نهال صلاح الجعيدي

تكتل المقاومة وتحطيم صنم الشرعية

منذ عقد ونيف وجميع الفلسطينيون على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم يطالبون بإصلاح المؤسسات الفلسطينية وعلى رأسها إعادة بناء وهيكلة مؤسسات منظمة التحرير واجراء الانتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، الا أن هذه المطالب لم تدخل حيز التنفيذ لعدة أسباب:

السبب الأول: هو هيمنة قيادة السلطة وفتح على مؤسسات منظمة التحري واعتبارها ملك شخصي يستطيعون من خلاله تنفيذ سياساتهم، وخدمة توجهاتهم، وتمرير مواقفهم وقراراتهم باسم الشعب الفلسطيني، والاحتفاظ بمراكز القوة التي تجعلهم يحافظون على رصيد شعبي، وكذلك الحفاظ على نفوذهم الذي من خلاله يسيرون مشاريعهم الاقتصادية والتجارية في الداخل والخارج.

أما السبب الثاني هو انصياعهم للموقف الإسرائيلي الذي يضع فيتو على إصلاح منظمة التحرير لما يضمنه الشكل الحالي من توفير خدمات أمنية مجانية من خلال الدور الوظيفي للسلطة واتباعها سياسة التنسيق الأمني مع الاحتلال رغم كل التصريحات العلنية لقيادة الاحتلال الرافضة لقيام دولة فلسطينية بأي شكل من الأشكال، وهذا ما أعرب عنه وزير الجيش الإسرائيلي غانتس حينما تمت مسائلته داخل الكنسيت عن سياسة الحكومة ولقاؤه ببعض قيادات السلطة بأن اللقاء مع السلطة مهم لضمان الأمن والاستقرار "لإسرائيل".

أما السبب الثالث: هو الادعاء بأن تمثيل فصائل المقاومة الرافضة للاعتراف بدولة الاحتلال داخل منظمة التحرير قد يضر بشرعية المنظمة والاعتراف بها، وبما تم التوقيع عليه من اتفاقيات، على الرغم من عدم تنفيذ الاحتلال لهذه الاتفاقيات والتنصل منها.

وطوال تلك السنوات استمرت حالة الجمود في الوضع السياسي ما بين دعوات الإصلاح ، وما بين التهرب من هذا الاستحقاق الوطني، ولعل المتابع لكل جولات المصالحة وإنهاء الانقسام، يلمس أن هذه القضية هي صاعق التفجير لفشل الجهود فمن جهة قيادة فتح والتي ترأس منظمة التحرير والمجلس الوطني والسلطة الفلسطينية ترفض كل الجهود للأسباب آنفة الذكر ، ومن جهة أخرى باقي الفصائل الوطنية المقاومة المعارضة لنهج السلطة والتي تطالب بالإصلاح دون التقدم بخطوة واحدة على اعتبار أن شرعية منظمة التحرير والاعتراف العربي والدولي بها مكسب للقضية الفلسطينية، وبفقداننا هذه الشرعية نكون قد خسرنا مرتكز مهم قد يتم البناء عليه لاحقا، بالرغم أن منظمة التحرير فقدت شرعيتها منذ زمن ، وذلك حينما فقدت شرعيتها النضالية بتخليها عن سلاحها وبندقيتها وقبولها باتفاقيات مذلة مع الاحتلال لم تحقق الحد الأدنى من حقوق شعبنا وطموحاته ومطالبه ، واكتفت بدور الحارس لأمن الاحتلال، وخسرت شرعيتها الشعبية حين تركت الشعب الفلسطيني يواجه مصيره ومعاناته وحده في كل الساحات دون الخروج بموقف واحد رافض للإجراءات الاحتلالية ضد شعبنا ومحاربتها للمقاومة كخيار شعبي أثبت نجاحه في كل المراحل، وخسرت شرعيتها التنظيمية حين أصبحت ورقة ضغط في يد قيادة السلطة والتنسيق الأمني، فتوقفت اجتماعاتها، واستغنت عن اجراء انتخابات نزيه وشفافة حسب القوانين والمواثيق المعمول بها، ووضعت العقبات أمام انضمام أكبر الفصائل ذات الثقل الشعبي مثل حماس والجهاد الإسلامي.

ثم جاء انعقاد المجلس المركزي الذي كرس حالة الانقسام، وحالة هيمنة الفصيل الواحد في الساحة الفلسطينية ومؤسساتها الرسمية، وملئ شواغر المنظمة دون الالتفات للإرادة الشعبية ، و بغياب قوى تزيد قاعدتها الشعبية في الداخل والخارج عن نصف الشعب الفلسطيني؛ هذا إن لم تصل إلى نحو ثلثي هذا الشعب ، وما صاحبه من مقاطعة واسعة،  و لأول مرة استطاع المعارضين والمقاطعين من ترتيب صفهم ، و التوافق على موقف موحد رافض لانعقاد المجلس وكل ما يصدر عنه من إجراءات وقرارات، وبذلك تكون قد تشكلت ملامح تيار أو تكتل مناهض للسياسات الفردية الإقصائية التي أقدمت عليها حركة فتح بقيادة محمود عباس، والتي تسببت بهدم أركان النظام السياسي الفلسطيني برمته، إلا أن هذا التيار المناهض لا يزال يدور في حلقة مفرغة وتقديس باهت لصنم الشرعية المأزومة بدل القفز عنها لتجسيد الإرادة الشعبية.

لذلك إذا لم يتخذ هذا التيار أو التكتل المناهض خطوات عملية سواء بفرض اصلاح منظمة التحرير أو تجاوزها وتكوين جسم بديل والتقدم ليكونوا قيادة حقيقية للشعب الفلسطيني تعبر عن طموحاته ومطالبه، سيبقى الوضع السياسي يراوح مكانه لسنوات وسنوات، وهذا ليس في صالح القضية الفلسطينية التي تتراجع مكانتها ومركزيتها وتتهاوى قيمتها المعنوية والشعبية، وسيصبح المجال متاحا لمزيد من الانزلاق في هاوية التطبيع مع الاحتلال.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة