"إسبرطة" الجديدة.. حرب نتنياهو على غزة تقود "إسرائيل" نحو العزلة والانهيار

"إسبرطة" الجديدة.. حرب نتنياهو على غزة تقود "إسرائيل" نحو العزلة والانهيار

تقرير – شهاب

مع تصاعد القصف على غزة وارتفاع حصيلة الشهداء من المدنيين إلى عشرات الآلاف، بدأ الكيان الإسرائيلي يواجه تداعيات سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة، إذ أقرّ رئيس حكومته بنيامين نتنياهو مؤخرًا بأن الكيان يعيش حالة عزلة متزايدة في المجتمع الدولي، نتيجة الانتقادات المتصاعدة لسلوكه العسكري في القطاع، وممارساته التي يصفها العالم بالمخالفة للقانون الدولي والإنساني.

اعتراف نتنياهو بالعزلة جاء ليعكس حجم الضغط العالمي على الكيان الإسرائيلي، في وقت أعلنت فيه دول عدة عن تعليق التعاون العسكري أو مراجعة صفقات تسليح، كما اتخذت حكومات أوروبية وأمريكية لاتينية خطوات للاعتراف بالدولة الفلسطينية أو لفرض قيود على العلاقات الدبلوماسية، في إشارة واضحة إلى اتساع الهوة بين "إسرائيل" وحلفائها التقليديين.

كما اعتبرت المعارضة الإسرائيلية أن العزلة نتيجة مباشرة لسياسات نتنياهو "المتهورة"، بينما حذّر خبراء اقتصاديون من أن استمرار العزلة سيؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات، سواء عبر تراجع الاستثمارات الأجنبية أو احتمالية فرض عقوبات.

وبينما تستمر الغارات والدمار في غزة، تبدو حكومة الاحتلال غارقة أكثر فأكثر في عزلة سياسية ودبلوماسية واقتصادية، كما أن جرائم الحرب التي ترتكب على الأرض لم تقتصر نتائجها على الفلسطينيين فحسب، حيث انعكست على صورة "إسرائيل" عالميًا.

 

كارثة على "إسرائيل"

وأثار اعتراف رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بدخول "إسرائيل" في حالة من العزلة الدولية، انتقادات شديدة ومخاوف من الانعكاسات السلبية لذلك كله على الاقتصاد عموما ومعيشة المستهلك الإسرائيلي خصوصا.

وأقر نتنياهو، بأن "موجة تسونامي الدبلوماسية في الطريق، أي العزلة، وسنضطر أن نتكيف أكثر وأكثر مع اقتصاد في جوانب معينة ذات سمات الاكتفاء الذاتي"، مضيفًا: "نحن أثينا إسبارطة"، في إشارة إلى المدينتين اليونانيتين.

وعلق الصحفي والكاتب الإسرائيلي رازي بركائي، بالقول إن نتنياهو يبالغ في قصص تفاؤله، ولكنه قال شيئا صحيحا هو أن "إسرائيل ذاهبة إلى فترة سيئة، رغم أنه لم يعترف بأنه السبب في ذلك".

وذكرت قنوات إسرائيلية أن هناك حالة سخط شديد، في صفوف قادة الكيانات الاقتصادية، على رئيس الحكومة، ويقولون إنه يتسبب بضرر كبير لصورة الاقتصاد الإسرائيلي، وإن "كانت عزلة إسرائيل الدولية خطيرة جدا فيجب أن يعمل على حل المشكلة".

واعتبر رئيس اتحاد الصناعيين في "إسرائيل"، رون تومر، إن ما قاله نتنياهو يعبر عن صورة الوضع بأن "إسرائيل" ستصبح معزولة أكثر وأكثر، مضيفا أن العزلة تعني الانهيار الاقتصادي، وستضر بمستوى معيشة الجميع.

أما محلل الشؤون العسكرية في القناة 13، ألون بن دافيد، فأشار إلى أنه لا يمكن بناء جيش حديث في ظل اقتصاد الاكتفاء الذاتي، مؤكدا أن "إسرائيل بحاجة إلى مواد خام، وهي تئن حاليا تحت وطأة المقاطعة التركية للمواد الخام" وقال إن الأتراك كانوا يوفرون لإسرائيل الكثير من المواد الخام.

كما أشار بن دافيد إلى أن "إسرائيل" تعتمد على سلسلة التوريد للمركبات الإلكترونية التي تأتي من الشرق الأقصى، وإذا قطعوا هذه التوريدات فلن تكون لإسرائيل القدرة على أن تبدأ كل شيء من الصفر.

وبحسب، آري شبيط، وهو صحفي وكاتب، فإن "إسرائيل ليست لديها شرعية داخلية، ولا شرعية دولية، وهي تخاطر بالمخطوفين" واعتبر أن العملية العسكرية في مدينة غزة كارثة على "إسرائيل".

أما محلل الشؤون العسكرية في القناة 12، يوآف ليمور، فخاطب نتنياهو قائلا "منذ 3 سنوات يتم تحذيرك من أن سياساتك ستقودنا إلى عزلة ومأساة، قالوا لك إنه يجب أن تنتهي الحرب لأنها تقضي على إسرائيل، لكنك اخترت إسبارطة".

وقال أيضا إن نتنياهو اختار إسبارطة تحديدا من بين الأماكن في العالم، موضحا أن "إسبارطة عاشت على خرابها وعلى دكتاتورية قاسية، فكانت نهايتها أن ابتلعها جيرانها".

وأضاف مخاطبا نتنياهو "قالوا لك إن المخطوفين يموتون في الأنفاق ويجب أن تنقذهم، لكنك اخترت إسبارطة، قالوا لك لا تهاجم قطر، لكنك اخترت إسبارطة، قالوا لك إنك تمزق الشعب، لكنك اخترت إسبارطة.. وباختصار يا نتنياهو: هذا ليس الواقع.. هذا أنت وهذه سياساتك".

كما انتقد غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق الذي يخطط للترشح للانتخابات، رئيس الوزراء بشدة، قائلاً: "لن تكون هناك فرصة ثانية لإصلاح الضرر الذي تسبب به هو وشركاؤه الذين تخلوا عن الرهائن وعزلوا إسرائيل عن العالم".

 

صورة قاتمة للوضع السياسي

ومن جانبه، قدّم الباحث والخبير في الشؤون الإسرائيلية رامي أبو زبيدة قراءة موسعة لمقالة الصحفي الإسرائيلي البارز بن درور-يميني، المنشورة في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، والتي حملت انتقادات غير مسبوقة لسياسات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وحذّرت من أنّ استمرار النهج العسكري الأحادي يقود "إسرائيل" إلى مصير شبيه بمصير "إسبرطة" القديمة، التي بنت وجودها على العنف الدائم قبل أن تنتهي إلى الانهيار.

وأوضح أبو زبيدة أنّ المقالة ترسم صورة قاتمة للوضع السياسي الداخلي في "إسرائيل"، حيث انطفأت أصوات الاحتجاج وتراجعت المعارضة إلى الخلف، فيما أُسكت المستشارون وتحوّلت مؤسسات الدولة إلى مجرد ديكور بلا تأثير.

وبحسب قراءة أبو زبيدة، فإن يميني يصوّر الحكم في "إسرائيل" اليوم على أنه في يد شخص واحد هو نتنياهو، الذي يتخذ القرارات منفردًا ويقود البلاد نحو حرب لا يريدها معظم الإسرائيليين، لكنها تخدم بقاءه السياسي على رأس السلطة.

وأشار أبو زبيدة إلى أن الكاتب الإسرائيلي قدّم تشخيصاً صادماً لواقع الحرب في غزة، باعتبارها حرباً بلا أهداف واضحة أو أفق استراتيجي. فبعد سنوات طويلة من القتال، وسقوط مئات القتلى من الجنود، وإضعاف بعض قدرات حماس، لم يتحقق أي حسم حقيقي. بل إن أي نصر يُروّج له ستكون كلفته أكبر بكثير من منفعته، وهو ما يضع "إسرائيل" أمام معادلة استنزاف مستمر في الأرواح والموارد.

وأضاف أبو زبيدة أنّ المقال يبرز أيضاً الفشل السياسي والدبلوماسي لإسرائيل، التي أضاعت فرصاً مهمة لاحتواء أزمتها عبر رفض مبادرات مثل الخطة المصرية والوثائق العربية المشتركة. هذا التعنت لم يؤدِّ فقط إلى تكريس العزلة الدولية، بل أسهم كذلك في إبعاد بعض الدول التي تربطها علاقات سلام مع إسرائيل نحو معسكر الخصوم. ومن هنا يظهر – بحسب تحليل أبو زبيدة – أن "إسرائيل" لم تخسر فقط في الميدان، بل في قاعات السياسة والدبلوماسية أيضاً.

وفي جانب آخر من قراءته، لفت أبو زبيدة إلى السخرية التي تضمنها مقال يميني من خطابات نتنياهو، التي تتعمد تضخيم أي عملية عسكرية بعيدة باعتبارها "رسالة استراتيجية"، في حين يكشف الواقع تآكلاً متسارعاً في مكانة "إسرائيل" السياسية والاستراتيجية.

وأوضح أن هذه الرسائل الفارغة ليست سوى محاولة للتغطية على فشل القيادة في تقديم إنجاز حقيقي أو بلورة رؤية للخروج من المأزق.

أما التحذير الأبرز الذي توقف عنده أبو زبيدة فهو استعارة "إسبرطة"، التي استحضرها الكاتب الإسرائيلي للإشارة إلى خطورة تحوّل إسرائيل إلى مجتمع يعيش على العنف والحرب الدائمة، مثلما كانت عليه إسبرطة، والتي انتهت في النهاية إلى الانهيار.

هذه المقارنة – بحسب أبو زبيدة – ليست مجرد صورة أدبية، بل تعكس خشية عميقة من أن تكون "إسرائيل" قد دخلت مساراً خطيراً يهدد كيانها واستقرارها على المدى البعيد.

وشدد على أن مقالة بن درور-يميني تفضح بوضوح كيف يقود نتنياهو دولة الاحتلال نحو حرب طويلة الأمد، بلا أهداف واضحة، وبلا خطط لإدارة غزة بعد العمليات العسكرية، ولا إجابات حول مستقبل الخدمات الصحية والغذاء والبنى التحتية هناك. إنها حرب – كما يخلص المقال – تُدار من أجل بقاء سياسي شخصي، بينما الثمن الذي تدفعه إسرائيل داخلياً وخارجياً يتضاعف يوماً بعد يوم.

ويواجه الكيان الإسرائيلي الآن حظرًا جزئيًا أو كليًا على الأسلحة من فرنسا وهولندا والمملكة المتحدة وإسبانيا وإيطاليا ودول أخرى بسبب سلوكها في حرب غزة.

فيما عارض الجمهور الإسرائيلي وعائلات الأسرى المحتجزين بالقطاع، وحتى الجيش، توسيع نطاق الحرب خوفًا من أن يعرضهم للخطر ويزيد من الخسائر الإنسانية، لكن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ضرب كل التحذيرات عرض الحائط وأصر على المضي قدمًا لاستمرار الحرب.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة