بالصوت والصورة..

جريمة إعدام المسعفين برفح.. شاهد آخر على الإبادة الجماعية لكل شيء في غزة

جريمة إعدام المسعفين برفح

تقرير / شهاب

في واحدة من أبشع جرائم الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، المستمرة منذ ثمانية عشر شهرًا، أظهر مقطع فيديو جديد يوثّق جريمة حرب وحشية تُضاف إلى السجل الإسرائيلي الأسود، للحظات إعدام متعمّدة ارتُكبت بحق الطواقم الطبية والإنسانية وفرق الدفاع المدني، الذين استُهدفوا بدم بارد أثناء أداء واجبهم الإنساني في إنقاذ الأرواح.

صورة مأساوية تحكي جريمة عمد وقتل وتطهير وإبادة جماعية ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق طاقمي الهلال الأحمر والدفاع المدني، حيث يظهر استباحة تامة لدماء الطواقم الإنسانية والطبية، ويؤكد أن الاحتلال لا يتورع عن قصف من يحملون الضمادات وليس البنادق، ومن يطفئون النيران ولا يُشعلونها.

هذه الجريمة المكتملة الأركان، التي تم التخطيط لها بسبق الإصرار والترصّد، أصبحت شاهدًا قويًا على إبادة جماعية ممنهجة لشعب أعزل، تُنفذها آلة حرب إسرائيلية لا تعرف رحمة ولا قانون، وسط صمت مطبق من المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية.

 

جريمة مكتملة الأركان..

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية قد نشرت مقطع فيديو حصلت عليه من هاتف أحد المسعفين الذين عُثر عليهم في مقبرة جماعية في رفح جنوبي غزة، ما يُفنّد الرواية الإسرائيلية حول المجزرة.

وأضافت الصحيفة الأمريكية أن الفيديو يُظهر بوضوح سيارات الإسعاف وشاحنة الإطفاء التي كان على متنها عناصر الإسعاف والدفاع المدني الأربعة عشر، مشيرة إلى أن مصابيح الطوارئ في المركبات كانت مشغّلة لحظة استهدافها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

وأوضحت "نيويورك تايمز" أنها حصلت على الفيديو من دبلوماسي كبير في الأمم المتحدة، وأنها تحققت من موقعه وتوقيته.

وأضافت الصحيفة أن صوت المسعف يُسمع في الفيديو، الذي جرى تداوله على نطاق واسع، وهو يردّد الشهادة أثناء إطلاق النار صوب رجال الإسعاف في المنطقة، حيث حاول في حينه المسعف مصوّر الفيديو الاحتماء.

 

ونقلت عن نبال فرسخ، المتحدثة باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، قولها إن المسعف الذي صوّر الفيديو كانت عليه آثار الإصابة برصاصة في رأسه.

ويُكذّب هذا المقطع رواية جيش الاحتلال التي نشرها في الحادي والثلاثين من مارس/آذار الماضي، وزعم فيها أنه لم يهاجم "مركبات إسعاف عشوائيًا، إنما رصد اقتراب عدة سيارات بصورة مشبوهة من قوات الجيش دون قيامها بتشغيل أضواء أو إشارات الطوارئ، ما دفع القوات لإطلاق النار صوبها"، وفق ادعائه.

وزعم الجيش أنه قضى في مهاجمته طواقم الدفاع المدني والهلال الأحمر على "أحد عناصر الجناح العسكري لحركة حماس، إضافة إلى ثمانية آخرين ينتمون للحركة الفلسطينية وللجهاد الإسلامي".

وبدوره، قال المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة إن "مقطع فيديو جديد يوثّق جريمة حرب وحشية، يُضاف إلى سجل الاحتلال الإسرائيلي الأسود، ويظهر لحظات إعدام متعمدة ارتكبها جيش الاحتلال بحق الطواقم الطبية والإنسانية وفرق الدفاع المدني، الذين استُهدفوا بدم بارد أثناء أداء واجبهم الإنساني في إنقاذ الأرواح".

وأضاف المكتب، في بيان صحفي، أن "مقطع الفيديو، الذي عُثر عليه في هاتف أحد المسعفين الفلسطينيين الذي وُجدت جثته في مقبرة جماعية إلى جانب أربعة عشر من زملائه، يكشف أن سيارات الإسعاف والدفاع المدني التي استُهدفت كانت تحمل علامات واضحة ومضيئة تشير إلى طبيعتها الإنسانية، وأن أضواء الطوارئ كانت مشغلة لحظة استهدافها. هذا يكذّب بشكل قاطع رواية الاحتلال الإسرائيلي التي زعمت زورًا أن المركبات 'اقتربت بطريقة مريبة' دون إشارات واضحة، ويُظهر الفيديو أكاذيب آلة الحرب الإسرائيلية".

وأوضح المكتب أن ما وثّقه الفيديو يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان، تم التخطيط لها بسبق الإصرار والترصّد. إنه يظهر استباحة تامة لدماء الطواقم الإنسانية والطبية، ويؤكد أن الاحتلال لا يتورع عن قصف من يحملون الضمادات وليس البنادق، ومن يطفئون النيران ولا يُشعلونها.

وأكد أن هذه الجريمة تمثل انتهاكًا صارخًا لكل المواثيق الدولية، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر استهداف الطواقم الطبية والإنسانية، وتوجب حمايتهم في جميع الظروف.

وحمل "المكتب الإعلامي" المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية مسؤولية السكوت عن هذه الجرائم المتكررة، التي لا يمكن وصفها إلا بأنها إبادة جماعية ممنهجة لشعب أعزل، تُنفذها آلة حرب إسرائيلية لا تعرف رحمة ولا قانون.

 

إبادة جماعية ممنهجة..

ومن جانبها، قالت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، إن ما كشفته صحيفة "نيويورك تايمز" من أدلة مصوّرة بشأن جريمة قتل المسعفين في رفح، جنوبي قطاع غزة، يدحض الرواية الإسرائيلية الرسمية، مشيرة إلى أن هذه الأدلة "تم إخفاؤها بشكل متعمد".

ووصفت المقرّرة الأممية ألبانيزي الأحداث الجارية بأنها "إبادة جماعية"، مؤكدة أن جيش الاحتلال الإسرائيلي ينفّذ عمليات قتل ممنهجة دون أي ضوابط تُذكر، وسط صمت دولي مريب.

واعتبرت ألبانيزي أن هذه الجريمة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق الأوسع للعدوان الإسرائيلي على غزة، مشددة على أن ما يجري هناك منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 يرتقي إلى "إبادة جماعية ممنهجة ضد الشعب الفلسطيني".

وأكدت أن عمليات قتل المسعفين وعمال الإغاثة "لم تحدث في فراغ"، مشيرة إلى أن جثث الضحايا ومركباتهم دُفنت عمدًا لإخفاء الأدلة، ما يُشير إلى خطة ممنهجة لاستهداف المدنيين.

ولفتت المقرّرة الأممية إلى أن إسرائيل حوّلت غزة إلى ساحة حرب مفتوحة على القانون الدولي، حيث قُتل خلال ستة عشر شهرًا مئات الصحفيين والعاملين في القطاع الصحي، دون قدرة المجتمع الدولي على إحصاء الضحايا أو محاسبة الجناة.

وردًا على مزاعم جيش الاحتلال، علقت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة: "لا يمكن تبرير قتل أشخاص لأن سياراتهم اقتربت من الجنود، خاصة وهي تحمل شارات إغاثة واضحة"، وأضافت أن العالم يشهد "سحقًا ممنهجًا" للحياة الفلسطينية، حيث تُستهدف الأرواح بذريعة الأمن، بينما تُدمّر البنى التحتية وتُفرض سياسة التجويع.

واعتبرت ألبانيزي أن سلوك إسرائيل لا يعكس فقط تجاهلًا صارخًا للقانون الدولي، بل يُظهر أن "هناك سياسة ممنهجة لإخفاء الأدلة ومنع المحاسبة"، مضيفة أن السكوت الدولي عن هذه الجرائم يشجّع على مزيد من الانتهاكات.

وحذرت ألبانيزي من أن استمرار الصمت الدولي سيدفع نحو "ثورة ضد الأنظمة التي تسحق الحريات"، مشيرة إلى تزايد الاحتجاجات العالمية ضد سياسات القمع، والتي تواجه بدورها حملات قمعية تُفاقم الأزمة الإنسانية والقانونية.

 

تهديد للقانون الدولي..

من جهته، قال المحامي فريد الأطرش إن هذه الأفعال تمثل "جرائم حرب" واضحة ومخالفة للقانون الدولي الإنساني، وبالأخص اتفاقيات جنيف.

وأكد الأطرش، في تصريح خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أن هذه الأفعال تندرج تحت بند التجريم في ميثاق روما المؤسس لنظام المحكمة الجنائية الدولية، حيث تُعتبر انتهاكات خطيرة للقوانين المعتمدة على النزاعات الدولية المسلحة.

وأوضح الأطرش أن "تعمد شن هجمات ضد موظفين أو منشآت أو وحدات طبية وأفراد يستخدمون الشعارات المميزة في تنفيذ مهام المساعدات الإنسانية، يُعد جريمة حرب وفقًا للقانون الدولي".

وأضاف أن مثل هذه الهجمات، التي تشمل استهداف المباني الطبية ووسائل النقل المعنية بتقديم المساعدات الإنسانية، محظورة بموجب اتفاقيات جنيف.

وتابع الأطرش أن هذه الانتهاكات تتطلب "توسيع نطاق الاتهام أمام المحكمة الجنائية الدولية لتشمل كل من يثبت ارتكابه لهذه الجرائم"، مشيرًا إلى ضرورة وجود "إرادة دولية حقيقية لوقف هذه الجرائم"، مثل القتل المتعمد بحق المدنيين، التي تُعد أيضًا جزءًا من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وأشار الأطرش إلى أن "غموض المساءلة والإفلات من العقاب يشكلان حصانة لقوة الاحتلال، مما يشجعها على ارتكاب المزيد من الجرائم دون محاسبة"، مؤكدًا أن "هذا يُعد مقدمة لانهيار سيادة القانون الدولي الإنساني".

وقال الأطرش: "غياب احترام قواعد القانون الدولي يُنذر بسيادة القوة والتعسف، ويشكل نسفًا للقيم الإنسانية التي ناضل العالم من أجلها".

وسلّطت الجريمة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في رفح أخيرًا، بحق طواقم الهلال الأحمر والدفاع المدني الفلسطيني، الضوء على الانتهاكات المستمرة التي يتعرض لها العاملون في المجال الإنساني في قطاع غزة.

وفي الثلاثين من مارس/آذار الماضي، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني انتشال جثامين أربعة عشر شهيدًا، من بينهم ثمانية مسعفين من طواقمها، وخمسة من طواقم الإنقاذ، وموظف يتبع لوكالة الأمم المتحدة، إثر فقدان آثارهم قبل ثمانية أيام بعد أن حاصرتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة