صورة كواليس الإنقلاب في تركيا ضد أردوغان.. تحقيق يكشف: مركز الإنقلاب بولاية بنسلفانيا الأميركية

1-1JPgPJXvRzdrac6tOXvm9Q

يمتلئ تاريخ الجمهورية التركية منذ تأسيسها مع إسقاط الدولة العثمانية عام 1923 بالتوترات المدنية العسكرية. فبعد إنشاء أتاتورك للجمهورية، ورغم إقرار الدستور التركي منع اشتغال العسكريين بالسياسة، احتفظ هذا الدستور بمادة غامضة تكلف الجيش بحماية علمانية الدولة. وهي المادة التي استخدمها الانقلابيون في الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات لفرض رؤاهم على الساسة المنتخبين. لكن المحاولة الانقلابية الأخيرة في 15 يوليو/ تموز 2016 كانت مختلفة بشكل جذري، ففيها أدار المدنيون العسكريين لتنفيذ الانقلاب.

في هذا التحقيق الموسّع الذي قام به الصحفيان يلدراي أوغور وجيرين كينار

والذي ترجمته هافينغتون بوست عربي رصد للأدلة والوثائق وحتى الصور والفيديو التي تكشف بجلاء عن دور حركة فتح الله غولن في محاولة الانقلاب التي لا تزال تبعاتها مستمرة في تركيا ويبدو أنها ستستمر لفترة طويلة قادمة.

جرت أحداث محاولة الانقلاب الفاشلة الأولى في تركيا، في الثاني والعشرين من فبراير/شباط عام 1962. ففي الانتخابات التي عُقدت بعد إعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس، فازت الأحزاب التي كانت امتداداً لحزبه، فازت بالأغلبية. أزعجت النتائج مجموعة كمالية متطرفة في الجيش، وحاول قائد الأكاديمية العسكرية طلعت أيديمير تنفيذ انقلاب عسكري. قُمع الانقلاب بصعوبة، وطُلب من أيديمير أن يستقيل ثم تم العفو عنه. ومع ذلك، حاول نفس الرجل القيام بانقلاب آخر، في 21 مايو/أيار 1963. دارت اشتباكات أمام البرلمان، وقصفت الطائرات الأكاديمية العسكرية، واستسلم الانقلابيون. هذه المرة، أُحضر الجنرال للمحكمة التي حكمت عليه بالإعدام. أثناء محاكمته هتف أيديمير "إذا أطلقتم سراحي اليوم، فسأنظم محاولة انقلاب أخرى".

بعد 53 سنة من ذلك التاريخ، وفي ليلة الخامس عشر من يوليو/تموز 2016، شهدت تركيا محاولة انقلاب أخرى.

دخلت ليلة الخامس عشر من يوليو تقويم الجمهورية التركية باعتبارها ليلة الانقلاب الأكثر دموية في البلاد، وأول انقلاب توقفه المقاومة الشعبية وصمود الجماهير.

فقد 246 شخصاً حياتهم أثناء مقاومتهم للانقلابيين، وجُرح أكثر من 2000 آخرين. فيما استمرت الفعاليات المؤيدة للديمقراطية لستة وعشرين يوماً في الميادين التركية.

وعلى الرغم مما فعلوه، لم يتمكن انقلابيو، 15 يوليو/تموز، من فعل ما كان الانقلابيون قبل 53 عاماً قادرين على القيام به. فحتى الجنرالات الكبار الذين انغمست أيديهم في الدماء لم يعترفوا بمشاركتهم في الانقلاب، واستمروا في إنكار تورطهم في المحاولة.

وهذا هو سبب عدم امتلاكنا أي معلومات عن دوافع وأهداف المتآمرين، في 15 يوليو/تموز، باستثناء الإعلان الذي قُرئ على التلفزيون الرسمي باسم مجلس "السلام في الوطن"، وبعض التسجيلات الصوتية الأخرى من تلك الليلة.

ومع ذلك، فقد ترك الانقلابيون مجموعةً كبيرة من الأدلة والبصمات أثناء فرارهم بعد هزيمة الانقلاب.

الأدلة التي تُركت في موقع الجريمة

عادل أوكسوز، يعمل كأستاذ مساعد في كلية الإلهيات بجامعة سقاريا الصغيرة، التي تبعد 150 كيلومتراً عن اسطنبول.

سافر أستاذ دراسات الأديان 109 مرات بين 2002 و2016، أي مرة واحدة كل 45 يوماً.

وفي الأشهر الخمسة والعشرين الماضية، سافر أوكسوز 12 مرة إلى الخارج، أي كل شهرين مرة. بدا جدول أعماله مجنوناً، فقد طار إلى نيويورك من إسطنبول، في 26 مايو/أيار 2015، وعاد في 18 يونيو/حزيران، وبعد ثمانية أيام توجه إلى جوهانسبرغ من إسطنبول، وظل هناك ثلاثة أيام ثم عاد. وفي 16 سبتمبر/أيلول، توجه إلى جنوب إفريقيا مرة أخرى، ومن هناك إلى الولايات المتحدة، وبعد 9 أيام عاد إلى تركيا. وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول 2015، توجَّه الرجل إلى الكويت، وإلى ألمانيا في 23 أكتوبر/تشرين الأول.

وفي عام 2016 طار أوكسوز كثيراً إلى الولايات المتحدة، ففي 17 مارس/آذار توجَّه إلى نيويورك لأربعة أيام فحسب. وفي 20 يونيو/حزيران توجه إلى مطار جي. إف. كينيدي مرة أخرى، لأربعة أيام أخرى ثم عاد.

لماذا؟ وكيف يمكن لهذا الأكاديمي، والذي لم تكن له أي أبحاث أخرى بعد أطروحته للدكتوراه، وتعيش عائلته بأكملها في تركيا، وراتبه لا يتعدى 1500 دولار، أن يسافر إلى الولايات المتحدة بهذا المعدل؟ الإجابة عن هذا السؤال في هذا الفيديو والصور.

صورة: عادل أوكسوز ( يرتدي بزة سوداء) في التسعينات عندما كان فتح الله غولن في تركيا.

صورة: عادل أوكسوز في واحدة من زياراته لفتح الله غولن في بنسلفانيا.

