تقرير – شهاب
في خطوة غير مسبوقة منذ عقود، وُصفت بأنها تحوّل تاريخي في السياسة الألمانية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، أعلنت الحكومة الألمانية تعليق تصدير المعدات العسكرية والأسلحة التي يمكن استخدامها في العمليات الإسرائيلية المتواصلة بقطاع غزة.
وبرّر المستشار فريدريش ميرتس القرار، الذي يعكس تحوّلًا ملحوظًا في موقف برلين من الحرب الدائرة، بـ"الاعتبارات الإنسانية الملحّة"، مؤكدًا أن ألمانيا لا تزال ملتزمة بأمن "إسرائيل"، لكنها "لن تساهم في تأجيج المعاناة في غزة".
وبحسب محللين، فإن القرار جاء على خلفية تصاعد الانتقادات الدولية للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، إضافة إلى ضغط داخلي متنامٍ من أحزاب ومنظمات حقوقية تطالب بمواءمة السياسة الألمانية مع القانون الدولي الإنساني.
ووفق مراقبين، فإن القرار يمثّل تحوّلًا جذريًا في سياسات الحكومة الألمانية التي كانت من أبرز حلفاء "إسرائيل" الدوليين، إلا أن هذه الخطوة لا تعني قطع الجسور مع "تل أبيب"، لكنها توجّه رسالة واضحة بأن الدعم الألماني لم يعد "شيكًا على بياض".
وتُعد ألمانيا ثاني أكبر مورّد للأسلحة للاحتلال بعد الولايات المتحدة، لكنها تشتري أيضًا أسلحة من "إسرائيل" ضمن عملية تحديث شاملة لقواتها المسلحة منذ الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022.
وذكر البرلمان الألماني في يونيو/حزيران أن تراخيص تصدير عتاد عسكري إلى "إسرائيل" بقيمة 485 مليون يورو (564 مليون دولار) مُنحت في الفترة ما بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و13 مايو/أيار 2025.
ومنذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، واجهت الحكومة الألمانية انتقادات متصاعدة من الداخل والخارج، مع تزايد الضغوط من أحزاب المعارضة والمنظمات الحقوقية لوقف الدعم العسكري غير المشروط لتل أبيب.
ضغوط شعبية وبرلمانية
ويأتي القرار في ظل ضغط متزايد من شخصيات بارزة في ألمانيا، حيث انضم 162 ممثلاً وموسيقيًا وإعلاميًا إلى الدعوة المطالِبة بوقف توريد الأسلحة الألمانية إلى "إسرائيل"، من بينهم المغنيان نينا خوبا وكلويسو، والمخرج فاتح أكين، والممثل الإسرائيلي الحائز جائزة "غولدن غلوب" آري فولمان، والممثلة زاندرا هولر.
وبحسب منظمة "آفاز" العالمية، التي نظمت هذه الحملة، فإنها شبكة حملات دولية تهدف إلى التأثير في القرارات السياسية عبر أصوات المواطنين.
ويوم الخميس الماضي، وجّهت أكثر من 200 شخصية بارزة في ألمانيا رسالة مفتوحة إلى المستشار ميرتس، طالبوا فيها بوقف صادرات الأسلحة إلى "إسرائيل" وفرض عقوبات عليها.
وجاء في نص الرسالة أن "الأطفال الذين لا يشاركون في الحرب، لكنهم يتحملون أوزارها، يتضورون جوعًا ويموتون في قطاع غزة"، مضيفة أن "أكثر من 17 ألف طفل قُتلوا حتى الآن، ومئات الآلاف إما مصابون أو جرحى أو مشرّدون أو يعانون صدمات نفسية ويتضورون جوعًا".
وفي الأسابيع الأخيرة، زادت الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي الشريك بالائتلاف الحاكم في ألمانيا من ضغوطها على الحكومة الائتلافية، التي تضم أيضاً الاتحاد المسيحي برئاسة المستشار فريدريش ميرز، إلى جانب الحزب الاشتراكي، وذلك بسبب الإبادة المتواصلة في غزة.
فيما أكدت زيمتيي مالر، نائبة زعيم الكتلة البرلمانية للحزب الديمقراطي الاجتماعي في ائتلاف ميرز، أن برلين "يجب أن تدرس فرض عقوبات على "إسرائيل"، بما في ذلك تعليق جزئي لصادرات الأسلحة أو تعليق اتفاق سياسي على مستوى الاتحاد الأوروبي".
وتعكس دعوة مالر تشديداً في نبرة الخطاب المناهضة لإسرائيل من جانب برلين، رغم أن هذا التحول في اللهجة لم يُفضِ حتى الآن إلى تغييرات سياسية ملموسة.
وكتبت مالر، التي انضم حزبها هذا العام إلى ائتلاف مع المحافظين بقيادة ميرز، رسالة إلى نواب الحزب بعد عودتها من زيارة إلى "إسرائيل" برفقة وزير الخارجية يوهان فاديفول الأسبوع الماضي.
كما أجرت مؤسسة "دويتشلاند تريند" استطلاعًا للرأي أظهر، أن 66% من الألمان يريدون من حكومتهم ممارسة مزيد من الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لتغيير سلوكها تجاه غزة.
وهذه النسبة أعلى مما كانت عليه في أبريل/نيسان 2024 حين أظهر استطلاع رأي أجراه معهد فورسا أن نحو 57% من الألمان قالوا إن على حكومتهم تشديد انتقادها للاحتلال على أفعالها في غزة.
ويعتقد 47% من الألمان أن حكومتهم لا تفعل كثيرا للفلسطينيين، مقابل 39% يرفضون ذلك، حسبما أظهر الاستطلاع.
ويشعر 31% فقط من الألمان أن لديهم مسؤولية أكبر تجاه الاحتلال بسبب الأحداث التاريخية -وهو مبدأ أساسي في السياسة الخارجية الألمانية- بينما يرى 62% من الألمان غير ذلك.
ضربة لقدراتها الميدانية
ومن جانبه، اعتبر الباحث في الشأن الأمني والعسكري، رامي أبو زبيدة، أن قرار الحكومة الألمانية تعليق تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية لإسرائيل، بما في ذلك قطع الغيار الحيوية ورشاشات الدبابات، يمثل تحولًا مهمًا في الموقف الألماني الذي كان تاريخيًا من أكبر الداعمين العسكريين للاحتلال.
وأوضح أبو زبيدة في تعقيب خاص بوكالة "شهاب" للأنباء، أن القرار سيؤثر بشكل مباشر على القدرات الميدانية الإسرائيلية، خاصة في ظل اعتماد سلاح المدرعات على معدات وقطع غيار ألمانية لأنظمة الحركة والتسليح في الدبابات، مشيرًا إلى أن استمرار العمليات البرية بوتيرة عالية سيؤدي إلى استهلاك هذه القطع دون القدرة على تعويضها سريعًا ما لم يتم إيجاد بدائل.
وأضاف أن وقف توريد رشاشات الدبابات الألمانية، المستخدمة في تغطية تقدم القوات داخل المناطق العمرانية الكثيفة، قد يفرض قيودًا على جاهزية العتاد المدرع، لافتًا إلى أن التوقيت يتزامن مع بحث الحكومة الإسرائيلية توسيع عملياتها في عمق مدينة غزة، ما يجعل القرار بمثابة رسالة ضغط أو كبح لاندفاع التصعيد.
وأشار أبو زبيدة إلى أن الخطوة الألمانية قد تمثل بداية لتحرك أوروبي أوسع نحو إعادة النظر في صادرات الأسلحة لإسرائيل، خاصة مع تزايد الانتقادات الدولية للانتهاكات والجرائم في غزة، كما قد تنعكس على العلاقات الثنائية بين برلين وتل أبيب التي كانت قائمة على دعم غير مشروط.
