خاص / شهاب
حوّلت الولايات المتحدة الأمريكية مجلس الأمن الدولي من حصنٍ لانسجام القانون الدولي إلى مسرحٍ لصياغة الضمائر السياسية بعنجهيتها الدبلوماسية، مستخدمةً حق النقض كدرعٍ يمنح جيش الاحتلال الضوء الأخضر للاستمرار في إبادة الفلسطنينن.
فاستخدام الفيتو الأميركي المتكرر ضد مشاريع قرارات تدعو لوقف النار وفتح ممرات إنسانية لا يعكس مجرد اختلاف في الرؤى السياسية — بل يشي بتواطؤٍ فعلي يجعل من واشنطن شريكاً مباشراً في استمرار الإبادةً الممنهجةً للشعب الفلسطيني.
عنجهية الفيتو
ويرى المحللون أن العنجهية الأميركية حوّلت "الفيتو" من وسيلةٍ وُجدت لضبط التوازنات داخل مجلس الأمن إلى أداة دبلوماسية بالية، تُستخدم بوقاحة لحماية القاتل ومنع أي محاولة لإنصاف الضحية. فحين تُفشل قوة واحدة كل الجهود الدولية الرامية لوقف المجازر بحق المدنيين في غزة، فإنها لا تمارس حقًا إجرائيًا محضًا، بل ترتكب فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا يجعلها شريكًا في الجريمة ذاتها.
ويؤكدون أن الفيتو الأميركي لا يقف عند حدود العرقلة الشكلية لمسارٍ دبلوماسي، بل يترجم عمليًا إلى تمديدٍ لزمن القصف، وإعطاء غطاء سياسي لاستمرار الإبادة. بمعنى آخر، كل يومٍ إضافي يسقط فيه الشهداء والجرحى في غزة هو نتيجة مباشرة لقرارٍ أميركي صريح حال دون صدور قرار ملزم بوقف النار. هذا الاستخدام المتكرر والمتعنت يجعل من الولايات المتحدة طرفًا متورطًا في الحرب، لا وسيطًا ولا راعيًا للسلام كما تدّعي.
وإذا كان من المفترض أن يكون مجلس الأمن مظلة لحماية الشعوب وصون القانون الدولي، فإن الفيتو الأميركي جرّده من جوهره وحوّله إلى أداة انتقائية تخدم مصالح واشنطن وحدها. لقد أفرغت الولايات المتحدة ميثاق الأمم المتحدة من محتواه، وحولت النظام الدولي إلى رهينة قرارٍ أحادي يضع مصلحة إسرائيل فوق دماء آلاف المدنيين العزّل.
وبتكرار هذا الأمر لم يعد الفيتو الأميركي مجرّد موقف سياسي، بل أصبح رمزًا لشراكة واشنطن في الحرب على غزة، وقرينة قانونية وأخلاقية على مسؤوليتها عن استمرار الجرائم، وهو ما سيظل وصمة في جبينها مهما حاولت تبريره.
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحوّلت الولايات المتحدة إلى المظلة السياسية الأوسع لآلة القتل، بعدما استخدمت حق النقض "الفيتو" ست مرات متتالية لتعطيل أي قرار دولي يطالب بوقف المجازر.
ففي 8 ديسمبر/كانون الأول 2023، أسقطت واشنطن مشروع قرار قدّمته الإمارات باسم المجموعة العربية كان يدعو إلى وقف إنساني عاجل للعمليات العسكرية. تكررت الجريمة السياسية في 20 فبراير/شباط 2024 ضد مشروع قرار صاغته الجزائر لفرض وقف فوري لإطلاق النار.
وفي 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، جاء الفيتو الأميركي ليجهض مشروع قرار تقدّمت به مجموعة الدول العربية، ينص على وقف شامل وغير مشروط لإطلاق النار مع الإفراج عن الرهائن. لم تكتفِ واشنطن بذلك، ففي 4 يونيو/حزيران 2025 أسقطت مجددًا مشروعًا للجزائر يطالب بوقف دائم للحرب.
