محمد ابراهيم المدهون

دولة فلسطين بين الوهم والحقيقة

 تظل القضية الفلسطينية من أبرز القضايا السياسية والإنسانية التي تواجه تحديات معقدة منذ عقود. بالرغم من توقيع اتفاقيات سلام واتفاقيات سياسية متعددة، إلا أن حلم إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة لم يتحقق حتى الآن. هذا الواقع المعقد يتداخل فيه الإحباط السياسي مع الصراع على الأرض، وتتحكم فيه قوى إقليمية ودولية تسعى للحفاظ على مصالحها، مما يجعل من تحقيق هذا الحلم الوطني مهمة عسيرة ولكنها ليست مستحيلة. في هذا السياق، يأتي هذا التحليل لتسليط الضوء على المراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية، الواقع الحالي، والتحديات والفرص التي تحيط بمشروع إقامة الدولة الفلسطينية.

منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، ظل حلم الدولة الفلسطينية الموعودة حلماً بعيد المنال، ولم يتحقق على أرض الواقع حتى كنواة سياسية مستقرة. سرعان ما تهاوت وعود "خريطة الطريق" التي أُعلنت في 2003، وتحول شعار "حل الدولتين" إلى مجرد ترف كلامي يُستعاد فقط في أوقات الأزمات، ليُستخدم أداة لتجميل واقع الاحتلال الاستعماري. وقد وصل هذا الخيار إلى نهايته الحتمية مع مجازر غزة الأخيرة، حيث أصدرت مكونات الاحتلال، بدعم من الكنيست، رفضاً صريحاً ونهائياً لإقامة دولة فلسطينية.
في ظل هذا الواقع، يقف أصحاب أوسلو عاجزين على مفترق الطرق، مترقبين عروضاً أمريكية خالية من الجوهر، تكتفي بمنح "مسمى دولة" دون حقوق حقيقية، لا سيما بعد استبعاد قضايا القدس واللاجئين عن طاولة المفاوضات. وبات واضحاً تحوّل واشنطن من راعية للتسوية إلى شريك مباشر في تنفيذ عمليات الإبادة، فيما تزداد السلطة الفلسطينية تراجعاً وفقداناً للشرعية، مستندة إلى التنسيق الأمني مع الاحتلال أكثر من الدفاع عن حقوق شعبها.
على الأرض، تواصل دولة الاحتلال تنفيذ مخططاتها التوسعية، من التهجير المتواصل في غزة والضفة، إلى سن قوانين تحظر قيام دولة فلسطينية ضمن حدود 1967، وتعزيز الاستيطان بهدف مضاعفة أعداد المستوطنين في الضفة والقدس بحلول 2030. كما تستمر الاعتداءات اليومية على المسجد الأقصى، ما ينذر بتحول الصراع إلى حرب دينية شاملة.
غير أن ما بعد عملية "طوفان الأقصى" شكّل نقطة تحول دبلوماسية، حيث اعترفت عشرات الدول بدولة فلسطين، ليصل عدد الدول المعترفة إلى 146 دولة من أصل 193 في الأمم المتحدة، مما يعكس اتساعاً في الدعم الدولي للحقوق الفلسطينية، رغم استمرار المواقف الأمريكية والغربية التي تستمر في الترويج لوهم الدولة دون اتخاذ خطوات ملموسة. في المقابل، تظل السلطة الفلسطينية متمسكة باللعبة التفاوضية كوسيلة بقاء رغم فقدانها شعبياً وسياسياً.
داخل فلسطين، تتصاعد المقاومة في غزة والضفة، رافضةً منطق التسوية الفاشل ومؤمنة بأن تحقيق الدولة يتطلب نضالاً وتضحيات حقيقية، لا مفاوضات عقيمة. وفي الوقت الذي تسوق فيه أمريكا دولة فلسطينية منزوعة السيادة، يواصل الاحتلال إنكار وجود الشعب الفلسطيني ذاته، كما تظهر تصريحات وزراء يمينيين متطرفين صريحة في هذا الشأن.
حل الدولتين لم يعد سوى قناع يغطّي سياسات الضم والقتل، وأصبحت السلطة الفلسطينية عاجزة عن حماية شعبها. ومع استمرار الانقسام، تتضاءل فرص إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة، في حين تعيش (إسرائيل) أزمة داخلية متزايدة بين تفكك الردع العسكري وانقسامات اجتماعية، وتراجع دورها الاستراتيجي كوكيل غربي في المنطقة.
السبيل نحو إقامة دولة فلسطينية حقيقية يبدأ من الداخل بإعادة بناء الوحدة الوطنية، وإصلاح مؤسسات منظمة التحرير، وتبني استراتيجية مقاومة شاملة تعيد بناء الثقة الشعبية. يتطلب ذلك تأسيس حكومة وحدة وطنية، وضمان تمثيل عادل، وبناء أجهزة أمنية محترفة، وتنمية اقتصادية متكاملة، وتعزيز التعليم والثقافة الوطنية.
خارجيًا، يجب تكثيف الجهود لتعزيز الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وملاحقة الاحتلال قانونياً، وتفعيل دور الشتات الفلسطيني ضمن مشروع وطني موحد. كما لا يمكن إتمام بناء الدولة دون تحقيق عدالة انتقالية تنصف الضحايا وتعزز المصالحة الوطنية الحقيقية.
إن إقامة الدولة الفلسطينية ليست هبة أو منحة من أحد، بل هي معركة تحرر وطني طويلة الأمد تُخاض بالإرادة الوطنية لا بالرضوخ للهيمنة الخارجية. دولة فلسطين التي نطمح إليها هي دولة كاملة السيادة، عاصمتها القدس، قائمة على الكرامة والحرية ووحدة الأرض والشعب. وأي محاولة لتقديم بديل عنها هو مجرد استسلام وبيع للوهم.
إن الطريق نحو دولة فلسطينية حقيقية ومستقلة ليس مفروشًا بالورود، بل مليء بالتحديات السياسية والأمنية والاجتماعية، لكنه خيار لا بديل عنه لشعبٍ يطمح إلى الحرية والكرامة والعيش بسلام على أرضه. يتطلب هذا التحدي إرادة وطنية قوية، ووحدة داخلية متينة، واستراتيجية شاملة تُعلي من شأن المقاومة والمفاوضة على حد سواء. كما يستلزم دعمًا دوليًا حقيقيًا يعترف بحقوق الفلسطينيين ويحميها. وفي ظل استمرار المراوحة والتمسك بالأوهام، يبقى الأمل في تحقيق الدولة الفلسطينية متقدًا لدى أجيال لا تقبل الاستسلام أو التفريط في حقها المشروع. 
"والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة