خاص / شهاب
يدخل قطاع غزة أسبوعه الثالث من دون عمل المخابز الأوتوماتيكية، بعد توقف أكثر من خمسين مخبزًا عن العمل منذ أسبوعين، بسبب نفاد الطحين الذي كانت توفره مجانًا "برنامج الأغذية العالمي"، وذلك نتيجة إغلاق الاحتلال للمعابر ومنعه إدخال المساعدات إلى القطاع منذ الأول من آذار الماضي.
ومنذ ذلك الحين، يواجه المواطنون صعوبات هائلة في الحصول على الخبز، نتيجة شحّ المحروقات والحطب، وارتفاع أسعار ما توفر منها، مما يجعل الأزمة تراوح مكانها وسط صمت دولي عميق تجاه تفاقم معطيات الكارثة الإنسانية في غزة، في ظل حرب الإبادة المتواصلة.
انتظار طويل
ولم يكن أمام المواطنين مناص سوى العودة إلى أفران الطين والإسمنت، التي شُيّدت كبديل على أرصفة الطرق، وفي الساحات، وبين أنقاض المنازل المدمرة، لتتحول إلى بديل شعبي فرضته الحرب كواقع لا يمكن الاستمرار بدونه، بعد توقف المخابز الأوتوماتيكية في جميع أنحاء القطاع.
وبات الحصول على رغيف خبز يتطلب جهدًا شاقًا وساعات طويلة من الانتظار، مما دفع مئات المواطنين العاطلين عن العمل إلى استثمار هذه الحالة في بناء أفران من الطين والطوب الإسمنتي، وتقديم خدمة الخبز لتلبية الطلب المتزايد، وفتح مصدر رزق مهم.
ورغم التزايد الكبير في عدد الأفران، لا يزال المواطن يواجه معاناة يومية تبدأ بانتظار لا يقل عن خمس ساعات للحصول على خبزه، وسط ضغط هائل على الأفران التي تعمل بالحطب، والخشب، وحتى المواد البلاستيكية، وكل ما يمكن حرقه أو الاستغناء عنه، وتشهد ازدحامًا من السادسة صباحًا حتى ما بعد غروب الشمس.
وفي هذا الإطار حذرت الأمم المتحدة من أن معظم المخابز، التي تعد شريان الحياة للفلسطينيين، أغلقت والبقية على وشك الإغلاق.
وربما يحتاج الحصول على خبز في قطاع غزة إلى الانتظار في صفوف طوابير طويلة، وفي بعض الأحيان تخرج دول أن تنال مرادك.
وبات تأمين رغيف الخبز أمرا صعبا في ظل الشح الحاد في الدقيق والمواد الغذائية نتيجة القيود الإسرائيلية على المعابر والسماح بمرور كميات قليلة من المواد الغذائية التي لا تتناسب مع احتياجات النازحين بحسب تقارير المنظمات الدولية.
يقول سعيد نبهان لـ"شهاب": "أضطر للانتظار ساعات طويلة للحصول على دوري في أحد أفران الطين المبنية على الرصيف في حي النصر بمدينة غزة، لخبز بعض الأرغفة التي تقي أطفالي معاناة الجوع، بعد أن أجبرتني الظروف على شراء الطحين بسعر مرتفع، وعجنه في المنزل، وخبزه في الأفران العشوائية المنتشرة في الطرقات والأرصفة وكل مكان."
مهمة مكلفة
وأشار إلى أن رغيف الخبز أصبح مهمة مكلفة جدًا ماديًا وعمليًا، بسبب ارتفاع أسعار الطحين وأجرة الخَبّاز، مبينًا أنه ينفق أكثر من عشرين شيكلًا يوميًا لإعداد الخبز، مقارنةً بأقل من خمسة شواكل كان يدفعها سابقًا في المخابز الحديثة قبل نفاد الطحين.
وفي مقابل تعطل آلاف العاملين في المخابز الحديثة عن العمل، خلقت الأفران الطينية آلاف فرص العمل للنساء والرجال والفتية على حد سواء.
أما شيماء الطويل، التي تصطف منذ ساعات الصباح الباكر أمام أحد الأفران في منطقة نزوحها، فتقول:
"أضطر إلى البدء في إعداد الخبز منذ الفجر، حتى أتمكن من الحصول على رغيف طازج لوجبة الإفطار الخاصة بعائلتي، في ظل انعدام كل البدائل الممكنة في الحياة."
وتتابع: "انعدام البدائل يدفعني إلى غضّ النظر عن استخدام صاحب الفرن لمواد بلاستيكية سامة في تشغيله، وأواجه الأمر بصمت وقهر مضاعف، خاصة وأنا أدرك كأم أنني أُطعم طفلي رغيفًا مغموسًا بالأمراض والكيماويات القاتلة."
ومن جانبها، تقول سعاد جلاجل، صاحبة أحد الأفران في منطقة التفاح: "أضطر كثيرًا إلى استخدام الأقمشة القديمة والبالية، وحتى البلاستيك، لتشغيل الفرن، لعدم توفر الحطب الآمن كحطب الحمضيات والزيتون والكينياء.
ولفتت إلى أن حاجة الناس المتزايدة للخبز وتزاحمهم على الأفران الطينية بلغ ذروته خلال الأيام الأخيرة، مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الحطب، وخاصة خشب "المشاتيح".
وأكدت لـ"شهاب" أنها اضطرت خلال الأيام الثلاثة الأخيرة إلى وقف استقبال الزبائن في وقت مبكر من النهار، بسبب الطلب الكبير، وامتلاء غرفة مجاورة للفرن بوجبات الخبز النيّئة، منوّهة إلى أنها تحتاج إلى الكثير من الأسباب لإقناع الناس بعدم تمكنها من استقبال مزيد من الأرغفة.
عجز وقهر
وتدرك جلاجل صعوبة ما تقوم به وسط الإبادة المستمرة، وتشعر بالعجز والقهر في كل مرة ترفض فيها استقبال مزيد من الخبز، لأنها تدرك تمامًا معاناة الجميع في الحصول على رغيف يسدّ جوع أطفالهم.
فى هذا السياق حذرت مراكز حقوقية ودولية من تفاقم أزمة الجوع بين المدنيين في قطاع غزة، مع استمرار إغلاق إسرائيل للمعابر الحدودية منذ أكثر من 41 يومًا، ومنع إدخال المساعدات الإغاثية، بما فيها الدقيق والمواد الغذائية، لا سيما بعد إغلاق كافة المخابز العاملة في القطاع وتوقفها عن العمل، ما ينذر بمجاعة حقيقية تهدد حياة مليوني فلسطيني يعتمدون على المساعدات الغذائية.
