كشف فيلم "لغز المحارب 88" الذي بثته قناة الجزيرة الإخبارية مساء اليوم الأحد، ضمن أفلامها التحقيقية الخاصة، تفاصيل ومعلومات مهمة جدًا حول الجاسوس الإسرائيلي الشهير إيلي كوهين، الذي أحاطته هالة إعلامية كبيرة في ستينيات القرن الماضي.
وأجاب الفيلم الذي نفذته شركة "ميديا تاون" لصالح قناة الجزيرة، عن الكثير من التساؤلات الغامضة التي بقيت طي الكتمان طيلة السنوات الخمسين الماضية، واستطاع فكفكة كثير من العُقد وكشف عديد الأسرار، والوصول إلى شخصيات كانت على احتكاك مباشر بقضية الجاسوس كوهين.
كاد أن يحكم سوريا!
ومن أهم المحاور التي سلط عليها الفيلم الضوء في قصة كوهين الذي كان يتخفى داخل العاصمة السورية تحت اسم "كامل أمين ثابت"، ضحد كثير من الإشاعات التي أحاطت الجاسوس وذلك بالأدلة والمعلومات الموثقة، كعلاقته بمؤسسة الحكم في سوريا، ودوره البارز في التدخل الإسرائيلي بملف الجولان، وغيرها من المعلومات الحساسة.
ومن الجدير ذكره أن الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين حاز شهرة كبيرة عقب الفترة التي تم إلقاء القبض عليه بها وإعدامه، ووصلت الشائعات إلى درجة تداول إشاعة أنه كان سيتولى الحكم في سوريا، فيما تعمد الموساد الإسرائيلي إخفاء روايته الحقيقية كون الشائعات التي سادت عنه كانت تخدم بحالة الأسطورة التي اكتست بها شخصية كوهين.
وقد استضاف الفيلم مجموعة من الشخصيات السورية والإسرائيلية التي لامست ملف كوهين عن قرب، من بينها مصطفى رستم أحد قياديي حزب البعث الذين صوَّتوا على تأييد حكم إعدام كوهين، ومروان حبش أحد قيادة حزب البعث الذين تابعوا بكثب قضية كوهين، والذي اطلع على المعلومات من خلال حضوره اجتماعات القيادة السورية مع جهاز المخابرات الذي كان يزودهم بمجريات التحقيق واعترافات كوهين.
إقرار إسرائيلي
وظهر جليًا خلال الفيلم إقرار الضيوف الإسرائيليين بعدم صحة الكثير من المعلومات والشائعات التي أحاطت بشخصية كوهين الأسطورية والمُبالغ فيها، كعلاقته المزعومة بالرئيس السوري السابق أمين الحافظ، وعضويته بحزب البعث السوري.
ونجح الفيلم في كشف الآلية التي حصل فيها كوهين على معلوماته داخل سوريا، حيث اعتمد على ثلاثة أشخاص بشكل محوري، ففي المعلومات الاقتصادية اعتمد كوهين على هيثم قطب الذي كان يعمل في البنك المركزي، وقد اعتمد على جورج سيف للحصول على المعلومات السياسية، فيما كان مصدره في المعلومات العسكرية معزي زهر الدين ابن شقيقة قائد الجيش حينها عبد الكريم زهر الدين.
مهمات مجهولة
وتحدث الفيلم عن طبيعة التعليمات التي كان يتلقاها كوهين من مسؤوليه خلال فترة عمله بسوريا، والتي كان من بينها عدم اقترابه من النخبة السورية، وعدم دخوله أية قاعدة عسكرية يمكن من خلالها تسليط الضوء عليه وانكشافه، وكذلك طلبهم منه مراقبة الأوضاع العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية في سوريا، إضافة إلى مهمة سرية كان كوهين مكلفًا بها وقد بقيت مجهولة، وهي تتبع أحد القادة النازيين الفارين إلى دمشق.
كما ألقى ضيوف الفيلم الضوء على حقيقة مهمة كوهين في سوريا، التي كانت بعيدة عن الجانب العسكري، حيث اهتم بفهم الواقع السوري وتركيبة المجتمع وطرق اتخاذ القرار في مؤسسة الحكم، والتي اعتمدت "إسرائيل" بناء عليها قرارتها الاستراتيجية وخططها تجاه سوريا.
وأظهر الفيلم كيف بالغ كوهين في استخدام جهاز البث المشفر الذي كان عن طريقه يوصل رسائله للموساد، وقد كسر قواعد العمل الاستخباراتي الآمن ببثه لفترات زمنية طويلة، وهو ما أدى إلى انكشافه سريعًا.
وعرض الفيلم الوثائقي تفاصيل غاية في الأهمية تُكشف لأول مرة عن حادثة اعتقال كوهين، وهو ما تحدث به لأول مرة عدد من الضيوف الذين كانوا على اطلاع مباشر بالحادثة، وتم تحديد المبنى السكني الذي تخرج منه الرسائل المشفرة، ثم قامت المخابرات السورية بإلقاء القبض عليه من داخل شقته الكائنة في حي أبو رمان الراقي، وذلك أثناء إرساله رسالة إلى "تل أبيب" في تاريخ 18 يناير 1965.
وكان مخرج الفيلم أشرف المشهراوي، قد قال في حديث سابق لصفا، إن الفيلم قدّم الرواية الأدق حول إيلي كوهين، وهو الشخصية التي شابته كثير من المغالطات والمعلومات غير الصحيحة منذ انكشافه وحتى يومنا هذا.
وأضاف أن "الفيلم تقصى رحلة حياة كوهين كاملة، وتم التركيز على المحطات الأساسية التي شكلت انعطافة في حياته الشخصية، وذلك منذ تم تجنيده في دولة الاحتلال لصالح الموساد، وقد نجحنا في الحصول على كم كبير جدًا من المعلومات حول ملفه الغامض".
وعن ظروف العمل خلال إعداد الفيلم، قال المشهراوي "واجهتنا الكثير من المصاعب خلال عملية الإعداد، واستغرقت مدة العمل فيه ما يزيد عن عام ونصف، استطعنا خلالها رسم خارطة متكاملة لحياة كوهين، مدعومة بوثائق وشهادات خاصة، لم يستطع أحد تقديمها منذ أكثر من خمسين عامًا".