كان عادل أوكسوز البالغ من العمر 50 عاماً واحداً من أقرب المقربين إلى فتح الله غولن، الذي يعيش في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية.

في 11 يوليو/تموز 2016، غادر أوكسوز على رحلة الخطوط التركية رقم TK003، على مقعد رقم 4G بدرجة رجال الأعمال، إلى نيويورك. وبعد رحلة طويلة استغرقت 11 ساعة بقي ليومين وعاد إلى تركيا في 13 يوليو/تموز 2016.

أي قبل يومين فقط من محاولة انقلاب 15 يوليو/تموز.

وفي صباح يوم 16 يوليو/تموز، وبعد مواجهة الانقلاب، تم القبض على عادل أوكسوز بصحبة الجنود الانقلابيين الذين كانوا يحاولون الفرار من قاعدة أكينجيلار الجوية، التي كانت مقر قيادة الانقلابيين في أنقرة.

صورة: عادل أوكسوز اعتُقل مع عدد آخر من الانقلابيين في قاعدة آكينجي الجوية، مقر قيادة الانقلابيين، صباح يوم 16 يوليو.

قال أوكسوز أثناء استجوابه، إنه ذهب إلى الضواحي المحيطة بالقاعدة العسكرية، التي تبعد كثيراً عن المدينة "للبحث عن قطعة أرض زراعية للشراء".

ووفقاً للتسجيلات التي تم الكشف عنها لاحقاً أثناء احتجاز أوكسوز، فقد ذهب الأخير إلى المرحاض، وبعد ذلك بقليل، دخل أحد أفراد قوات الجيش نفس دورة المياه التي استخدمها أوكسوز. وأثناء محاولة الجندي الحصول على منديل ورقي، أدرك وجود جهاز ما داخل علبة المناديل، وهو ما أبلغ به رؤساءه فوراً.

لاحقاً، عندما سُئل عادل أوكسوز عما إذا كان هذا الجهاز له، أجاب الرجل "نعم، إنه لي، لا بد أنه سقط في الحمام"، لكن ضابط الجيش قال له "أنت لم تسقطه، لقد خبأته"، وعندما سأل الضباط عن هذا الجهاز، لم يعرف أحدهم، لكن بحثاً سريعاً على شبكة الإنترنت أخبرهم أنه جهاز تحديد مواقع GPS.

أستاذ جامعي يدرس الدين قُبض عليه في مقر قاعدة عسكرية بها قيادة الانقلاب وبحوزته جهاز GPS!

لكن عندما ظهر أوكسوز أمام المدعي العام والمحكمة، كانت كل هذه الأدلة قد "فُقدت" بواسطة يد خفية. ساق المدعي العام شبهاته في وجود رجل مدني بالقرب من القاعدة العسكرية، لكن القاضي الذي لم يكن لديه أي دليل ملموس على إدانة أوكسوز، أطلق سراحه، واختفى الرجل دون أثر فوراً. ومنذ ذلك الحين، تحاول كل من الشرطة والجيش إلقاء القبض عليه والبحث عنه في كل مكان.

كمال باطماز، كان في المقعد رقم 27H بالدرجة السياحية على نفس الرحلة التي طار على متنها أوكسوز إلى الولايات المتحدة في 11 يوليو.

وكمال باطماز هو أحد كبار المديرين التنفيذيين لشركة كايناك القابضة.

تأسست كايناك القابضة عام 1979، كواجهة للعمليات التجارية لحركة فتح الله غولن. وكان رئيسها الأخير ناجي طوسون بصحبه فتح الله غولن، واعتُقل معه عندما تم احتجازه عام 1986. كان الرجل أيضاً إدارياً بصحيفة زمان التابعة لغولن، باختصار: إنه شخصية بارزة في المنظمة.

وفي 2012، كان كمال باطماز مديراً لكايناك ميديا، وهي وكالة الإعلان التابعة لكايناك القابضة.

صورة: كمال باطماز (يرتدي سترة صفراء ونظارات) في أحد الإعلانات الدعائية لشركة كايناك ميديا

نرى باطماز في الإعلان الدعائي الذي تم تصويره في مكتب الوكالة، وسيظهر اسمه مرة أخرى في أحد المؤتمرات التي نظمها، الذي حصل على تغطية كبيرة في وسائل الإعلام.

في 2015، أسس باطماز شركة عقارات اسمها ماتريس بشراكة مع مدير كبير بشركة كوتش القابضة.

لم تكن الرحلة المشتركة للولايات المتحدة هي الأولى بالنسبة لعادل أوكسوز وكمال باطماز. ففي 18 أكتوبر/تشرين الأول 2009 سافر عادل أوكسوز إلى نيويورك، وبعد يومين فقط لحقه باطماز. عاد باطماز في الثاني والعشرين من نفس الشهر، فيما عاد أوكسوز في الثالث والعشرين. وفي 16 مايو/أيار 2010 سافر كل منهما وعادا يوم 25.

وفي 13 يوليو/تموز 2016 عاد كمال باطماز وعادل أوكسوز إلى تركيا من الولايات المتحدة معاً على متن طائرة الخطوط التركية TK002. وعندما هبطت الطائرة في مطار أتاتورك، رصدت كاميرات الأمن الرجلين يسيران جنباً إلى جنب حتى وصولهما إلى سيارتيهما.

صورة: عاد عادل أوكسوز وكمال باطماز إلى تركيا من الولايات المتحدة يوم 13 يوليو

صورة: عادل أوكسوز وكمال باطماز عقب هبوط طائرتهما في مطار أتاتورك يوم 13 يوليو، قبل الانقلاب بيومين اثنين

وفي شهادته بشأن هذه الصور، قال باطماز "احتجت أن أقوم ببعض العمليات المتعلقة ببطاقة الخطوط التركية خاصتي. وربما مررنا بجوار بعضنا، لكنها كانت محض صدفة".

لكن الصدفة لم تنته عند هذا الحد. فقد اعتُقل كمال باطماز مثله مثل عادل أوكسوز بالقرب من قاعدة آكينجي الجوية، بالقرب من أنقرة، صباح يوم 16 يوليو/تموز، وبالصدفة أيضاً قال باطماز إنه كان "يبحث عن أرضٍ زراعية للشراء"!

مدني لا يحمل أي صفة رسمية، يعمل في الدعاية والإعلان، ولم يخطُ بقدمه في أي منصب رسمي يتحرك في ممرات قاعدة أكينجي الجوية التي تضم أسطول طائرات إف 16. ما الذي جاء به إلى هذا المكان ليلة الانقلاب؟ هذا ما عرفناه لاحقاً!

صورة: كمال باطماز يسير في ممرات القاعدة الجوية

صورة: الضابط بجوار كمال باطماز هو قائد القاعدة، العميد هاكان إيفريم.

وفي الصور التي يظهرها الفيديو الذي رصدته كاميرات المراقبة، يسير الرجل في الممرات ويتحدث للجنود الذين يحيونه، ويدخل ويخرج من الغرفة التي يبدو أنه على معرفة جيدة بها.

لكنه لم يكن المدني الوحيد الذي يسير في ردهات القاعدة الجوية في تلك الليلة. ففي ليلة الانقلاب، رصدت الكاميرات مدنياً آخر يسير بين الممرات إلى مقر الوحدة 143.

صورة: هارون بينيش، الرجل ذو الشعر الطويل، يتحرك بسرعة في ممرات القاعدة الجوية لوحدة طائرات الإف 16 رقم 143.

اسمه هارون بينيش، وهو خريج كلية الهندسة الكهربائية بجامعة بيلكينت، إحدى أرقى الجامعات التركية. وفي 2001، قدم الرجل محاضرة بعنوان "قصة نجاح: المعمل الجنائي" في قمة اللوتس الخامسة، التي حضرها بصفته مدير الشبكات بشركة سورات لتكنولوجيا الكمبيوتر.

وشركة سورات، التي تم تغيير اسمها لاحقاً إلى شركة سورات للمعلومات، هي شركة تابعة لكايناك القابضة، التي يديرها أتباع فتح الله غولن.

وبين عامي 2010 و2013 عمل بينيش في إدارة الاتصالات، وهو مركز نشاط المراقبة الجنائية في تركيا. ونشرت صحف تركية أخباراً عنه مؤخراً، قدمته بصفته المهندس الذي أنشأ البنية التحتية لمنظمة غولن، التي مكنتها من التنصت على نطاق واسع. وكان الرجل متهماً في قضية رُفعت ضده في تحقيقات عام 2014 بعد الكشف عن نشاط التنصت غير المشروع في منظمة غولن، وشهد أمام المحكمة.

كان العمل الأخير الذي شغله بينيش في شركة تقنية أخرى بتخصص في تكنولوجيا الدفاع، بمقر جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة. وبفضل الصدفة -أيضاً- اعتُقل بينيش على بُعد أميال من قاعدة أكينجي الجوية مع كمال باطماز وعادل أوكسوز، وأخبر المحققين أنه كان هناك للبحث عن "قطعة أرض للشراء".

وخلافاً لعادل أوكسوز، الذي تمكَّن من الهرب، تم القبض على كمال باطماز وهارون بينيش، وهما الآن قيد الاحتجاز.

موظفون آخرون في شركة كايناك القابضة كانوا يعملون في هذه الليلة أيضاً.

هارون شاهين، وهو المدير العام السابق لشركة سورات، كان قد أشرف على تركيب أنظمة كاميرات المراقبة في شوارع إسطنبول.

صورة: هارون شاهين

نيازي آكالين كان مهندس أنظمة في شركة سورات أيضًا.

صورة: نيازي آكالين

سيف الله جينتش، كان رئيساً لشركة سوبركم إنفورماتيكس، وهي شركة تقنية يملكها هارون شاهين. وأثناء الانقلاب، كان يعمل مدير تقنيات المعلومات في واحدة من أكبر شركات الإسمنت التركية

صورة: سيف الله حينتش

كانت مهمتهم جميعاً أثناء ليلة الانقلاب تتمحور حول مساعدة الانقلابيين في الاستيلاء على شبكات بث قنوات تي آر تي TRT الإذاعية والتلفزيونية، ومنصة البث الرقمي ديجي ترك Digiturk. التُقطت صورهم بواسطة كاميرات المراقبة، صباح يوم 16 يوليو/تموز، أثناء محاولتهم الفرار قفزاً على سور مبنى TRT.

صورة: موظفو شركات فتح الله غولن يهربون من مبنى تي آر تي الصباح التالي للانقلاب.

سيطر الانقلابيون على مقرات TRT، وأجبروا مذيعة التلفزيون الرسمي على قراءة إعلان الانقلاب على الهواء مباشرة.

كان الانقلابيون في TRT يسيرون بصحبة المهندسين الذين كانوا مدنيين بطبيعة الحال. مهندس الكمبيوتر أونور ديميرجان كان أحدهم. متخرجاً في قسم هندسة الكمبيوتر في جامعة الشرق الأوسط التقنية، التي لا تستقبل إلا الطلاب ذوي أعلى المعدلات في تركيا، أكمل ديميرجان دراساته العليا في نفس الجامعة. وفي وقت الانقلاب، كان الرجل يعمل في شركة هافيلسان، التي تقدم خدماتها للقوات المسلحة التركية في مجالات الدفاع والطيران.

وفي ليلة الانقلاب، كان ديميرجان يسير بصحبة الانقلابيين في مبنى TRT بأنقرة مع عدد آخر من المدنيين الذين لم نتمكن من معرفة هوياتهم.

صورة: أونور ديميرجان (يرتدي تيشيرت أخضر) في مبنى TRT ليلة الانقلاب

ظهر لاحقاً أن ديميرجان كان قد سجل إجازته السنوية بين يومي 15 و29 يوليو/تموز، لكن بعد الكشف عن محتوى كاميرات المراقبة، اختفى فوراً وأرسل استقالته لمديره عبر البريد الإلكتروني.

كان هناك أيضاً بعض رجال الشرطة الذين تم فصلهم في 2014، بسبب ارتباطهم بجماعة غولن، وظهروا من العدم في تلك الليلة. أحدهم كان وجهاً مألوفاً أثناء احتجاجات غيزي بارك.

أثناء مظاهرات غيزي بارك، كان مدحت آيناجي مساعد مدير الشرطة في الوحدة المسؤولة عن مواجهة وتفريق المتظاهرين. وكان لآيناجي دور كبير في استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، واستخدام الغاز المسيل، والاعتقالات العشوائية أثناء تلك المظاهرات.

صورة: مدحت آيناجي قاد قوات الشرطة التي تدخلت لتفريق مظاهرات غيزي بارك.

وفي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2014، فُصل آيناجي من قوات الشرطة على خلفية انتمائه لجماعة غولن. لاحقاً، عاد إلى منصبه بقوة المحكمة، لكن لم يتم تكليفه بأي مهام.

في ليلة الانقلاب، أخرجت الجماهير رجلاً بزي عسكري من واحدة من الدبابات التي أحضرها الانقلابيون للسيطرة على مقرات شرطة إسطنبول الرئيسية. لم يكن الرجل إلا مدحت آيناجي. عاد الشرطي مع الانقلابيين إلى مقر عمله الذي فُصل منه في السابق.

صورة: تم إخراج مدحت آيناجي من إحدى الدبابات التي تم إحضارها للسيطرة على مقر شرطة إسطنبول.

كانت مدرسة آنافارتالار الخاصة في أنقرة معروفة بأنها مؤسسة تعليمية علمانية وكمالية صارمة. وحظي أبناء العسكريين بتخفيضات كبيرة على رسوم الانضمام للمدرسة.

تم القبض على مالك المدرسة، هاكان تشيتشك في قاعدة آكينجي ليلة الانقلاب. وبعد مواجهته قال إنه "جاء لزيارة والد أحد طلاب مدرسته، الذي يعمل مسؤولاً في الجيش".

تم لاحقاً الكشف عن أن مدرسة آنافارتالار قد تأسست من أجل أبناء العسكريين المنتمين إلى منظمة غولن، وتم إغلاقها بعد محاولة الانقلاب. ج. تشيتشك، شقيق هاكان، الذي كان رائداً في القوات الجوية كان يعمل كطيار صيانة لطائرات الهليكوبتر، واعتُقل أيضاً على خلفية اتهامات تتعلق بالانقلاب.

أثناء التحقيق معه، قال الادعاء إن هاكان تشيتشك سافر إلى الولايات المتحدة في يناير ومارس ويونيو 2016، في نفس التواريخ التي سافر فيها كل من عادل أوكسوز وكمال باطماز. لكن تشيتشك قال في معرض دفاعه عن نفسه، إن ذلك كان محض مصادفة، وادعى أنه "سافر إلى الولايات المتحدة من أجل عمله الشخصي".

صورة: هاكان تشيتشك (يرتدي رابطة عنق قرمزية) في مدرسته بصحبة الجنرال آكين أوزتورك، قائد القوات الجوية الذي اعتُقل بسبب اشتراكه في الانقلاب.

كان حساب Analizi Harbi (تحليلات حربية) حساباً معروفاً على موقع تويتر، يتابعه أكثر من 40 ألف شخص. شارك الحساب معلومات تقنية وعسكرية وتحليلات تتعلق بالمواجهات مع حزب العمال الكردستاني أو الحرب السورية، كما تعددت انتقاداته للحكومة.

تضمنت التغريدات من هذا الحساب تغريدات من قبيل شكر المدعي العام الأميركي الذي اعتقل رضا ضراب، رجل الأعمال الذي كان في قلب تحقيقات أحداث 17 ديسمبر/كانون الأول 2013.

لاحقاً خلال هذا اليوم، وبعدما بدأ تنفيذ الانقلاب، كتب صاحب الحساب رداً على أحد متابعيه قائلاً "عزيزي، لقد تم تعييني مسؤولاً عن القانون العسكري. تعال إلى ملعبي إذا كنت تريد المشاكل"

صورة: بعد الإعلان عن الانقلاب

كان العقيد عمر كولاتش قد تم تعيينه مؤخراً مسؤولاً عن القانون العسكري في منطقة نيفشهير وكيرشهير، واعتُقل بعد فشل الانقلاب عقب تبادل إطلاق نار مع الشرطة.

صورة: العقيد عمر كولاتش، أثناء اعتقاله صباح اليوم التالي للانقلاب

علمنا لاحقاً أن العقيد كان مالك حساب تحليلات حربية على موقع تويتر.

الأخ الأكبر للعقيد، حسن كولاتش، كان أدميرالاً بحرياً ورئيس وحدة الإمدادات البحرية، وكذلك كان من بين المعتقلين ليلة الانقلاب في قاعدة آكينجي الجوية. كما تم القبض على شقيقهما الثالث حسين كولاتش، وهو عضو المحكمة العليا بتهم تتعلق بالانقلاب. ومن المثير للاهتمام أن شقيق زوجة حسن كولاك، جيهان كانسيز، كان أحد المدعين في قضية أرغينيكون سيئة السمعة. استطاع هذا الأخير الهرب إلى بلجيكا قبل إصدار أمر بإلقاء القبض عليه بتهمة تتعلق بسوء السلوك في التحقيقات.

إن حالة الإخوة كولاتش هي مثال مناسب لتوضيح كيف يتم تنظيم أتباع فتح الله غولن في مؤسسات الدولة ووضعهم في مؤسسات الدولة الأكثر أهمية. وتساعد أيضا على تفسير سبب حملة التطهير التي طالت الموظفين المدنيين بجانب أفراد الجيش المنتمين للمنظمة. وهناك حالات أخرى أيضاً.

من هم المدنيون الذين تم فصلهم بعد الانقلاب؟

كان كمال إيشيكلي موظفاً رفيع المستوى بخبرة تصل إلى 15 عاماً في هيئة التنظيم والرقابة المصرفية بأنقرة. كما كان خبيراً في قسم إدارة المخاطر.

ولكن كان لديه وظيفة أخرى بجانب مهنته. فقد كان "الأخ الأكبر" لقوات الضفادع البشرية. دعونا نقتبس من شهادته:

الرقيب مراد فرات، الذي عرفت أنه أحد أفراد الضفادع البشرية كان اسمه الحركي ميراج، والرقيب أوزغور دانيشان كان اسمه الحركي عمر، والرقيب حمدي تشيبلاك كان اسمه الحركي أونور، والرقيب فاتح كايا بالاسم الحركي حمزة، والرقيب موتلو فيريك بالاسم الحركي مراد، والرقيب عرفان آلتونتاش بالاسم الحركي إسماعيل، جميعهم اعتادوا زيارة مسكني الخاص. كنا نقرأ القرآن ونتجاذب أطراف الحديث غالباً عن الدين. لم نناقش السياسة أبداً. هؤلاء الناس، الذين كانوا جميعاً أعضاء في الجيش، لم يكونوا على صلة ولا معرفة ببعضهم البعض.

صورة: كمال إشيكلي

كان للخبير المصرفي أخ أكبر آخر، شيخ في مدارس إمام خطيب (وهي مدارس ثانوية تركز على التعليم الديني)، بالاسم الحركي جانكورت. لم يكن إيشكلي على علم بالاسم الحقيقي لجانكورت، لكنه كان يتلقى منه الأوامر والتعليمات.

أخبرني بأن أدعوهم وأن نلتقي جميعاً، وكان يعني بـ"هم"، جنود الضفادع البشرية. بعدها بدأت في الاتصال بهم واحداً تلو الآخر، وطلبت منهم أن يأتوا إلى منزلي للاجتماع، وطلبت من كل واحد أن يأتي في وقت مختلف عن الآخر، وبعد أن وصلوا جميعاً، وصل جانكورت، وقال لهم "هناك شخص اسمه كمال سيأتي لرؤيتكم، أريد منكم أن تفعلوا ما يقوله"، لاحقاً أجرينا محادثة ودية وبعدها غادر جانكورت والجنود.

وكانت هذه هي الطريقة التي علم بها الجنود، الذين كان كمال إيشيكلي أخاهم الأكبر، بالانقلاب الوشيك. كان هؤلاء أنفسهم هم نفس قوات الكوماندوز الخاصة الذين طاروا في ليلة الانقلاب إلى مارماريس لاعتقال أو اغتيال الرئيس رجب طيب أردوغان.

كان محترم تشول، موظفاً حكومياً يحمل دكتوراه في الذكاء الاصطناعي، وبدأ حياته المهنية كمهندس طيران في الجيش. ومنذ عام 2001، عمل تشول كنائب لرئيس هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، المسؤولة عن شبكات اتصالات الهاتف المحمول في تركيا. شارك الرجل في حضور العديد من المؤتمرات والاتفاقيات، واعتاد إجراء مقابلات في التلفزيون حول محطات الاتصال. وصدر أمر باعتقاله بُعيد الانقلاب، لكنه كان قد اختفى بالفعل.

صورة: محترم تشول

كان السبب وراء أمر الاعتقال واضحاً بعد شهادة الرائد حيدر حاجي باشالي أوغلو، الذي قال إن تشول كان الأخ الأكبر له في منظمة غولن.

لقد تم نقلي إلى أنقرة في 2010، وحينها التقيت بمحترم تشول، الذي كان اسمه الحركي تورغوت، والذي عمل في إدارة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. لقد كان هذا هو "الأخ الأكبر" لي لمدة خمس سنوات.

في مساء يوم 14 يوليو، وأثناء وجودنا في منزل محترم تشول، تم إخبارنا أننا سنقوم بعمل ضخم غداً بإشراف مباشر من فتح الله غولن، وسمعنا كلمات حماسية تلهب المشاعر، لقد تأثرت بشكل عميق.

كان لمصطفى كوتشيغيت مستقبل مهني مشرق، على الرغم من كونه صغير السن إلى حد ما. تخرج الشاب في قسم الإدارة العامة في كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة. ثم حصل على درجة الماجستير في السياسات العامة من جامعة ولاية ميتشيغن، وشارك في مشروع إعادة هيكلة السياسات العامة التركية في مكتب رئيس الوزراء، وواصل العمل في مكتب رئيس الوزراء كمسؤول في إدارة شؤون الموظفين.

صورة: كان لمصطفى كوتشيغيت وظيفة مرموقة ومستقبل مهني مشرق

لكن مصطفى كان لديه أيضاً وظيفة أخرى. دعونا نقرأ ما قاله في شهادته التي أدلى بها بعد القبض عليه عقب الانقلاب.

كلفني عضو المنظمة، واسمه الحركي سلمان، بالعمل والتعاون مع المهندسين في وحدة التكنولوجيا ومعالجة البيانات في مكتب رئيس الوزراء. عندما كان يتصل بي، كان يكلمني من هاتف عام، وكنا عادة ما نتقابل في الخارج. وبناء على تعليمات الأخ الأكبر سلمان، اتصلت بشخص يُدعى براق، الذي كان يعمل بمكتب رئيس الاستخبارات، وبدأت في تنفيذ التعليمات.

تواصلنا مع المهندسين عبر تطبيق باي لوك. كذلك استخدمنا تطبيقات أخرى مثل تانغو. طلبت من المهندسين إعطاءنا بيانات يمكنها أن تكون مفيدة. بدأ المهندسان هاشم وبراق في إحضار البيانات، كنا نلتقي في منازلهم أو بالخارج. وعادة ما كنت أجلب هذه البيانات لشخص يُدعى فرقان. وهذه هي الطريقة التي حصلنا بها على قائمة العشرين ألف شخص، المنضمين إلى الكيان الموازي، التي تم إرسالها إلى رئيس الاستخبارات بواسطة جهاز الاستخبارات الوطني.

وفي الخامس عشر من يوليو، تبادلت الرسائل مع أخ أكبر يُدعى صلاح الدين، وأخبرني "يجب على المهندسين أن يجدوا طريقة للبقاء في مكتب رئيس المخابرات ليلة الجمعة، وخلال عطلة نهاية الأسبوع، وهو ما قلته للمهندسين بالضبط.

عندما علمت بشأن الانقلاب، أرسلت للمهندسين وطلبت منهم أن يحموا وحدة معالجة المعلومات، وتصرفوا هم على هذا الأساس، وتم اعتقالهم لاحقاً بالقرب من مكتب رئيس الاستخبارات في منطقة يلدز. كان آخر تطبيق استخدمناه للرسائل هو تانغو. يؤسفني ما فعلت.

قام مصطفى كوتشيغيت، الذي كان موظفاً ممتازاً في مكتب رئيس الوزراء بتنظيم نقل البيانات منه إلى منظمة غولن، وشارك في الترتيبات التي أدت إلى الانقلاب. فعل الشاب كل هذا بتعليمات مباشرة من شيوخه في التنظيم.

