غزة – فادي حجازي
لم يكد ينتهي الموسم الكروي 2021-2022، حتى تحوّل مقر الاتحاد الفلسطيني الكائن غرب غزة، إلى "حلبة" للصراع والشكاوى بين الأندية ولاعبيها.
فاللاعب في غزة يدقُّ قلبه فرحًا بمجرد حصوله على ما يسمى بـ"مقدمات العقود" – مبلغ تدفعه الأندية للاعبين فور توقيعها معهم قبيل انطلاق الموسم، ويخصم من إجمالي قيمة العقد-، غير أن المجريات سرعان ما تنقلب رأسًا على عقب، إذ يدخل الطرفان في نزاع قد يصل إلى المحاكم، الأمر الذي يجعلهما في حرج شديد أمام المنظومة الرياضية بأكملها.
طريق "القانون"
فضل أبو ريالة المهاجم الحالي لنادي بيت لاهيا -أحد أندية الدرجة الأولى في قطاع غزة- كان أحد اللاعبين الذين طرقوا أبواب المحاكم مؤخرًا، للحصول على مستحقاته المالية المتراكمة على ناديه السابق.
وقال أبو ريالة لوكالة "شهاب"، إنه رفع شكوى إلى المحكمة ضد نادي غزة الرياضي -أحد أندية الدرجة الممتازة-، بعدما استنفد كل الطرق الودية لنيل حقه، علما أنه لعب معه في موسم 2020-2021.
ورغم أن اللاعب كان بإمكانه مخاطبة الهيئة الوطنية للتحكيم الرياضي بالضفة الغربية المحتلة -المعاد تشكيلها حديثًا، والتي تمنح اللاعبين الحق في التوجه إليها بشكوى رسمية ضد أنديتهم، وفق المادة الرابعة عشرة في نظامها الأساسي-، فإنه فضّل الذهاب إلى المحاكم النظامية؛ لأنه لم يستطع الوصول إلى أيٍّ من أعضاء هيئة التحكيم، حسب قوله.
وأضاف: "حرمني نادي غزة الرياضي حقي في مبلغ 2900 دولار، ولم أستطع الحصول على مستحقاتي منه بأي شكل من الأشكال".

وتابع مهاجم "اللهاونة" بنبرة "غاضبة": "اضطرت إلى التوجه للمحاكم لأنني لم أجد سواها حلًا لاسترجاع حقي"، متَّهما هيئة التحكيم في الضفة بالانحياز إلى مصالح الأندية "القوية" على حساب اللاعبين "الضعفاء"، وفق تعبيره.
وطالب أبو ريالة -في ختام حديثه- الاتحادَ الفلسطيني لكرة القدم بتطبيق القانون على جميع المخالفين بلا استثناء، حتى يتمكن كل طرف من الحصول على حقوقه، مناشدًا المسؤولين بالوقوف إلى جانب اللاعبين، خاصة الذين يعيلون أسرًا كبيرة ويواجهون ظروفًا اقتصادية صعبة.
"التبرعات" الأمل
من جانبه، لم ينكر الدكتور خالد الوادية رئيس نادي غزة الرياضي، وجود مستحقات مالية للاعب أبو ريالة، معتبرًا خطوة لاعبه السابق بتوجهه إلى المحكمة غير موفقة.
وقال الوادية: "كان بإمكان اللاعب حل مشكلته من خلال التوجه لكمال صقر -أمين سر النادي- بكتاب رسمي، بدل الانتظار أشهرًا طويلة في المحاكم"، غير أن "أبو ريالة" نفى حديث رئيس النادي بكشفه عن مخاطبة قدمها لأمين سر النادي قبل قرابة 4 أشهر دون نتيجة تُذكر، وهو ما جعله يفقد أعصابه ويتوجه للمحكمة، وفق تعبيره.

ولفت رئيس غزة الرياضي إلى "أن الأندية في قطاع غزة تعيش على التبرعات التي تحفظ جزءًا من ماء وجهها أمام اللاعبين والأجهزة الفنية، لا سيما أنها مؤسسات اجتماعية غير ربحية"، مؤكدًا أن الكثير منها تمر بظروف مادية صعبة وقد تُغلق أبوابها، بسبب افتقارها لمصادر التمويل الثابتة واعتمادها على المنح، إضافة إلى ابتعاد الشركات الكبرى عن الرعاية.
"يجب على رجال الأعمال الاقتناع بفكرة الاستثمار في القطاع الرياضي؛ لأن الرياضة تحمل رسالة سامية وتوفر مصدر رزق للآلاف"، هكذا يقترح الوادية، الذي وصل لرئاسة غزة الرياضي في سبتمبر 2021.
وقال: "تمكن النادي من سداد 70% من الديون القديمة من خلال الاستثمار الذي طبقته الإدارة الحالية في منشآتها الرياضية، وهذا أعطانا دفعة قوية لوضع خطة إستراتيجية خلال الفترة المقبلة، هدفها تغطية أكثر من نصف نفقات النادي ذاتيًّا".
وأشار إلى أن الأندية "مُجبرة" على وضع حلول لإنقاذ نفسها من "الإفلاس"، متمنيًّا أن تتحسن الأحوال في الموسم الكروي الجديد، المقرر يوم التاسع من سبتمبر القادم.
حقوق ضائعة
أما أكثر القصص غرابة في مشاكل اللاعبين والأندية في غزة، فتلك التي حصلت مع عطايا جربوع جناح نادي خدمات رفح –أحد أندية الدرجة الممتازة-، الذي نسي الحصول على ورقة الاستغناء عند توقيعه لخدمات النصيرات قبل موسمين.
ومن المعروف عن كرة القدم في قطاع غزة، أن اللاعب الحر يسلّم ناديه الجديد ورقة استغناء من فريقه السابق، ليستلم ورقة أخرى تحدد موعد نهاية العقد الجديد، الأمر الذي يجعله حرًّا في الانتقال لأي فريق آخر بعد التاريخ المتفق بينهما.
وعن ذلك يقول: "بصراحة قصتي غريبة ومضحكة، فقد ذهبت لخدمات النصيرات آنذاك للتوقيع على موسم واحد (...)، لقد كنت في عجلة من أمري سلّمت النادي ورقة الاستغناء وحصلت على 2000 دولار لقاء مقدّم عقد من أصل 4500 كما هو متفق في العقد".
وأضاف بنبرة "ساخرة": "نسيت أخذ ورقة الاستغناء التي تحدد تاريخ نهاية العقد مع خدمات النصيرات، ولم يجل في خاطري أنني سأقع لاحقًا ضحيةً للاستغلال".
وبيّن لاعب خط الهجوم، أنه لم يُكمل موسم 2020-2021 مع النادي، إذ إنه ابتعد عن الفريق في آخر 4 مباريات، بسبب انعدام فرصه بالمنافسة على اللقب، لافتًا إلى أنه حاول نيل ورقة الاستغناء الصيف الماضي، غير أن النادي حرمه إياها.
وفي الموسم الأخير 2021-2022 بدأ خدمات النصيرات فصلًا جديدًا من المساومة –يتابع اللاعب-"عندما حاول التعاقد مع شقيقي إبراهيم –المنضم حديثًا للأهلي الفلسطيني- مقابل منحي ورقة الاستغناء، لكننا لم نصل إلى اتفاق نهائي".
وأشار لاعب خدمات رفح الجديد، إلى أنه غاب عن كل مباريات خدمات النصيرات في الدور الأول للموسم المنصرم، بسبب مشكلته مع إدارة النادي، قبل أن يشترط عليه رئيسه إياد كلاب، خوض الدور الثاني نظير 2000 دولار، بجانب نيله الورقة التي تمنحه "الحرية"، وفقًا لوصفه.
واستدرك: "لكني لم أحصل إلا على 400 دولار، كما أن رئيس النادي أعطاني ورقة الاستغناء القديمة التي لن تفيدني، خاصة أنني وقّعت عقدًا جديدًا يلغي التواريخ السابقة، غير أن المدرب حازم الحجار منحني بصيص أمل عندما وعدني بنيل ما أتمنى".
"كان الحجار صادقًا معي، فجلب لي ورقة الاستغناء خلال آخر مباراة للفريق في الدوري، لكن فرحتي لم تتم، بعدما رفض رئيس النادي أن يعطيني شيئًا من مستحقاتي المتراكمة إلا إذا لعبتُ في صفوف النصيرات موسمًا ثالثًا، وهذا ما رفضته"، يكمل اللاعب عقب تنهيدة مليئة بالحسرة.
سلوك اللاعبين
أما كلاب رئيس النادي، فرفض سماع قصة اللاعب جربوع والتعليق عليها، حتى أنه لم يقبل أن يذكر اسم ناديه "خدمات النصيرات" في أي جدال مع اللاعبين في غزة، معتبرًا سلوك بعضهم سببًا رئيسًا في عدم التزام الأندية معهم.
وأوضح أن الإدارة تعتمد على رأي الجهاز الفني والمشرف الرياضي بخصوص تحديد رواتب عناصر الفريق، لافتًا إلى أن بعض اللاعبين لا يلتزمون بالتدريبات بشكل منتظم، وآخرين يقدّمون مستويات متواضعة في المباريات، وعليه فإن الأندية من حقها أن تفعّل بند الخصومات بحقهم، وهو ما لا يتقبله كثيرون، وفقا لتأكيده.
وقال: "لا أحد يشعر بمعاناة إدارات الأندية (...)، نحن نحفر في الصخر ونحاول جلب الرعاة، لكن للأسف لا أحد يقدّر قيمة الرياضة، كما أن جائحة كورونا أثّرت سلبيًّا على الجميع، ومنعت الكثيرين تنفيذَ مخططاتهم".
وأضاف رئيس النادي: "المنح الرياضية التي نحصل عليها تكاد لا تكفي لسد جزء من مستحقات اللاعبين والأجهزة الفنية، وفي النهاية النادي مطالَبٌ بعدم التقصير مع أحد"، مستغربًا ممن يحمّل الأندية المسؤولية كاملة عن تنصُّلها من واجبها تجاه عناصر الفريق.
وشرح كلاب أن يوم التدريب الواحد يكلّف الإدارة (400-500) شيكل، كما أن المباراة الواحدة في الدوري قد تصل تكلفتها إلى 2500 شيكل تشمل نقل اللاعبين والجماهير والدعم اللوجستي، ومع ذلك لا يفهم أحد دور الإدارات الحقيقي.
وناشد رجال الأعمال والتجار بالتدخُّل لإنعاش خزائن الأندية، خاصة أن الملاعب الخاصة بها لم تعدّ مصدر تمويل لها، بسبب عزوف غالبية الشباب عن دفع المال مقابل ممارسة كرة قدم، والاكتفاء بلعبها بالمجان في الملاعب العامة.
سبب المشاكل
ومن الناحية القانونية، يرى محمد أبو دف نائب رئيس هيئة التحكيم –آنفة الذكر-، أن السبب الرئيسي في المشاكل بين الأندية ولاعبيها، هو التغافل عن توثيق العقود في مقر الاتحاد، لافتًا إلى أن التوثيق يمنحها صبغةً رسمية، ويعطي الشرعية لأي طرف في مقاضاة الآخر للحصول على حقه كاملًا، كما أن العقد الموثق يجعل الاتحاد يتحرك بأريحية لاسترداد حقوق الطرف المظلوم.
وكشف أبو دف عن مفاجأة من العيار الثقيل حين قال: إن بعض الأندية تتعمّد وضع ما أسماها "عبارات ملغومة" في العقود مع لاعبيها، للإيقاع بهم دون أن ينتبهوا لذلك، معتبرا ذلك الأمر "ظلمًا وافتراءً".
وضرب المستشار القانوني بعض الأمثلة على العبارات الملغومة؛ كوضع كلمة "موسمين" بدلًا من "موسم"، وأخرى تربط اللاعب بفترة أطول من المتفق عليه عبر التلاعب بالتاريخ، مستغلة أنه بحاجة للمال أو أنه قد ينشغل بعدِّها أثناء توقيع العقد".
وبخصوص القضايا التي تصل إلى المحاكم النظامية، أشار أبو دف إلى أنها تحتاج إلى وقت طويل لإثبات صحة أي عقد، وذلك في حال "طعن" أي طرف في صحته.
حل مناسب
وعلى غرار نصيحة أبو دف للاعبين بتوثيق عقودهم، ذكر وجدي جودة رئيس لجنة شؤون اللاعبين بالاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، أن المشاكل المتراكمة في هذا الملف دفعتهم لإصدار عقود رسمية معتمدة في الاتحاد بدءًا من الموسم الجديد؛ لضمان حق النادي واللاعبين، موضحًا أنها ستتضمن 3 نُسخ، واحدة للاعب وأخرى للنادي وثالثة الاتحاد.
وقال جودة: "ستكون صيغة العقود -وفق الآلية الجديدة- موحدة وأن الاختلاف قد يكون في بعض التفاصيل البسيطة الخاصة بين اللاعب والنادي كالمكافآت أو الخصومات على سبيل المثال".
وأضاف: "نحن نضمن حق أي لاعبٍ أو نادٍ يسلّمنا عقودًا رسمية، وأعد الجميع بعدم بتكرار مثل هذه المشاكل في الموسم الكروي الجديد"، موضحًا أن الاتحاد سيكفل حقوق اللاعبين المظلومين عبر استقطاعها من المنح التي ستدخل الحسابات البنكية للأندية.
وتابع: "أعتقد أن 70% من الأندية قد تُغلق أبوابها لولا المنح المالية، لأنها لا تملك اقتصادًا ثابتًا، وعليه فإن العقود الرسمية ستكون بوابة لتنظيم العمل بينها وبين اللاعبين".
صيغة العقود
ونظرًا لكثرة الخلافات بين الأندية ولاعبيها، دعا عبد السلام هنية الأمين العام المساعد للمجلس الأعلى للشباب والرياضة، الأندية إلى إعادة النظر في صياغة العقود، ووضع مبالغ للصفقات تتوازى مع حجم الرعايات والمنح التي تحصل عليها خلال الموسم الواحد.
وأشار هنية إلى أن الجميع يمرّ بظروف اقتصادية صعبة في السنوات الأخيرة، مطالبًا أن تكون "المكافآت" التي يحصل عليها اللاعبون واقعية، كون الدوري في غزة لا يزال تحت فئة "الهواة".
وبيّن أن توقيع اللاعب على مبلغ معقول والحصول عليه خلال الموسم أفضل من توقيعه عقدًا بمبالغ ضخمة تجعل الأندية لا تلتزم بسداده، وفقا لرأيه.
وختم حديثه بدعوة الأندية للوصول إلى حلول مناسبة لتخفيض إجمالي نفقاتها الموسمية؛ لمواصلة أنشطتها الرياضية في كافة البطولات المحلية.
