في مشهد يعكس الانهيار الأخلاقي والإنساني أمام أعين العالم، يستمر الفلسطينيون في قطاع غزة في التجمّع يوميًا حول نقاط توزيع المساعدات، بحثًا عن قوت أطفالهم في ظل الجوع والحصار، لكنهم يُقابلون بالقنص والقصف والقتل. مشهد الطوابير التي تتحوّل إلى ساحات إعدام جماعي لم يعد استثناء، بل بات نمطًا يوميًا من أنماط العنف الممنهج الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي ضد مدنيين جوعى لا يملكون أي وسيلة للنجاة سوى الانتظار.
ومنذ فجر يوم الخميس، ارتقى ما لا يقل عن 63 فلسطينيًا بينهم 31 من منتظري المساعدات، بنيران قوات الاحتلال، بينما أصيب العشرات بجراح متفاوتة، فقرب دوار النابلسي غرب مدينة غزة، استشهد 7 مدنيين وأصيب أكثر من مئة، فيما استشهد خمسة آخرون في قصف استهدف تجمعًا مماثلًا قرب جنوب محور نتساريم وسط القطاع.
كما أفادت مصادر طبية بوصول 8 شهداء و30 إصابة إلى مستشفى الصليب الأحمر جراء استهداف منتظري المساعدات في منطقة الشاكوش شمال غرب رفح.
وفي خان يونس، جنوبي القطاع، أفادت المصادر الطبية بارتقاء عشرة شهداء في قصف طال مجموعة من منتظري المساعدات.
وكانت وزارة الصحة في غزة قد أعلنت، أمس الأربعاء، أن عدد ضحايا مراكز توزيع المساعدات، التي تعمل وفق "الآلية الأمريكية–الإسرائيلية"، ارتفع إلى 640 شهيدا و4488 مصابًا منذ بدء العمل بها في 27 مايو/أيار الماضي، ما يعكس فشل هذه الآلية في تأمين سلامة المحتاجين.
دعوات للتحقيق الدولي
في هذا السياق، دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تكثيف تواجدها الميداني وتوثيق الأوضاع الصحية والإنسانية الناتجة عن استهداف الفلسطينيين قرب مراكز توزيع المساعدات.
وشدد الأورومتوسطي في تصريح وصل وكالة شهاب للأنباء، على ضرورة تقديم تقييمات مستقلة، والعمل بشكل علني للضغط على سلطات الاحتلال لضمان الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
وأكد المرصد أن الاحتلال يستخدم أساليب قمعية وقاتلة ضد مدنيين يُجبرون على الوقوف لساعات طويلة في طوابير الإذلال للحصول على مساعدات ضئيلة، ليتم استهدافهم لاحقًا برصاص القناصة، وطائرات الاستطلاع المسلحة، وقذائف الدبابات.
واتهم المرصد الدول والكيانات الأممية بالتخلي عن مسؤولياتها، محذرًا من أن استمرار التغاضي عن المجازر اليومية التي تستهدف المدنيين، لا سيما الجوعى منهم، يحمّل تلك الدول مسؤولية قانونية دولية، خاصة التي توفر غطاءً سياسيًا أو دعمًا عسكريًا لإسرائيل.
إدانات حقوقية ودولية
وفي مقابل هذا الواقع المفجع، أصدرت منظمات حقوقية وإنسانية عدة بيانات تنديد غاضبة، مطالبة بوقف هذه المجازر فورًا. فقد وصفت هيومن رايتس ووتش استهداف طالبي المساعدات بأنه "جريمة حرب" تستدعي تحقيقًا دوليًا عاجلًا، بينما شدّدت منظمة أطباء بلا حدود على أن استمرار هذه الهجمات يفاقم الكارثة الصحية والإنسانية ويقوّض أي محاولة لإغاثة السكان.
من جهتها، دعت الأمم المتحدة إلى فتح ممرات إنسانية آمنة وإعادة النظر في "الآلية الأمريكية–الإسرائيلية" التي أثبتت فشلها وتحوّلت إلى مصيدة موت جماعي، في حين عبّر الاتحاد الأوروبي عن "صدمته العميقة" وطالب بإجراء تحقيق شفاف وتوفير حماية فورية للمدنيين. كما حثّ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الدول ذات النفوذ على الضغط السياسي والقانوني لوقف هذه الجرائم المتكررة، مؤكدًا أن الصمت الدولي المتواطئ بات شريكًا في الجريمة.
كارثة إنسانية متصاعدة
بحسب آخر الإحصائيات، ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة منذ 7 أكتوبر 2023 إلى أكثر من 56,647 شهيدًا و131,105 مصابًا، بينما تشير بيانات ما بعد 18 مارس 2025 إلى سقوط 6,315 شهيدًا و22,064 جريحًا، وسط تحذيرات من انهيار صحي وغذائي تام في القطاع المحاصر.
وفي ظل هذا الواقع الكارثي، تتزايد المطالبات الدولية بضرورة التحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات الجسيمة، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتوفير حماية دولية حقيقية للمدنيين، خاصة أولئك الذين يبحثون عن فتات الغذاء تحت وطأة القصف والموت اليومي.
