لم يغادر الميدان حتى اغتياله

أنس الشريف… صوت الناس في زمن المجاعة والحرب

الشهيد الصحفي أنس الشريف

في مكانٍ يُدفن فيه الناس أحياء تحت الأنقاض، ولا تُسمع صرخاتهم إلا في لحظة الفقد، كان هناك صوت واحد يخترق الأنقاض الخرسانية والتراب والدم: صوت أنس الشريف.

لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه كان واضحًا، صادقًا، ومعبرا عن الحقيقة. لم يكن صوته فقط صوت كاميرا، بل كان صوت أم تبحث عن أبنائها بين الركام، وصوت طفل يُسعف بلا مستشفى، وصوت مدينة كاملة تتلوّى من الحصار والجوع والموت.

أنس لم يأتِ من خلف المكاتب أو من معاهد الصحافة العالمية، بل خرج من بين الناس الذين يغطّيهم… كان واحدًا منهم. يعرف الخوف الذي ينام على الأرصفة، ويعرف صوت الطائرات قبل أن تُسمع، ويعرف كيف يُغطي قلبك عندما لا تجد ماءً أو دواءً أو مكانًا تلجأ إليه.

في شتاء عام 2023، وبينما كانت مدن غزة تذوب تحت النار، كان أنس في جباليا، شمال القطاع، حيث لا ماء ولا كهرباء ولا أمان. وحين طُلب منه المغادرة، رفض.

قال: “غزة لا صوت لها إن غادرت، وأنا لا أستطيع أن أخون صوتها.”

أنس جمال الشريف، من مواليد ديسمبر 1996، نشأ في مخيم جباليا وسط عائلة بسيطة، ودرس في مدارس الأونروا، قبل أن يلتحق بقسم الإعلام في جامعة الأقصى – غزة. 

بدأ مسيرته الإعلامية متطوعًا في شبكات محلية، ثم التحق بقناة الجزيرة ليصبح مراسلها من قلب الشمال، الواقف دائمًا عند الخط الأول.

ما ميزه لم يكن فقط المعلومة الدقيقة أو التغطية السريعة، بل تلك “الإنسانية الصلبة” التي كان يظهر بها. كان يحفظ أسماء الأطفال، ويتحدث مع العائلات دون تكلف، يسير في الأزقة التي لا يجرؤ عليها أحد، وينقل الصورة كما هي، مؤلمة، لكن حقيقية.

حين اجتاحت المجاعة مناطق الشمال، كان أنس أول من وثّق فصولها القاسية، وكيف اشتهى الناس  كيس الدقيق، وكيف صار الحليب أمنية في عيون الأمهات.

كان يقول في إحدى تغطياته:

“هنا، لا تسأل الناس عن أحلامهم… اسألهم فقط إن أكلوا اليوم.”

تلقى تهديدات متكررة من الاحتلال الإسرائيلي، بعضها علني، وبعضها برسائل مباشرة. قصف الاحتلال منزله في ديسمبر 2023، واستُشهد والده، لكنه لم يغادر.

عاد بعدها بساعات إلى الشاشة، قال:“حاولوا إسكاتي بقتل أبي… وأنا هنا لأقول إن الصوت لا يموت.”

واصل تغطيته حتى اللحظة الأخيرة، وفي مساء العاشر من أغسطس 2025، استُهدف مع خمسة من زملائه بطائرة إسرائيلية مسيّرة، بينما كانوا داخل خيمة صحفيين أمام مجمع الشفاء الطبي. لم يكن يحمل سلاحًا، كان يُعد تقريرًا عن المصابين والجرحى.

بعد استشهاده، نشرت وصيته الأخيرة:“إن وصلتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي… لكنني لم أتخلّ عن واجبي، ولم أتراجع عن رواية الحقيقة.”

رحل أنس، لكن صورته ستبقى في ذاكرة كل فلسطيني. بعينين دامعتين تحت الخوذة، وبصوتٍ مليء بالحياة رغم رائحة الموت. لم يكن يبحث عن بطولة، بل عن حق شعبه في أن يُرى، أن يُسمَع، أن يُعرَف.

أنس الشريف لم يكن فقط مراسلًا…كان قلبًا نابضًا يحمل غزة بين ضلوعه، وصوتًا انسحب من جسده ليسكن في كل بيت، وكل شاشة، وكل ضمير حر.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة