الرجال تصنعهم المعارك، لكن هذا الرجل كان في المعركة لوحده جيشاً، صوّب ورمى، وزلزل وقتل، أربك حسابات العدو بعمليته التي أدت إلى مقتل حاخام صهيوني قبل عمليته التي خاضها لوحده في الميدان، ثبت وشمخ وقاتل بكل بسالة، ليرحل رحيلاً يليق بالكبار.
تطل علينا اليوم (27/7) الذكرى الثالثة لاستشهاد "أسطورة المقاومة" المجاهد القسامي/ محمد جبارة الفقيه، والذي خاض معركة بطولية سُجلت بمداد المجد، ليقاوم بها حتى الرمق الأخير في معركة استمرت عدة ساعات، قبل أن يرتقي إلى السماء حاضناً بندقيته.
محمد المقاوم
في قرية دورا بالخليل جنوب الضفة المحتلة، وُلد الشهيد القسامي المجاهد محمد جبارة الفقيه بتاريخ 14-7-1987م.
كان محمد منذ طفولته خلوقاً ومحباً للناس، نبيلاً معطاء شجاعاً، أكمل دراسته في القرية حتى أنهى المرحلة الإعدادية بتفوق، ليكمل مشواره التعليمي ويحصل على شهادة الثانوية العامة، ثم التحق بجامعة النجاح الوطنية عام 2005م لدراسة التربية الرياضية.
كانت الجرأة والقوة سمة مميزة لمحمد، اعتقلته قوات الاحتلال بتاريخ 19-9-2006م بتهمة الانتماء لفصيل فلسطيني مقاوم، وتشكيل خلايا عسكرية، وعلى إثر ذلك حكم بالسجن خمس سنوات.
في سجنه انضم محمد إلى صفوف حركة حماس، ليمضي فترة اعتقاله بين أكناف إخوانه في سجون الاحتلال ليرتوي من فكر الحركة، ويدرس منهج المقاومة فيها، حيث حفظ خلالها القرآن الكريم، إلى أن أفرج عنه بتاريخ 12/11/2010م مفعماً بالمقاومة مصراً على الجهاد متلهفاً للشهادة.
وبعد خروجه من السجن التحق بجامعة بوليتكنيك الخليل، وحصل على شهادة إدارة الأعمال، وعمل في إدارة المبيعات في شركة الوطنية موبايل.
عاش الشهيد محمد حياة مستقرة يتلقى راتباً مغري من عمله لكن كان لنداء المقاومة حكاية أخرى مع الشهيد محمد.
العقل المدبر
كانت انتفاضة القدس قد انطلقت وتسارعت وتيرتها ليصر "محمد" على ترك بصمة مميزة للمقاومة تدمغ جباه الصهاينة، فكان من الذين حملوا أرواحهم على أكفهم لمواجهة العدوان الصهيوني على الأرض والإنسان والمقدسات.
أشرف محمد على خلية عسكرية تابعه لكتائب الشهيد عز الدين القسام في الخليل لم تكن تمتلك سوى بندقية كلاشينكوف قاوم بها عشرات المدرعات ومئات الجنود الذين هاجموه بالرصاص والقذائف وصواريخ الطائرات.
فبتاريخ 01/07/2016م، وبعد ساعات قليلة على جريمة إعدام جنود الإحتلال للفتاة الفلسطينية سارة طرايرة وجنينها في بطنها حتى امتشق بندقيته مع رفاقه في المجموعة وخرج مصطاداً أكبر الحاخامات الصهاينة وقتله، وهو ابن عم رئيس الموساد الصهيوني.
وبعدها بدأت رحلة المطاردة لمحمد ورفاقه، ليشارك بعملية البحث كل من أجهزة الاحتلال وعملاؤها، وأجهزة السلطة الفلسطينية.
واعتبر العدو الصهيوني وقتها أن عملية عتنائيل البطولية التي أشرف عليها محمد الفقيه شكلت نقلة نوعية في أعمال المقاومة الفلسطينية، ومثلت فشلاً ذريعاً في القضاء على الهبة الفلسطينية.
قتالٌ حتى الرمق الأخير
فجر الخميس الموافق 27/7/2016م كان الموعد مع حور الجنة التي كانت تتحرق شوقاً لفارسها الجديد.
فبعد رحلة مطاردة في جبال الخليل قضاها الشهيد ما بين عمليته البطولية قرب مغتصبة "عتنائيل"، وما بين مشهد بطولي سطره في التصدي لقوات كبيرة من العدو بعد أن حاصرت منزلاً ببلدة "صوريف" في الخليل تحصن فيه محمد ، ليقف وجهًا لوجه، يقاتل أعداء الله حتى آخر طلقة وآخر قطرة دم.
اشتباك استمر نحو سبع ساعات خاض خلالها شهيدنا قتالاً ضارياً ضد قوات الاحتلال الغازية، وضع الفقيه قوات الاحتلال بعتادها وسلاحها في موقف حرج، ما دفعها في النهاية إلى استخدام ستة صواريخ أحدها مضاد للدبابات لضمان استشهاده.
استشهد القسامي الفقيه، وسطر بدمائه أروع ملاحم البطولة والفداء، ورسم ملامح العزة والكرامة وأصالة رجال الضفة الذين أعادوا للأذهان أمجاد العياش والهنود الذين قضوا مضاجع المحتل، وأحالوا حياة جيشه ومغتصبيه جحيماً، ليرسلوا له رسالة أن الأرض فداها الروح وكل ما نملك لأجل تحريرها، ويتركوا رسالةً لأصحاب الأرض والقضية وأهل الضفة خاصة أن العدو لا يفهم إلا لغة القوة.