أما في 18 سبتمبر/أيلول 2025، فقد مارست الفيتو للمرة السادسة ضد مشروع قرار تقدّمت به مالطا يحظى بدعم دولي واسع، نصّ على وقف فوري ودائم لإطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية. هذه السلسلة السوداء من الفيتوات جعلت من الولايات المتحدة شريكًا كاملًا في الإبادة، تمنح الاحتلال الضوء الأخضر ليستمر في قتل المدنيين وتدمير غزة تحت غطاء "شرعية" دولية مشوهة.
"الوقاحة السياسية"
انتقد المحلل السياسي سليمان بشارات بشدة الموقف الأميركي من الحرب الدائرة في غزة، واصفًا إياه بأنه تجاوز كل الحدود ووصل إلى مستوى "الوقاحة السياسية". وأكد أن استخدام واشنطن لحق النقض (الفيتو) للمرة السادسة على التوالي يكشف عن انحياز مطلق للاحتلال الإسرائيلي، ودعم مباشر لاستمرار المذابح ضد المدنيين.
وأوضح بشارات في تصريح صحفي أن اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم اطلاعه على تقارير أممية تصف ما يجري بأنه "جريمة إبادة"، مقابل تركيزه فقط على ما جرى في السابع من أكتوبر، يعكس بوضوح حجم الانحياز الأميركي. وأضاف أن الولايات المتحدة لا تكتفي بتبرير ما تقوم به إسرائيل، بل تتبنى روايتها بالكامل وتمنحها غطاءً سياسياً ودبلوماسياً.
وأشار إلى ازدواجية واشنطن الصارخة في مواقفها، مستعرضًا كيف بذلت جهودًا هائلة للتأثير على مسار الحرب الروسية ـ الأوكرانية، بينما في حالة غزة تلتزم موقف المتفرج، بل تشارك في تمكين حكومة نتنياهو من مواصلة حربها، في الوقت الذي كان يمكنها فيه الضغط نحو حلول مرحلية على الأقل.
ورأى بشارات أن هذا السلوك الأميركي يعكس قرارًا واعيًا بالذهاب إلى أبعد مدى في دعم الاحتلال، وهو ما يجعلها في مواجهة مباشرة مع الرأي العام العالمي الذي يطالب بوقف فوري للحرب. وحذر من أن الولايات المتحدة ستكون من أبرز الخاسرين على المدى البعيد نتيجة هذا الانحياز، لأنها تتجه نحو عزلة سياسية متزايدة.
كما لفت إلى أن الخطاب الأميركي المتغطرس ونبرة التهديد التي يستخدمها ترامب تكشف حالة ارتباك حقيقية، لأن إسرائيل لم تحقق حتى الآن أهدافها في غزة، وهو ما أربك الحسابات الأميركية. واعتبر أن الفشل في أحداث محورية، مثل محاولة الاغتيال في الدوحة، يؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على ضبط مسارات الحرب.
وختم بشارات بالقول إن المشهد أصبح مفتوحًا على احتمالات غير محسوبة، إذ خرجت الحرب عن نطاق السيطرة والتحليل العقلاني، وباتت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة تسيران نحو مرحلة استنزاف طويلة الأمد، الأمر الذي يضع أوروبا أمام مأزق سياسي وشعبي كبير، ويُغيّر من الصورة العالمية لإسرائيل بشكل جوهري.
موجة استنكار دولية
ولم يقف الجدل حول استخدام الولايات المتحدة لحق النقض عند حدود الانتقادات الإقليمية، بل تمدّد ليشكل موجة استنكار دولية غير مسبوقة. فقد رأت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أغنيس كالامار، أن الفيتو الأميركي الأخير "يمثل خيانة فاضحة للقانون الدولي"، مؤكدة أنه أتاح لإسرائيل مواصلة عملياتها العسكرية الدموية في غزة، وحرم مئات الآلاف من المدنيين من أي فرصة لحماية حياتهم. وأوضحت أن واشنطن، عبر هذا السلوك، لم تكتفِ بتقويض جهود مجلس الأمن، بل "أعطت ضوءًا أخضر لمزيد من الانتهاكات الجسيمة التي قد ترقى إلى جريمة إبادة".
من جهته، اعتبر لويس شاربونو، مدير مكتب الأمم المتحدة في منظمة هيومن رايتس ووتش، أن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يعد يقتصر على إمدادات السلاح أو الغطاء السياسي، بل تجاوز ذلك ليشكّل "مساهمة فعلية في استدامة الجرائم"، محذرًا من أن هذا النهج يضع الولايات المتحدة في موقع المشارك أو المتواطئ في جرائم الحرب. وأكد شاربونو أن استمرار استخدام الفيتو على هذا النحو يحوّل الولايات المتحدة من قوةٍ تدّعي حماية النظام الدولي إلى طرفٍ يعطّل العدالة ويشرعن العنف ضد المدنيين.
لم يعد الفيتو الأميركي مجرّد أداة إجرائية في مجلس الأمن، بل تحوّل عمليًا إلى تفويض مفتوح لإسرائيل بمواصلة العدوان على غزة. فكل مرة تعطل فيها واشنطن مشروع قرار يدعو لوقف إطلاق النار، فإنها تمنح الاحتلال ضوءًا أخضر لمواصلة القصف والمجازر، وتؤمّن له مظلة سياسية في مواجهة أي تحرك دولي يهدف لحماية المدنيين. وبذلك تتحمّل الولايات المتحدة مسؤولية غير مباشرة عن الجرائم المرتكبة، إذ إنها لم تكتفِ بالصمت، بل منعت صدور قرارات كان يمكن أن تضع حدًا لنزيف الدم المستمر.
ويتقاطع هذا التعطيل المتكرر مع الدعم الأميركي الواسع لإسرائيل، عسكريًا وماليًا وسياسيًا. فبينما تُسقط واشنطن الفيتو داخل أروقة الأمم المتحدة، تواصل في الوقت ذاته تزويد جيش الاحتلال بالسلاح والذخيرة، وتؤمّن له مليارات الدولارات من المساعدات، إلى جانب حماية دبلوماسية ثابتة في المحافل الدولية. هذا التوازي بين الفيتو والدعم المباشر يرسّخ قناعة متزايدة لدى المراقبين بأن الولايات المتحدة لم تعد طرفًا محايدًا، بل شريك فعلي في الحرب.
انحياز فاضح
في المقابل، شكّل الفيتو الأميركي صدمة سياسية داخل مجلس الأمن، حيث أيدت الغالبية العظمى من الدول الأعضاء مشروع القرار الداعي لوقف إطلاق النار، في مشهد يعكس عزلة الولايات المتحدة وتناقضها مع إرادة المجتمع الدولي. فقد انحازت واشنطن بموقفها الأحادي ضد إرادة 13 عضوًا أيّدوا القرار، ما أبرز حجم الشرخ بين القوى الكبرى حول التعامل مع الحرب في غزة.
وأثار تكرار الفيتو الأمريكي تساؤلات حول جدوى التصويت على قرارات مشابهة داخل المجلس. وأوضحت الدبلوماسية الدنماركية كريستينا ماركوس لاسن أن المحاولة الجديدة تهدف إلى إرسال رسالة مفادها أن المجلس لا يتخلى عن المدنيين الذين يموتون جوعا أو عن الرهائن أو عن مطلب وقف إطلاق النار.
وأضافت أن "جيلا كاملا قد نفقده ليس بسبب الحرب فحسب بل أيضا نتيجة الجوع واليأس"، معتبرة أن ذلك يمثل إخفاقا إنسانيا وبشريا دفع الأعضاء إلى التحرك.
وسبق الغضب المتزايد لدى أعضاء المجلس جولات سابقة من الإحباط بسبب الفشل في الضغط على إسرائيل لإنهاء معاناة سكان غزة.
أما السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون، فقد اعتبر أن القرارات الدولية لن تساهم في تحرير الرهائن أو ضمان أمن المنطقة، وأكد استمرار إسرائيل في مواجهة حماس والدفاع عن مواطنيها.
وفي آب/أغسطس، أكد خبراء من الأمم المتحدة وقوع مجاعة في أجزاء من القطاع، بينما ترفض إسرائيل ذلك وتتهم حماس بالاستيلاء على المساعدات الإنسانية.
كما وجهت لجنة تابعة للأمم المتحدة اتهامات لإسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية" في غزة، وهو أمر اعتبرته إسرائيل "منحازا ومضللا". وفي 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
