وقف الإبادة في غزة هو الأولوية.. والاعتراف بفلسطين بلا خطوات عملية سيبقى حبرًا على ورق

خاص / شهاب

جاءت موجة الاعترافات الغربية المتتالية بدولة فلسطين لتُشكّل حدثًا سياسيًا لافتًا، اعتبره البعض نقطة تحوّل في الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية بعد عقود من التجاهل والانحياز لإسرائيل. هذا الاعتراف، بحد ذاته، يحمل قيمة رمزية ومعنوية للفلسطينيين، ويعيد وضع قضيتهم على أجندة العالم في لحظة تتسم بالدموية غير المسبوقة التي يعيشها قطاع غزة تحت حرب إبادة مفتوحة.

حدود الاعتراف 

ويري المحللون انه وعلى رغم ما يحمله من دلالات سياسية وأبعاد إنسانية، يظل الاعتراف منقوصًا إن لم يتبعه ضغط فعلي على إسرائيل يجبرها على وقف الإبادة والتسليم بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. فالإعلانات الدبلوماسية وحدها لا توقف شلال الدم، ولا تعيد آلاف الضحايا، ولا تنهي سياسة التدمير الممنهج التي تستهدف غزة حجرًا وبشرًا.

بل إنّ الخطر الأكبر يكمن في أن يتحوّل هذا الاعتراف إلى مجرّد خطوة استعراضية، أو وسيلة لتنفيس غضب الشارع الغربي والإيحاء بوجود تحرك دولي، بينما الواقع على الأرض يزداد قتامة: قصف يومي، حصار خانق، ومجازر تُرتكب على مرأى ومسمع العالم.

ويؤكد المحللون أن موجة الاعترافات الغربية بدولة فلسطين جاءت لكسرًا حاجز الصمت الطويل الذي أحاط بالقضية الفلسطينية في دوائر صنع القرار الدولي. فبعد سنوات من الإنكار والتجاهل، يعود الفلسطينيون إلى واجهة الاهتمام العالمي كأصحاب حق ووجود سياسي معترف به، لا كقضية إنسانية أو أزمة لجوء فقط.

هذا الاعتراف، وإن جاء متأخرًا، يكتسب أهميته من كونه يضفي شرعية سياسية على مطالب الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة، ويعيد التأكيد على أنّ الاحتلال الإسرائيلي لم يعد مقبولًا كأمر واقع. كما أنه يعكس تحوّلًا في المزاج الدولي، مدفوعًا بضغط الرأي العام الغربي الذي لم يعد قادرًا على الصمت أمام صور المجازر اليومية في غزة، وأمام حرب الإبادة التي طالت النساء والأطفال بشكل خاص.

مسائلة اسرائيل 

ويجزم المحللون أن الاعتراف يمنحنا دفعة دبلوماسية قوية للمطالب الفلسطينية في المؤسسات الدولية، ويهيئ الأرضية لمساءلة إسرائيل أمام المجتمع الدولي على جرائمها المستمرة. كما يفتح الباب أمام تحركات سياسية أوسع، ويكسر العزلة التي حاولت تل أبيب فرضها على الفلسطينيين عبر سنوات من المراوغة والإنكار.

ورغم الأهمية الرمزية والسياسية للاعتراف بدولة فلسطين، فإن حدوده تبدو واضحة ومقلقة في آن واحد. إذ إن هذا الاعتراف، مهما بدا لامعًا في الخطاب الدبلوماسي، لا يوقف قصف الطائرات الإسرائيلية ولا يعيد الحياة إلى آلاف الشهداء الذين سقطوا في غزة. فهو في نهاية المطاف إعلان سياسي لا يترافق مع أي آليات ملزمة لإسرائيل.

بينما يري المختصون أن القصور الجوهري يتمثل في أن الاعتراف قد يتحول إلى وسيلة لامتصاص غضب الشارع الغربي المتصاعد أمام صور الإبادة في القطاع، أكثر من كونه خطوة جادة لحماية الفلسطينيين. فطالما لم يُقرن بقرارات عقابية مثل فرض عقوبات اقتصادية، أو تعليق التعاون العسكري، أو حظر بيع الأسلحة، سيظل مجرد "حبر على ورق" لا قيمة عملية له على أرض الواقع.

