خاص _ شهاب
في مشهد يقطر ألماً وتفطر له القلوب، هزّت جريمة بشعة ضمير الإنسانية حين امتدت يد الغدر لتغتال من وهبوا حياتهم لإنقاذ الأرواح، لم يكن هؤلاء المسعفون سوى رسل رحمة، يسابقون الزمن للوصول إلى الجرحى، يحملون في قلوبهم إنسانيةً خالصة وفي أيديهم أمل النجاة، لكنّ رصاص الغدر لم يميز بين من يَقتل ومن يُسعف، فامتدت نيران الحقد لتطفئ شعلة الحياة فيهم، وتترك خلفها صدمةً لا تُنسى وألماً لا يُحتمل.
في لحظةٍ كان يفترض أن تسودها الرحمة، تحوّلت سيارة إسعاف إلى تابوت متنقل، وشاهد العالم فصلاً جديدًا من فصول المأساة في رفح، لم يكن المسعفون يحملون سلاحًا، بل ضمادات وأكسجين وأملًا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح تحت الأنقاض، إلا أن رصاص الغدر لا يميّز بين مُقاتل ومنقذ، فجاءت الضربة قاتلة، لتُسكت أصواتًا لطالما نادت بالحياة وسط ركام الموت.
اغتيل المسعفون، لا لأنهم كانوا طرفًا في الحرب، بل لأنهم اختاروا أن يكونوا وجهًا للإنسانية في زمنٍ تراجع فيه الضمير، ومع كل قطرة دم سالت منهم، سالت معها قيمة إنسانية كبرى، "الحياد في إنقاذ الأرواح، وحُرمة استهداف المنقذين".
مغول العصر
في مشهدٍ مأساوي ينضح بالشجاعة، قال مراسل "التلفزيون العربي" أحمد البطة إن إطلاق النار استمر لست دقائق متواصلة، مستهدفًا المسعفين وضباط الدفاع المدني، دون توقف.
وروى البطة أن أحد المسعفين، الذي وصفه بـ"الشاهد والشهيد"، لم يتوقف طوال هذا الوقت عن ترديد الشهادة، رغم وابل الرصاص، في لحظاتٍ بدت وكأنها وداعٌ أخير للحياة.
وأضاف أن المسعف طلب المسامحة من والدته، ورفع تكبيراته في وجه "مغول العصر"، مشيرًا إلى وحشية ما وصفه بالعالم "القاتل"، الذي اختار الصمت أمام المحرقة.
زيف الرواية
من جهته قال الصحفي الفلسطيني محمد عثمان إن الفيديو الذي يُظهر لحظة استهداف المسعف الشهيد رفعت رضوان و14 مسعفاً ورجلاً من الدفاع المدني في حي تل السلطان بمدينة رفح، يكشف بوضوح زيف الرواية "الإسرائيلية" بشأن الحادثة.
وأكد عثمان أن الاحتلال ادعى كذباً أن طواقم الإنقاذ شكلت خطراً عليه، في محاولة لتبرير جريمة الاغتيال، مشدداً على أن المقطع المصور يشكل دليلاً قاطعاً يمكن البناء عليه لملاحقة إسرائيل في المحاكم الدولية على جرائمها ضد الطواقم الطبية والمدنية.
وأضاف: "هذا الفيديو يجب أن يكون بداية لفتح ملفات محاسبة دولية على كل جرائم الاحتلال السابقة، لا سيما تلك التي استهدفت طواقم الإنقاذ"، وتابع قائلاً: "لو كان هناك ضمير حي في العالم العربي والإسلامي، وعالم حر، لبدأت محاسبة فعلية انطلاقاً من هذه الجريمة المصورة".
وتشهد مدينة رفح، جنوب قطاع غزة، تصعيداً غير مسبوق من قبل قوات الاحتلال، أسفر عن مئات الشهداء والمصابين، بينهم طواقم طبية وإنقاذ تعمل على إجلاء الضحايا من تحت الركام.
انتهاكات واضحة
كما أدان الحقوقي مهند كراجة بشدة الاعتداءات التي تعرض لها المسعفون ورجال الدفاع المدني في الأراضي الفلسطينية، مؤكداً أنها تعد انتهاكاً فاضحاً للقوانين الدولية وحقوق الإنسان.
وفي حديث خاص لوكالة "شهاب"، وصف كراجة ما تعرض له رجال الإسعاف بأنه "جريمة يندى لها جبين البشرية جمعاء"، مشيراً إلى أن الاحتلال "الإسرائيلي" يواصل جرائمه بشكل متزايد تجاه الشعب الفلسطيني، مستهدفاً هذه المرة الطواقم الطبية والصحية.
وطالب الحقوقي كراجة المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان بالتدخل العاجل لحماية الطواقم الطبية والصحية في المناطق الفلسطينية، مؤكداً أن على العالم أن يتحرك لوقف الإبادة التي يتعرض لها أهالي قطاع غزة منذ أكثر من عام ونصف.
وأشار كراجة إلى ضرورة أن يكون هناك تحرك عالمي جاد للضغط على الاحتلال لوقف هذه الجرائم والممارسات اللاإنسانية بحق المدنيين والطواقم الصحية.
ويشكل اغتيال المسعفين في رفح نقطة مظلمة في سجل الإنسانية، حيث تبرز الجريمة انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وقيم الإسعاف الطارئ التي يجب أن تظل محمية في جميع الظروف، إن استهداف العاملين في المجال الطبي يتنافى مع كافة القوانين الدولية التي تحظر الاعتداء على الطواقم الطبية في أوقات الحروب، ومن الضروري أن يتم التحقيق في هذه الجريمة البشعة ومعاقبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون الدولي لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل.
