لا شكّ أنّ نتيجة انتخابات جامعة النجاح الوطنية - والتي أظهرت فوز الكتلة الإسلامية على منافستها الأشدّ خصومة "الشبيبة الطلابية" شكّلت انعطافة جديدة في قراءة المشهد السياسي الفلسطيني – تحديدا في ساحة الضفة الغربية المحتلّة والمحكومة إداريا من قبل السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح – اللتين نلقّتا ضربة قاسية من خلال هذه النتيجة، وسواء كانت النتائج متوقعة أو مستغربة فإنّ لذلك أرضية ودوافع ، دفعت بهذا الاتجاه.
سياسياً
لا يمكن إغفال حقيقة أن الانتخابات في بلادنا – ومنها جامعاتنا – تجري على أساس سياسي بحت، وكذا اختيار الطلبة، حتى وإن تمّ تزيين ذلك ببعض البرامج النقابية، فعلى الأقل أسبوع الانتخابات هو أسبوع سياسي بحت، وإن كنت آمل أن نصل لمرحلة "النقابية المطلقة" في ذلك ، ولا يمكن فصل جامعة النجاح عن محيطها سواء الصغير في نابلس أو الكبير على مستوى الضفة المحتلّة، وإذا رددنا الأمور لصلب الموضوع فلا يمكن قراءة المشهد دون الإشارة بداية إلى أنّ الكتلة الإسلاميية هي الذراع الطلابي لحركة حماس – المُقصاة في الضفة المحتلّة على جبهتيْ : الاحتلال وأجهزة السلطة – كما أنّ الشبيبة الطلابية هي الذراع الطلابي لحركة فتح التي تحكم الضفة وتسيطر على سلطتها.
في خضم العلاقة بين السياسة وانتخابات الجامعة ، كان لا بد للشبيبة أن تدفع ثمن ممارسات أمّها فتح وسلطتها من اعتقال سياسي وتنسيق أمني ، وعربدة – صحيح أنّ المشهد جرى أمس بعد اعلان النتائج احتجاجا ، في إشارة لإطلاق النار في الهواء – بيد أنّ هذا المشهد محفوظ جيدا في ذاكرة الشعب لسنوات طوال خلت.
مقابل ذلك ، وعلى النقيض تماما، الكتلة الإسلامية مجموعة طلبة ملاحقون من الاحتلال والأجهزة الأمنية على مدار سنوات طوال خلت – أيضا، محرومون من ممارسة نشاطاتهم، وفي أفضل الحالات يفرضونها ويدفعون ثمن ذلك من أعمارهم في السجون، يدفعون ضريبة انتمائهم لحماس التي خرجت برفقة فصائل المقاومة للتوّ من عملية ثأر الأحرار، والتي فرضت في الآونة الأخيرة الكثير من معادلات "العزّة" في وجهة نظر المواطن الفلسطيني، عبر العديد من جولات المواجهة الأخيرة مع المحتلّ ، تحديدا سيف القدس.
جغرافيا ً
لا ينسينّ أحدٌ أن هذه "نابلس" ، سواء نابلس – الذاكرة القصيرة - التي يعرفها الطلبة الجدد بشهدائها و "عرينها" ومقاومتها للمحتل كلّ يوم صباح مساء، وهنا يميّز الطلبة النهج السياسي للحركات الأمّ جيدا : من مع المقاومة ومن يفرض خيار التسوية والهرولة على الشعب محاربا الخيار الأول، أو نابلس – الذاكرة البعيدة ، والتي كتب فيها يوما كتاب "الكتيبة الخضراء" الذي تحدّث عن تسعين شهيد واستشهادي كانت نابلس بؤرة عملهم وإن لم يكونوا كلّهم من نابلس، علاوة على أنّ كتلة فلسطين المسلمة يوما ما في انتفاضة الأقصى طرحت نفسها في انتخابات مجلس الطلبة ككتلة الواحد وثلاثين شهيد واستشهادي !! حتما الذاكرة جمعية وحتما كان إرث ذلك تراكميا حصدته الكتلة الإسلامية عام 2023 .
داخلياً
ربّما يستغرب الكثيرون كيف أنّ الكتلة فازت بعد تغييبها لست سنوات ، بمعنى أن جيلا جامعيا كاملا لا يعرف الكتلة : اسمها أو رايتها أو رموزها ، ذلك صحيح، غير أنّ الشعب واعي ، وكما كان دائما ينحاز لخيارات مقاومته، فإنّه أيضا يرفض العسكرة و"الدكتاتورية"، إذ كان لا بد لفتح أن تدفع ثمن المضايقات التي تمارسها على الكتلة الإسلامية منذ سبعة عشر عاما، وكذا "سرقة" خيارات طلبة جامعة النجاح من خلال منع الانتخابات لست سنوات مضت، آخذين بعين الاعتبار العشرات من حالات الاعتداء على طلبة الكتلة وطالباتها، جاعلين من جامعة النجاح ثكنة امنية مستباحة من قبل عناصر أجهزة الأمن، وما مشهد اعدام الطالب محمد رداد – ابن الكتلة الاسلامية - عام 2007 على أيدي عناصر الأجهزة الأمنية داخل ساحات الجامعة عن ذاكرتنا ببعيد.
اعلامياً
كان لافتا هذه المرة – وبشكل لم أرَه في حياتي مدى الاهتمام الخارجي بانتخابات النجاح، ربّما لحساسية الظرف والتوقيت، إذ لم يبقَ أحد من قيادات العمل الطلابي السابقين في الجامعة إلا وقام بنشر تصريح أو تعليق أو فيديو يطلب فيه من أنصاره النزول والمشاركة والاقتراع، حتى وصل الحدّ أعضاء مكتب سياسي بحماس وأعضاء مركزية بفتح، ربّما ذلك يفسّر الاهتمام العالي بالانتخابات، والترقّب الحذر للنتائج، وارتفاع نسبة التصويت داخل أروقة القاعات، وزيادة حدّة المنافسة – داخل الجامعة وخارجها، آسفا لوصول المنافسة إلى "الخصومة" والتي ظهرت واضحة في كثافة اطلاق النار بعد اعلان النتائج أمس.
ما يعنيني
ما يعنيني – كمحلل سياسي أمرين اثنين : الأول ما أعلنته الكتلة الفائزة – بغض النظر عن اسمها ولونها ، في بيان مقتضب: "نبارك لكل الكتل الطلابية المشاركة، ونؤكد بأننا ماضون في تنفيذ برنامجنا النقابي الذي وعدنا به جنبا إلى جنب مع كل الكتل الطلابية ومكونات الجامعة"، والثاني : أنّ هذه الانتخابات تعكس توجّه الرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية التي تعيش حالة متواصلة من المقاومة بمختلف أشكالها، تحديدا المجموعات التي خرجت في نابلس، مثل "عرين الأسود"، و"كتيبة جنين" بمخيم جنين، وغيرها ، وقد برز ذلك واضحا من خلال – أيضا – بيان الكتلة الفائزة : " نؤكد أن فوزنا انحياز شعبي واضح والتفاف رصين حول خيار المقاومة المتصاعد لدحر الاحتلال عن أرضنا وقدسنا وأقصانا".
جدا مهم أن تبقى حالة التناغم بين البرنامج النقابي والبرنامج السياسي، والعمل على التجرّد من البرنامج السياسي – عدا أسبوع الانتخابات - وتغليب البرنامج النقابي والعمل به لسنة قابلة، فور أن تضع الانتخابات أوزارها، وقد برز ذلك جليا من خلال تأكيديْ بيان الكتلة.
