تقرير - شهاب
في خطوة تعكس تصعيدًا عسكريًا كمحاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، قررت حكومة الاحتلال الإسرائيلي توسيع عملياتها العسكرية البرية في قطاع غزة، في إطار ما يعتبره مراقبون تنفيذًا لمخطط "خنق غزة".
هذا التصعيد الميداني، الذي يترافق مع خطاب سياسي إسرائيلي يرفض التهدئة ويستبعد أي اتفاق مع فصائل المقاومة الفلسطينية، يضع العملية العسكرية في سياق أوسع من مجرد ردًا أمنيًا، في ظل تهديدات مستمرة لمسؤولين إسرائيليين، بهدف الضغط على حركة "حماس".
ويأتي هذا التوسع في العمليات، بالوقت التي تتعالى الأصوات الإقليمية والدولية المحذّرة من تداعيات استمرار هذا النهج، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية متفاقمة، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار وفتح ممرات إنسانية عاجلة.
ومع اتساع رقعة المواجهات بالمنطقة، يطرح المشهد تساؤلات ملحّة حول الأهداف الحقيقية من هذا التصعيد، وتبعاته على المدنيين والبنية التحتية المنهكة أصلاً في القطاع المحاصر منذ سنوات، وعلى جاهزية جيش الاحتلال وجنوده الاحتياط وجبهته الداخلية.
وفي وقت سابق، قالت القناة 12 العبرية، إن حكومة الاحتلال الإسرائيلي قررت توسيع "العملية البرية" في قطاع غزة، تحت ذريعة الضغط على حركة حماس، ودفعها إلى إعادة المحتجزين الإسرائيليين.
وأضافت القناة، أن الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو قررت خلال اجتماعها، "توسيع العمليات في غزة، لكن دون الوصول إلى عملية برّية شاملة، بهدف إبقاء هامش مناورة من أجل صفقة محتملة".
"خنق غزة"
الخبير العسكري والإستراتيجي العميد إلياس حنا قال إن قرار الاحتلال بتوسيع العمليات العسكرية في قطاع غزة يعني أن الاحتلال انتقل إلى مرحلة "الخنق" بعد أن فشل في تقطيع أوصال القطاع.
وأوضح حنا أنها ليست لاحتلال القطاع بالكامل، كما أنها ليست عمليةَ مناورة كبيرة جدا، مرجحا أن القصد منها أمران أساسيان، وهما مزيد من الضغط على المقاومة، وتوسيع احتلال القطاع.
وفي سياق تقييمه لحجم التوغل الإسرائيلي، لفت الخبير العسكري إلى ما ورد في جريدة واشنطن بوست من أن 70% من القطاع أيْ 255 كيلومترا مربعا أصبحت مناطق عازلة أو مناطق إخلاء.
وحول طبيعة هذا التحول في الإستراتيجية الإسرائيلية، أضاف حنا أنه يعني استعمال نفس الوسيلة مع تغيير التكتيك ضمن إستراتيجية فاشلة، موضحا أن سبب وصفه الإستراتيجية بالفاشلة كونها ليس لها بعد سياسي.
وبخصوص التوسع في المناطق العازلة، أشار حنا إلى أنها لم تعد كما كانت بعد وقف إطلاق النار بعمق 700 إلى 110 أمتار، بل أصبحت أعمق داخل القطاع.
وحول آلية تنفيذ العملية العسكرية، أوضح العميد حنا أن التوغل يتمثل في مناطق نتساريم وكيسوفيم وموراغ وصولًا إلى فيلادلفيا، حيث يتم الدخول إليها من الشرق باتجاه البحر، وبالتالي تقطيع المناطق والحد من القدرة على الحركة فيها، ومزيد من الضغط على قيادات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والمقاومة.
ومن جانب آخر، كشف حنا عن مؤشرات الإرهاق في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدًا أن هذه العملية "وصلت إلى نقطة الذروة"، مشيرا إلى وجود استبعاد للاحتياط الذي يخدم تقريبا 20 يوما في السنة، في حين أن هناك من خدم 500 يوم.
وأردف موضحا أن التطوع في الجيش التقليدي أو الجيش الفعلي الذي يبلغ عدده ما يقارب 160 ألف جندي، تراجع بنسبة 30 إلى 40% من عدم الالتحاق.
وبناءً على هذه المعطيات، استنتج حنا أن هذا الجيش أصبح منهكا، مضيفا أن هذا الأمر يأخذنا إلى المعادلة التالية: الأطماع والأهداف الإسرائيلية التي تحدث عنها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنها تغيير صورة الشرق الأوسط كثيرة جدا على الوسائل التي تملكها "إسرائيل"، وإذا أرادت الدخول إلى قطاع غزة والبقاء فيه، فهذه عملية استنزاف.
وفي سياق تفاقم الخلافات الداخلية الإسرائيلية لفت حنا إلى أن الخلاف بين السياسة والعسكر الذي كان ينكره البعض، والخلاف الذي كان بين رئيس أركان الجيش السابق هرتسي هاليفي ونتنياهو أصبح يتجدد اليوم بينه وبين رئيس أركان الجيش إيال زامير.
"سيناريوهات متوقعة"
ومن جانبه، قال الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء فايز الدويري إن مصادقة رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير على توسيع العمليات العسكرية في غزة يعكس تبني خيار تصعيدي متوسط يوازن بين التقدم العسكري وإبقاء باب التفاوض مفتوحا تحت ضغط ميداني متزايد.
وأوضح الدويري، أن النقاشات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية دارت حول 3 سيناريوهات رئيسية، لافتا إلى أن السيناريو الذي جرت الموافقة عليه يتبنى تعميق العمليات البرية مع الإبقاء على هامش للمفاوضات، بما يتيح ممارسة ضغط عسكري مباشر على حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
وبيّن الدويري أن الخيار المعتمد يقوم على تنفيذ عمليات مكثفة تمتد من ممر موراغ إلى محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، مع تعميق النشاط العسكري داخل المناطق المبنية بما تسمح به الظروف الميدانية، مما ينذر بعمليات تهجير واسعة النطاق، خاصة من شمال قطاع غزة ومدينة غزة باتجاه ما تسميه إسرائيل "مناطق آمنة".
وأضاف أن التقدم الميداني المتوقع سيركز على مناطق جنوب القطاع مع الإبقاء على خط المواصي كممر إجلاء للمدنيين، وهو ما يكشف عن نية الاحتلال لإحداث تغيير ديمغرافي بالقوة تحت غطاء العمليات العسكرية الجارية.
وأشار إلى أن موافقة كل من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب يسرائيل كاتس، وزامير على هذا السيناريو تعزز فرص تنفيذه، خاصة مع اقتراب المجلس الوزاري الأمني المصغر من اتخاذ قرارات مفصلية بشأن مستقبل الحملة العسكرية.
وتابع الدويري موضحا أن السيناريو الأول، الذي كان يقوم على هجوم واسع النطاق مع وقف كامل للمفاوضات، تم استبعاده لاعتبارات سياسية وميدانية، بينما بدا الخيار الثاني -المتمثل في استمرار المفاوضات مع تقدم ميداني محدود- غير مجدٍ بسبب طول أمده وخطورته على الجبهة الداخلية.
وكان الاحتلال الإسرائيلي استأنف حربه على قطاع غزة يوم 18 مارس/آذار الماضي بعد أن رفض الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي منذ نحو شهرين منع دخول جميع المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، إذ أوقفت في 2 مارس/ آذار الماضي، عبور المساعدات من معابر قطاع غزة، ما أدى إلى توقف دخول المواد الإغاثية والوقود بشكل كامل.
وبدعم أمريكي مطلق ترتكب حكومة الاحتلال الإسرائيلي منذ ذلك التاريخ جرائم إبادة جماعية في غزة خلّفت أكثر من 170 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود.