ويؤكدون إن خطورته تكمن في احتمال أن يستخدمه الغرب كغطاء لتبرير تقاعسه الأخلاقي والإنساني، والتظاهر بالتحرك بينما يترك آلة الحرب الإسرائيلية تعمل بلا رادع. وهنا يصبح الاعتراف لا مجرد خطوة ناقصة، بل أداة تواطؤ غير معلن، تُكرّس واقع الاحتلال بدلًا من أن تُغيّره.

أداة ضغط مشروطة

لا يكتسب الاعتراف بدولة فلسطين قيمته الحقيقية إلا إذا ترافق مع خطوات ملموسة تُرغم إسرائيل على احترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني. فالتجارب السابقة أثبتت أن تل أبيب لا تتراجع عن سياساتها الإبادية إلا تحت ضغط مباشر ومكلف، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

وبحسب المختصون فان الإجراءات المطلوبة تبدأ بفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية، مثل تعليق اتفاقيات الشراكة، وتجميد الاستثمارات، ومنع التعامل مع الشركات المتورطة في الاستيطان والإبادة. ويضاف إلى ذلك وقف تصدير السلاح إلى إسرائيل، أو على الأقل حظر استخدامه في العمليات العسكرية ضد المدنيين، باعتبار أن استمرار تدفق الأسلحة الغربية يساهم بشكل مباشر في إدامة حرب الإبادة على غزة.

إلى جانب ذلك، يبقى لمجلس الأمن والأمم المتحدة دور محوري في تحويل الاعتراف إلى أداة ضغط دولي، من خلال قرارات ملزمة تضع حدًا للانتهاكات، وتحدد جدولًا زمنيًا واضحًا لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. أما من دون هذه الآليات، فسيفقد الاعتراف أي مضمون فعلي، وسيظل خطابًا سياسيًا بلا قوة تأثيرية.

يبقى جوهر أي اعتراف دولي بدولة فلسطين مرتبطًا بشكل وثيق بضرورة فرض حل الدولتين كخيار وحيد لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط. فإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة ليست مطلبًا وطنيًا فلسطينيًا فحسب، بل هي أيضًا شرط أساسي لإنهاء دوامة العنف التي تهدد الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.

ويعتقد المحللون أنه من دون هذا الحل، سيظل الاحتلال الإسرائيلي يتمدد، والاستيطان يتوسع، والحروب تتجدد، في حين يُترك الشعب الفلسطيني تحت رحمة القوة العسكرية الإسرائيلية. إن تجاهل فرض حل الدولتين يعني بقاء المنطقة على فوهة بركان، حيث لا سلام ولا استقرار يمكن أن يترسخ في ظل استمرار الاحتلال والإبادة.

ومع ذلك، فإن الاعتراف وحده لا يكفي لإجبار إسرائيل على القبول بهذا الحل. المطلوب إرادة دولية صلبة، وخطوات عملية تجعل استمرار الاحتلال مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. وحده الضغط الفعلي، عبر العقوبات ووقف الدعم العسكري، يمكن أن يفتح نافذة جدية لتسوية شاملة تُعيد الحقوق لأصحابها وتضع حدًا لصراع عمره أكثر من سبعة عقود.

الدم الفلسطيني أولًا

وسط كل النقاشات السياسية والاعترافات الدبلوماسية، تبقى الحقيقة الأكثر إلحاحًا هي أن الدم الفلسطيني ما زال يُسفك يوميًا في غزة. فلا معنى لأي اعتراف أو مبادرات دولية إذا استمرت آلة الحرب الإسرائيلية في حصد الأرواح وتدمير ما تبقّى من الحياة في القطاع.

إن الأولوية القصوى يجب أن تكون وقف حرب الإبادة الجارية، وفرض هدنة شاملة تضع حدًا للمجازر اليومية. فشلال الدم الذي لم يتوقف منذ شهور، والتدمير الممنهج للبنية التحتية، وتجويع المدنيين عبر الحصار، كلها جرائم تهدد بطمس الوجود الفلسطيني ذاته، وتجعل أي حديث عن حلول سياسية لاحقة بلا قيمة.

من هنا، فإن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لا يكتمل إلا إذا ارتبط بموقف حازم يفرض على إسرائيل وقف الإبادة فورًا، ويفتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة وحماية المدنيين. دون ذلك، سيظل الاعتراف خطوة شكلية في وقت تُمحى فيه غزة من على الخريطة.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة