خاص / شهاب
لم تعد المجاعة في قطاع غزة مجرد كارثة إنسانية فقط، بل تحولت إلى معركة إنسانية وأخلاقية ووطنية مفتوحة ومعقدة، تشهدها غزة بكل أطيافها السياسية والعمالية والقطاعات الخاصة والأهلية والحكومية، في محور واضح وصريح يقوم على الرفض التام لخطة توزيع المساعدات الإنسانية على طريقة الاحتلال.
وسط هذه الكارثة برز دور القطاع الخاص الفلسطيني كدور محوري في صدّ محاولات الاحتلال الإسرائيلي لاختراق الجبهة الداخلية عبر آلية توزيع مساعدات مشبوهة تهدف في حقيقتها إلى فرض وقائع سياسية وأمنية على الأرض، لا إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية للسكان.
مغريات مالية
ففي الوقت الذي تحاول فيه "إسرائيل" استبدال النظام الأممي لتوزيع المساعدات بمؤسسة جديدة تُعرف باسم "مؤسسة غزة الإنسانية"، برز موقف مشرف من بعض شركات المقاولات المحلية التي رفضت التعاون مع هذا الكيان، رغم المغريات المالية والتنظيمية المطروحة. هذا الرفض لم يكن فقط قرارًا إداريًا، بل كان فعلًا مقاومًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
من جانبه، يقول عضو الهيئة العامة لاتحاد المقاولين الفلسطينيين، علاء الدين الأعرج: إنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذه المساومة غير الأخلاقية، وأعلن عن تشكيل لجنة خاصة للتحقق من حقيقة مواقف ثلاث شركات محلية ورد اسمها ضمن المتعاونين مع المؤسسة الأمريكية – الإسرائيلية المزعومة.
ويضيف: الهدف من اللجنة هو التحقق مما إذا كان الاعتذار عن المشاركة تم منذ البداية – وهو موقف وطني سليم – نرجوه من جميع الشركات التجارية بغزة، أو أنه جاء لاحقًا بعد القبول الأولي ونشر الأسماء، ما سيضع هذه الشركات في موضع المساءلة الأخلاقية والشعبية، ويُعتبر حينها "جريمة غير مبررة".
فيما قالت وزارة الداخلية في غزة إن الاحتلال الإسرائيلي يسعى من خلال هذه الآلية الجديدة إلى إحكام السيطرة على توزيع الغذاء وتحويله من وسيلة دعم إنساني إلى أداة أمنية للابتزاز، تشمل جمع بيانات بيومترية عن المواطنين – كمسح قزحية العين – تحت مسمى “التنظيم والإغاثة”، بينما الهدف الحقيقي هو بناء قاعدة بيانات أمنية بغرض إسقاط الأفراد في فخ التعاون الاستخباري.
واجهة استخبارتية
ونوّهت الداخلية أنه ووفق التحقيقات الأمنية، فإن "مؤسسة غزة الإنسانية" ليست سوى واجهة استخباراتية مصممة بعناية، الهدف منها تجريد مؤسسات المجتمع المدني المحلية والدولية، وعلى رأسها وكالة "أونروا"، من صلاحياتها لصالح كيان مشبوه يخضع لتوجيهات الاحتلال بالكامل.
في محاولة لتجميل الوجه القبيح لهذا المشروع، بثت أجهزة الاحتلال صورًا منسقة لما زعمت أنه توزيع مساعدات غرب رفح – تحديدًا في منطقة "تل السلطان". لكن هذه الصور سرعان ما انهارت أمام تحقيقات ميدانية كشفت أن الأشخاص الظاهرين ليسوا نازحين، بل موظفون أو ممثلون جُهّزوا خصيصًا لتصوير المشهد.
وقال مراقبون إن الأشخاص الذين ظهروا في الصور التي نشرها الاحتلال ارتدوا ملابس لا تناسب الطقس، دون غبار أو تعب على ملامحهم، وهو ما يتنافى مع ملابس العموم في الشارع الغزّي وحالتهم النفسية والجسدية، مما زاد من مستوى الشك الشعبي ورفع درجة الغضب في الشارع الغزّي.
من جانبها، حذّرت الجهات الرسمية والفصائلية من التعاون مع هذا المشروع الذي قوبل برفض شعبي عارم، وحذّرت من مغبّة التعامل مع هذه الآلية الجديدة، ليس فقط لأنها تمثل خرقًا فاضحًا للقوانين الدولية، بل لأنها تؤسس لحالة دائمة من التهجير القسري والذل الاجتماعي.
ويرى المحللون أن الرفض الشعبي للمخطط لم يكن عاطفيًا فقط مطلقًا، بل مستندًا إلى معطيات استخبارية وتحقيقات دولية، منها انسحاب المدير التنفيذي لـ"مؤسسة غزة" جيك وود، الذي اعتبر المشروع انتهاكًا صارخًا للمبادئ الإنسانية، إضافة إلى انسحاب ممولين آسيويين وأوروبيين، وتزايد الضغوط الحقوقية على إسرائيل.
نموذجا وطنياً
وتشير كافة التقديرات إلى أن الشركات الفلسطينية التي اختارت عدم التعاون مع المشروع الإسرائيلي الأمريكي، قدّمت نموذجًا يُحتذى به في الانحياز للكرامة الوطنية فوق أي مصالح اقتصادية.
وإن رفضها لم يكن مجرد تحفظ، بل موقف أخلاقي يُكرّس الروح الوطنية في القطاع الخاص كجزء لا يتجزأ من النضال الجمعي للشعب الفلسطيني، وتعميم ميثاق شرف وطني للقطاع الخاص في غزة، يتضمن رفض أي شكل من أشكال التعاون مع قوى الاحتلال أو مؤسساتها، مهما اختلفت المسميات أو تنوعت أشكال الاختراق.
ويرى المحللون أن ما يجري اليوم في غزة ليس مجرد "خلاف إداري" حول توزيع مساعدات، بل هو صراع على الهوية والسيادة وكرامة الإنسان. والقطاع الخاص الفلسطيني، رغم الحصار والتضييق، إلا أنه أثبت قدرته على اتخاذ مواقف وطنية، تتماشى مع تطلعات الشعب الرافض لأن تُوزَّع عليه "كرتونة بثمن الوطن".
من جانبها، رفضت كافة الفصائل الفلسطينية الخطة الصهيونية الأمريكية للمساعدات، واعتبرتها وجهًا قبيحًا آخر لسياسة التجويع والحصار، عبر ما يسمى "مؤسسة غزة الخيرية" ذات الطابع الأمني والمنخرطة في مخططات الاحتلال المجرم الهادفة للعبث بالنسيج المجتمعي وتهجير شعبنا وإذلاله.
