية؟

download

د.عماد الحديدي

مضى شهرين على المصالحة الفلسطينية منذ إصدار حركة حماس بيانها(17/9) في قبول شروط الرئيس عباس الثلاثة وهي حل اللجنة الإدارية وتمكين حكومة التوافق والقبول في إجراء الانتخابات، وما تلاه من مفاوضات انتهت بتوقيع الاتفاق بين حماس وفتح في ضمانة مصرية (12/10)، إلا أن الأمور مازالت في قطاع غزة والضفة الغربية تراوح مكانها، بل أن التصريحات الصادرة عن الرئيس عباس بداية "غير مستعجل" مرورا "بأن المصالحة تحتاج لصبر" انتهاء " إن التنفيذ الدقيق للاتفاق والتمكين الكامل للحكومة سيقود حتماً إلى تخفيف المعاناة" وما يصاحبها من تصريحات بعض أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والقيادات الفتحاوية ومسؤولي السلطة والتي كلها سلبية نحو المصالحة .. كل ذلك يضع المواطن الفلسطيني في موضع الريب والشك من مدى نجاح المصالحة التي فرح بها واستبشر بها خيرا، ولم يبق له أمل بعد الله الآن إلا الراعي المصري الضامن لعملية المصالحة والقادر على الضغط على الجهة المعيقة لتنفيذ المصالحة، وهنا يتبادر لنا سؤال: هل الراعي المصري حقا قادر على أن يقوم بدوره الحقيقي ويشف صدر المواطن الفلسطيني ويحقق أماله بطي صفحة الانقسام وللأبد؟

للإجابة عن هذا السؤال: نقف على الموقف المصري بشيء من التحليل حول أهدافه وما يملكه من أوراق ضاغطة تمكنه من انجاح المصالحة؟

مصر الآن أمام استحقاق رئاسي أي مقبلة بعد أشهر قليلة على انتخابات رئاسية ومقبلة على تجديد ولاية ثانية للرئيس السيسي وهذا الاستحقاق يحتاج إلى نجاحات تقدم للناخب المصري في ظل التراجع السياسي والانهيار الاقتصادي والسفور الاخلاقي والتراجع الاجتماعي والزيادة في الجريمة مما دفع مفتي مصر شوقي علام أن يقول: "ان نسبة الالحاد  بمصر زادت"، وغيرها من التراجعات المفصلية في البلاد، لذلك لابد من تقديم نموذج نجاح ونجاح ظاهر وقوي، لذا كانت ورقة القضية الفلسطينية الأسهل بالنسبة لمصر والأقوى بالنسبة للخصوم المحليين والأصدقاء الغربيين، ومن جهة أخرى الجبهة السيناوية الملتهبة والتي مازالت تخطف خيرة أبناء الجيش المصري من قيادة وجند، فلابد من العمل بشتى الطرق لتبريدها والقضاء عليها، ومن هنا جاءت أهمية ضبط الحدود الشرقية الشمالية لها (قطاع غزة) لذلك سارعت مصر باستضافة حركة حماس للحوار والتشاور أثمرت بالتفاهمات المصرية الحمساوية لضبط الحدود والتعاون الأمني بما يضمن سلامة الامن القومي للطرفين، وحتى تسير مصر في خطواتها الأمنية ضمن المنظومة الدولية لابد من العمل مع الكل الفلسطيني وخاصة الرسمي والمعترف به دوليا، بالإضافة للدور المصري المفروض على مصر أن تلعبه في ما يسمى بـ "صفقة القرن" والرامي لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي من وجهة النظر الامريكية وهو الحل الاقليمي التي تشارك فيه الرباعية العربية بجانب أمريكيا وإسرائيل، كما أن ملف القضية الفلسطينية مازال حكرا على مصر ولا تستطيع أي دولة عربية أو اسلامية منازعتها فيها سواء للجغرافيا القهرية أو الأعراف العربية، مما سبق نجد أن الدور المصري مهم وفاعل في المصالحة الفلسطينية ولن يرضى أن يهان أو يخذل أمام الطرف الفلسطيني؟

ولكن ما هي الأوراق التي يملكها للضغط على الطرف الفلسطيني الذي سيعرقل سير المصالحة؟

مصر تملك مفتاح الحياة بالنسبة لحركة حماس ألا وهو معبر رفح الذي من خلاله تطل حماس على العالم، فتخرج الوفود الحمساوية للخارج أو تدخل الوفود التي تحاور حماس في العديد من القضايا المحلية والاقليمية والدولية، وهو أيضا المفتاح الذي تريد حماس من خلاله التخفيف على سكان القطاع طبيا وتعليميا وإغاثيا وخيريا وإنسانيا، وصولا إلى منطقة تجارية حرة، وتعلم مصر أن حماس تريد فتح علاقات سياسية ايجابية مع القاهرة وهو خيار استراتيجي لحماس وليس تكتيكي، لذلك تتفهم مصر احتياجات حماس وتحاول أن توظف ذلك للضغط عليها لقبول المصالحة رغم علم المخابرات المصرية علم اليقين أن حماس جادة في المصالحة وستعمل على تطبيق بنودها حتى لو كان على حساب بعض مصالحها الخاصة ولقد عبر عن ذلك جيد وزير المخابرات المصرية أ. خالد فوزي أثناء زيارته لغزة بحديثه لقادة حماس: "إن التاريخ سيسجل أنكم وحدتم الشعب الفلسطيني".

أما ما تملكه مصر من أوراق ضاغطة على السلطة ورئيسها لتجبره على المضي قدما نحو المصالحة، فهو موقع مصر الاعتباري والنفوذي من بين الدول العربية، وأن مصر الوحيدة المحتكرة الملف الفلسطيني ولا تستطيع أي دولة أن تجرؤ وتتقدم نحوه دون أخذ الموافقة الرسمية من مصر، كما أن دور مصر محوري في المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية إذ أن السلطة ورئيسها لا يستطيعوا اتخاذ أي قرار مصيري في المفاوضات مع اسرائيل دون موافقة القاهرة، كما أن مصر تلعب بورقة قوية جدا ألا وهي ورقة النائب المفصول من حركة فتح محمد دحلان ويعلم عباس جيدا العلاقة الحميمة ما بين دحلان السيسي وبن زايد، إذن الهروب من المصالحة يوقع عباس في خطر كبير قد يهدد كرسيه الرئاسي قبل موقعه التنظيمي والعربي، لذلك نقول ان فرص نجاح المصالحة جيدة، رغم أن الرئيس عباس يتقن مهارة المراوغة، واللعب على الزمن، وهي مهارات قد تخلص عباس من مأزقه الحقيقي وترفع الحبل الضاغط على رقبته في ظل الأوضاع الإقليمية الساخنة وخاصة الساحة اللبنانية التي ان اشتعلت قد تأخذ معها دولا عديدة.

وأخيرا سيكون الراعي المصري أمام الرئيس عباس وجها لوجه كون حماس طبقت ما طلب منها وهي التي تنادي ليل نهار لن أكون طرفا في الانقسام مرة أخرى أي في حال فشل المصالحة "لا سمح الله" لن تعود لحكم غزة مرة ثانية ، يعني ذلك دخول غزة في حالة من الفوضى غير المحمودة والتي لن يكون تأثيرها على الجانب الاسرائيلي لوحده بل ستصاب منه مصر من خلال اعتماد الخلايا العاملة على الأرض السيناوية على العمق الغزاوي وهذا الذي لن ترضاه مصر بأي حال من الأحول!؟ فهل تنجح مصر بكبح جماح الرئيس عباس أم أن عباس سيفلت من مصر كما فلت سابقا؟     

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة