بقلم: د. إياد شقوره
بعد 18 شهرا من تجاهل بايدن لمنطقة الشرق الأوسط على عكس سياسة سلفه دونالد ترمب الذي لم يوقف حالة التواصل المستمر تحديدا مع إسرائيل والسعودية. هذا التغير في سياسة بايدن يأتي في إطار خطوات تكتيكية للتوسع الأفقي وزيادة دائرة العلاقات على حساب عمقها وتركيزها في وقت حساس تمر فيه المنظومة العالمية بتغيرات عاصفة دفعته لاتخاذ خطوات اضطرارية وأخرى اختيارية يمكن تلخيصها على النحو التالي:
يحاول بايدن من خلال زيارته لمنطقة الشرق الأوسط المسارعة إلى سدّ الفراغ الذي من الممكن أن تشغله الولايات المتحدة بدل دول روسيا والصين في ظل حالة الاستقطاب وإعادة حالة التموضع العالمي على إثر الحرب الروسية الأوكرانية. إضافة إلى ذلك، فإنّ الإدارة الأمريكية تريد إظهار حالة الاهتمام بالمنطقة بالرغم من انشغالها بالحرب في أوكرانيا وذلك من خلال سياسة الاندماج المستمر بعيدا عن الإهمال والتجاهل.
وفي إطار ترتيب الأوراق بما يخص الملف الإيراني، يسعى بايدن إلى تقوية العلاقات بين تل أبيب والرياض في محاولة لتضييق الخناق على طهران والعمل على عزلها للحدّ من تأثير قدراتها الصاروخية وتطورها النووي من جهة، في حين يهدف من جهة أخرى إلى كسر حالة الجمود في العلاقات بين السعودية وإسرائيل ودخول إلى السعودية ضمن مصاف الدول الموقعة على اتفاق "ابراهام" حتى ولو استمر التطبيع في هذه المرحلة بشكل غير معلن.
وأمّا الخطوة الاضطرارية والتي تعد "مزعجة" للداخل الأمريكي فهي أنّ واشنطن ما زالت بحاجة إلى السعودية من أجل الحفاظ على إمدادات البترول لتغطية العجز الحاصل جراء الحرب على أوكرانيا وتحكّم روسيا بشكل كبير في مصادر الطاقة كالنفط والغاز.
لم تغفل زيارة بايدن تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية من خلال توقيع عدد لا بأس به من الاتفاقيات مع ولي العهد السعودي تهدف إلى دعم حراك التغيير والحداثة الذي يقوده ابن سلمان ويسعى عبرها لتغيير وجه المجتمع السعودي حسب المزاج الغربي وهو ما يساعد في السير قدما في عملية التطبيع بدعم شعبي وفق ما هو مخطط له.
اختتمت زيارة بايدن بقمة "جدّة" والتي ضمت دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى مصر والأردن والعراق والتي تبدو وكأنها خطوة على طريق تشكيل "تحالف" جديد بالمنطقة من خلال دمج إسرائيل الذي بدأ بتوقيع اتفاقيات التطبيع والذي قد ينتهي باتفاقيات دفاع مشترك ضد العدو المفترض والمتمثل في إيران على وجه التحديد.
القضية الفلسطينية ظهرت باهتة على أجندة الرئيس الأمريكي حيث تقدّم بدعم مالي "حوالي 100 مليون دولار" لتطوير المستشفيات في مناطق السلطة الفلسطينية، في حين لم يقدّم بايدن أي دعم سياسي للسلطة أو رئيسها الذي اكتفى بمتابعة مشاهد التأييد والاحتضان الأمريكي الكامل للمشروع الصهيوني.
وفي الختام، نستطيع القول بأنّ زيارة الرئيس الأمريكي بايدن للشرق الأوسط لن تجلب للولايات المتحدة إلا القليل من الإنجازات الملموسة، على الأقل في المدى القصير، مما يعطي الفرصة لدول المعسكر الآخر للتحرك واتخاذ خطوات في الاتجاه المضاد بما يكفل عدم تحقيق الزيارة مآربها المنتظرة. وأمّا فلسطينيا، فيجب على قيادة السلطة أن تعيد النظر في جدوى مسارها التفاوضي تحت الرعاية الأمريكية إلى جانب ضرورة إعادة ترتيب البيت الداخلي على أساس وطني يهدف إلى إعلاء المصلحة الوطنية في مواجهة التحديات القادمة.