يتواصل أعضاء المنظمة بطرق مختلفة وعبر تطبيقات متعددة، منها تطبيق باي لوك، وتطبيق إيغل، اللذان تم تصميمهما خصيصاً من قبل مهندسي المنظمة للاستخدام الحصري لأعضائها، ولا يمكن الولوج إليها إلا عن طريق كلمة سر.

وكان جهاز الاستخبارات الوطني قد تمكن من التعرف بسرعة على أسماء الأشخاص الذين سيتم فصلهم من مؤسسات الدولة والجيش، بعدما تم الكشف عن شبكات الاتصالات السرية والتطبيقات المشفرة، مثل باي لوك وإيغل قبل الانقلاب.

من المهم أيضاً أن نتذكر أنه لم يكن جميع أفراد المنظمة بهذا التكتم في الأيام التي سبقت الانقلاب. فبعض أعضاء المنظمة كانوا قد عرفوا بالانقلاب الوشيك، وحاولوا التلميح في تغريداتهم أو تصريحاتهم بذلك، ولم يكن من المستغرب أن أولئك الذين لم يتمكنوا من الاحتفاظ بالسر كانوا، في الحقيقة، صحفيين.

الصحفيون العرّافون .. كيف تنبأ صحفيو غولن بالانقلاب؟

كان عثمان أوزسوي أستاذاً للعلوم السياسية وعضواً بحركة غولن. أنتج أوزسوي وقدم برامج تلفزيونة على قنوات مثل سمانيولو وبوغون، وهي القنوات التي تديرها حركة غولن. وقبل شهر واحد من الانقلاب، وفي 15 يونيو/حزيران 2016، عندما ظهر في مقطع فيديو مباشر على الإنترنت على موقع تركي اسمه "زمن الحرية"، يصدر من الولايات المتحدة، قال:

أوزسوي: الأوقات الجيدة اقتربت. ليتني كنت عقيداً في الجيش، ليتني لم أكن أستاذاً جامعياً، ساعتها كنت سأقدم للبلاد أكثر وأكثر

المحاور: ما الذي تعنيه؟

أوزسوي: لقد قلت ما قلت وحسب، لا يمكنني أن أعلق أكثر، لو كنت قائداً عسكرياً اليوم لكان بإمكاني أن أخدم أكثر

كان تونجاي أوبتشين صحفياً آخر عمل لصالح صحيفة بوغون ومجلة أكسيون التي تنتمي لغولن، سافر للخارج قبيل الانقلاب، وقبل يومين فقط من الانقلاب كتب التغريدة التالية

"سيُقبض عليه في سريره، ليُشنق عند الفجر"

صورة: تونجاي أوبتشين

كذلك كان إمره أوسلو، مفتش الشرطة السابق، صحفي ومحلل تابع لغولن، كان مشهوراً بتنبؤاته. وبعد عدد من القضايا التي أثيرت ضده في 2014، صدر قرار باعتقاله، لكنه هرب من البلاد ولم يعد أبداً.

في سبتمبر 2015، كتب رداً على أحد متابعيه، الذي سأله عن موعد عودته لتركيا قائلاً "يوليو 2016 ..."

صورة: إمره أوسلو

وفي 14 مارس/آذار 2016، مازح إمره متابعيه طالباً منهم أن يجمعوا له نقوداً تكفي لشراء تذكرة من واشنطن إلى إسطنبول يوم 22 يوليو/تموز!

أما أحد أغرب "الصدف"، فقد كان الإعلان الذي تم بثه يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول 2015، عندما أُغلقت صحيفة زمان، الجريدة المملوكة لمنظمة غولن. كان الإعلان بعنوان "دوي الصمت". كان مشهد البداية يظهر منظراً رأسياً لمدينة، مع دوي صافرات الإنذار في الخلفية، ثم مشهد طفل يضحك. وبعد تسعة أشهر بالتمام، جرت محاولة الانقلاب.

رقصة الأربعين عامًا بين غولن والجيش

في محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها طلعت أيديمير، كان هناك إمام مشارك منذ البداية:

كنا متحمسين للغاية في الليلة الماضية. لقد سيطروا على محطة البث الإذاعي، ثم توليناها نحن. في البداية انتشرت الأخبار عن انقلاب، وبعدها أُعلن عن فشل الانقلاب، لاحقاً سمعنا الطائرات فوقنا. كان هدفهم أن يسحقونا تماماً. وبعدها استسلمنا...

كان اسم الإمام البالغ من العمر 22 عاماً: فتح الله غولن.

اعتُقل غولن مرة أثناء تأديته الخدمة العسكرية بسبب إشاراته السياسية في خطبه، كما اعتُقل لاحقاً بعد مذكرة الجيش عام 1971، وبعد الإفراج عنه بعفو، كان قد بدأ في أولى خطوات تأسيس منظمته عبر مراكز التعليم وسكن الطلاب التي أنشأها في إزمير.

كان اسم غولن أيضاً على لائحة المطلوبين للاعتقال بعد انقلاب سبتمبر/أيلول 1980، لكن بحلول ذلك الوقت كان قد بنى علاقات وثيقة بضباط كبار في الجيش، نبّهوه مبكراً بالانقلاب القادم.

كتب غولن لاحقاً في مديح انقلاب 1980، قائلاً في مجلة تابعة له قائلاً

... إننا نشكر الجندي الذي هبَّ لمساعدتنا عند حاجتنا إليه، في اللحظة التي فرغت فيها آمالنا، ونتمنى له كل التوفيق لإحداث التغيير الذي نأمل فيه بكل القوة الممكنة.

أما أول علاقة لمنظمة غولن بالجيش التركي فقد تم الكشف عنها قبل 30 عاماً، في 1986.

ففي الثامن والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 1986، أشار عنوان لصحيفة "نقطة" اليسارية إلى الحركة بالقول: "الجماعة الدينية التي اخترقت الجيش: أتباع فتح الله".

صورة: في 1986، تقرير مجلة نقطة اليسارية عن أتباع فتح الله غولن

يقول التقرير:

في التحقيق الذي تم إجراؤه في 3 مدارس عسكرية، تم العثور على 66 طالبًا لديهم صلات مع منظمة فتح الله، وتم فصلهم ... تخطط المنظمة للسيطرة على الجيش من خلال هؤلاء الطلاب. تجمع عدد من طلاب العسكرية في منزل في مدينة بورصة، مستمعين إلى "أخيهم الأكبر" يقول "تحملوا كل شيء حتى تصيروا ضباطًا. أدوا الصلاة بعيونكم، فقط وستكون تركيا في قبضتنا في الألفية الجديدة". كان لهؤلاء الطلاب في الرابعة عشرة إلى السادسة عشرة من العمر مهمة شاقة حقًا: اختراق القوات المسلحة التركية التي تُعد معقل العلمانية في البلاد

في 1992 كتب مدير وحدة الاستخبارات الأمنية أول تقرير لفت الانتباه إلى هيكلية منظمة غولن، التي تم بناؤها داخل الدولة. طبقاً لهذا التقرير، ففي ذلك الوقت كان أتباع غولن على صلة بما يقترب من نصف عدد طلاب مدرسة الشرطة في أنقرة، وأن طالباً جامعياً مدنياً هو رئيس التنظيم داخل أكاديمية الشرطة.

وفي 1994 نشرت صحيفة ميليت عن تحقيق جرى في قاعدة غولجوك البحرية وكلية الطب العسكرية بشأن الضباط المنتمين إلى منظمة غولن، وأن كثيراً من الضباط قد فُصلوا. أشار المقال أيضاً إلى أن فتح الله غولن التقى برئيسة الوزراء في ذلك الوقت، تانسو تشيلر، وطلب دعمه لمواجهة هذه التحقيقات.

تم الكشف عن تفاصيل المحادثة التي جرت بين غولن وتشيلر بعد سنوات من ذلك. ففي 2012، قال علاء الدين كايا، أحد رجال الأعمال والإعلاميين المقربين لغولن، في معرض شهادته أمام لجنة تحقيق شُكّلت لبحث الانقلابات التي حدثت في تركيا، إن غولن أخبر تشيلر في هذا اللقاء بأن هناك توتراً في الجيش، وأعطاها بعض الوثائق الرسمية التي أفزعت تشيلر

وفي نفس الشهادة قال كايا، إن غولن أرسل عام 1996 لرئيس الوزراء آنذاك، نجم الدين أربكان، تسجيلات صوتية للمجلس العسكري الأعلى، ليعلم أربكان بتحركات الجيش.

هذا كله يخبرنا كيف كانت قوة تنظيم غولن في الجيش قبل 20 أو 30 عاماً إلى الحد الذي يمكنه من تسجيل أهم اجتماعات القوات المسلحة التركية.

وجاء عام 1999، وفي 21 مارس/آذار، هاجمت قوات الأمن والجيش منزلين في إزمير. مَن تم القبض عليهم كانوا من الطلاب الجامعيين والشيوخ. بعد التحقيق مع الجميع، انتقلوا إلى مكتب المدعي العام في إزمير، ومن ثم تم إطلاق سراحهم. كان الطلاب جميعاً طلاباً عسكريين، بصحبة أئمتهم أو "إخوانهم الكبار"، وكلهم أعضاء في جماعة غولن.

بعد يوم واحد من تلك الحملة، وفي 22 مارس/آذار 1999، غادر فتح الله غولن تركيا إلى الولايات المتحدة بدعوى العلاج.

وبعد ثلاثة أشهر من سفره، وفي يوم 18 يونيو/حزيران 1999، نشرت قناة ATV جزءاً من إحدى محاضراته في 1986، التي كان فيها غولن واضحاً إلى أبعد حد.

سواء في الخدمة المدنية أو القضاء أو في أي مجال، وكما أخبرتكم سابقاً، وجود أصدقائنا هناك هو ضمان نجاح مهمتنا لتحقيق مستقبل إسلامي. لا يمكن النظر إلى وجود أصدقائنا في القضاء والوظائف المدنية والمؤسسة الخطيرة باعتباره وجوداً شخصياً، لكنه ضمان حقيقي لمستقبلنا في كل وحدة من هذه الوحدات. إنهم نبض وجودنا...

كان غولن يتحدث عن تغلغل الحركة في مؤسسات الدولة الدستورية وبنية الجمهورية التركية.

وبعد نشر هذه التسجيلات، سُجلت قضية ضد فتح الله غولن في محكمة أمن الدولة، وطالبت النيابة بالقبض عليه. وفي 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2001، ذهب غولن إلى المدعي بروس ريبيتو في مكتب المدعي الفيدرالي بمدينة نيوآرك، ليشهد بأن التسجيل مفبرك. أما عضو النيابة نصرت ديميرل الذي طالب باعتقال غولن فقد أُجبر على الاستقالة عام 2002 بعد تسريب أشرطة جنسية له. لكن الصدفة الحقيقية هي أن الصحفي علي كيرجا، الذي سرب تلك الأشرطة، استقال لاحقاً بعد تسريب أشرطة جنسية له هو الآخر. وفي 2003 تم تأجيل قضية غولن لخمس سنوات، وفي 2008 برأته المحكمة العليا بالإجماع.

مركز الانقلاب: 1857 طريق ماونت إيتون، 18353 سايلورسبرغ، بنسلفانيا

منذ الخامس عشر من يوليو، تمت إقالة 20088 مسؤولاً عسكرياً في الجيش التركي على خلفية مشاركتهم في الانقلاب وعضويتهم في حركة غولن. بلغ عدد الأشخاص الذين تم فصلهم من قوات الدرك (الجاندرمه) 12985 شخصاً. وتم تسريح قرابة 77000 موظف مدني، تم تحديدهم باعتبارهم أعضاء في الحركة استناداً إلى معايير مختلفة، من بينها استخدام تطبيق باي لوك Bylock.

كذلك ضمَّت قائمة المعتقلين أشخاصاً يقيمون في الخارج، ويتبوأون مناصب رفيعة، وما زال بعضهم هارباً.

كما تم استدعاء 149 من المسؤولين العسكريين الذين خدموا في الناتو في أوروبا والولايات المتحدة إلى تركيا. وبعض هؤلاء لم يعودوا إلى البلاد وما زالوا هاربين.

كذلك تم استدعاء العميد شينر توبوك، الذي كان قائد القوة الدولية للمساعدة الأمنية في أفغانستان. وجاهد بكر، قائد فرقة العمل التركية في أفغانستان، ولكنهم فروا جميعا إلى دبي، حيث أُلقي القبض عليهم في المطار وتسليمهم إلى تركيا.

أيضاً ظهر فيما بعد أن العقيد محمد تانجو بوشور، الذي عمل كقائد للحرس الرئاسي مع الرئيس السابق عبدالله غول، والحالي رجب طيب أردوغان، قد عاد من كوسوفو إلى أنقرة في 15 يوليو/تموز، ليساعد الانقلابيين الذين احتلوا مقر TRT في تلك الليلة.

أما أكثر ما يلفت النظر فهو أن قائد الحرس الرئاسي، فضلاً عن مساعدي الرئيس العسكريين الذين بدأوا خدمتهم في 2015، جميعهم تم اعتقالهم على خلفية تهم تتعلق بالانقلاب، مع العلم أنهم عملوا خلال السنوات الثلاث الأخيرة بجوار الرئيس الذي كان في حرب طاحنة ضد الكيان الموازي من حركة غولن.

صورة: جميع المساعدين العسكريين للرئيس أردوغان تم اعتقالهم بعد الانقلاب

تمكن مساعدو الرئيس من أتباع غولن من إخفاء ولاءاتهم الحقيقية، وتمكنوا من العمل في مناصب قريبة للغاية من أردوغان.

إن هذا النوع من المنظمات السرية، الذي نجمع أجزاء صورتها المتناثرة معاً من الأدلة والشهادات والاعترافات تبدو في النهاية كصورة قادمة من إحدى روايات دان براون.

لقد احتفظ الجنود الذين بايعوا منظمة غولن في سن الرابعة عشرة مع دخولهم للمدرسة العسكرية بولائهم، وبموقعهم تحت شيوخ مدنيين طوال حياتهم المهنية كضباط عسكريين. أما المبدأ الأساسي الذي اعتمد عليه هذا النوع من التنظيم، فكان مبدأ السرية، وكانوا أشبه ما يكونون بعنقود العنب. فكل جنديين أو ثلاثة يرأسهم شيخ مدني خارج الجيش، وليس جندياً آخر عضواً في المنظمة، ونتيجة لذلك، فلا أحد يعرف أي شيء عن أي شخص آخر خارج دائرة تعامله المباشرة.

لكن مَن هو أعلى أخ في ذلك الجيش من الإخوة الكبار؟

أجاب الجنرال خلوصي آكار، رئيس الأركان، الذي احتُجز خلال محاولة الانقلاب ونُقل إلى القاعدة الجوية في آكينجي، حيث قيادة الانقلاب، عن هذا السؤال في شهادته أمام مكتب المدعي العام:

"لقد صرخت فيهم: من تظن نفسك؟! من أنتم حقاً؟ أين هم قادة هذه القوات؟ أين وزراؤكم؟ لتخبرني الآن من أنتم؟!" ورداً على ذلك قال هاكان إفريم شيئاً مثل: "إذا رغبت في ذلك، أوصلتك الآن بزعيمنا فتح الله غولن". وبَّخته واعترضت قائلاً: لن أتحدث إلى أي شخص".

في تركيا العديد من القضايا التي يختلف حولها الناس، لكن شيئاً واحداً يتفق عليه الجميع: منظمة غولن تقف وراء محاولة انقلاب الخامس عشر من يوليو/تموز.

لم يتردد المتحدثون الرسميون باسم الأحزاب الأربعة الكبرى في قاعة البرلمان التي قصفتها طائرات الانقلابيين في القول بأن غولن يقف وراء الانقلاب. بل إن اسم اللجنة التي تشكلت بعد ذلك من الأحزاب الأربعة للتحقيق في الانقلاب، كان "لجنة التحقيق في محاولة منظمة فتح الله غولن الإرهابية للانقلاب في 15 يوليو/تموز 2016".

والغريب أنه على الرغم من الاتفاق حول مسؤولية منظمة غولن عن الانقلاب، إلا أن الإعلام الغربي وصناع القرار لا يزالون مترددين بشأن تصديق ذلك.

وبدلاً من الاهتمام بالأرواح التي أزهقت في محاولة الانقلاب الفاشلة، تهتم وسائل الإعلام تلك بضباط الجيش المحتجزين، وبمن تم فصلهم من أعمالهم. وعندما طلبت الدولة التركية تسليم غولن، ردَّ المسؤولون الأميركيون بأنهم يريدون "أدلة ملموسة".

بل واستضاف فتح الله غولن جميع الشبكات والصحف الدولية الكبرى في مزرعته بولاية بنسلفانيا، وأجرى المقابلات التي ادعى فيها أن منظمته التي يطلق عليها أتباعه لفظ "خدمة"، لم تكن لها أي علاقة بمحاولة الانقلاب، قائلاً إن الانقلاب بدا كأنه "فيلم من هوليوود"، في إشارة إلى أن الانقلاب كان عملية مصطنعة نفَّذتها الحكومة التركية.

صورة: الفيلا ذات المزرعة الضخمة التي يعيش فيها فتح الله غولن ويقود منها منظمته في سايلورسبرغ بولاية بنسلفانيا الأميركية منذ 1999

لكن الحقيقة تبقى، والآثار التي تركها أتباع غولن لا تزال هناك، والأدلة الملموسة يمكن للمرء العثور عليها بدون كثير جهد، وهي كفيلة بإقناع المرء أن حركة غولن تقف وراء الانقلاب.

كان عادل أوكسوز، وكمال باطماز اللذان اعتُقلا، يوم 15 يوليو/تموز، في قاعدة آكينجي الجوية يزوران الولايات المتحدة قبل الانقلاب مباشرة، وعادا للمشاركة في الانقلاب بعد أن قضيا يومين اثنين في الولايات المتحدة.

الآن يمكننا تخمين أي عنوان تواجدا فيه خلال اليومين: 1857 شارع ماونت إيتون. 18353 سايلورسبرغ، بنسلفانيا.

هذا هو مركز الانقلاب الحقيقي، الذي قتل منفذوه 248 شخصاً، وقصفوا أثناءه البرلمان التركي. وهذا هو قائده الذي تستضيفه الولايات المتحدة، حليفة تركيا منذ 65 سنة.

المصدر : هافينغتون بوست

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة