خاص / شهاب
في مشهد إنساني يفوق الوصف، لكنه يتكرر في غزة وحدها دون العالم، حين يتدفق عشرات المواطنين في قطاع غزة إلى مراكز التبرع بالدم، استجابة لنداءات بنك الدم الغزي التي تحثهم على التبرع بالدم لإنقاذ الجرحى والمصابين، يحملون قلوبهم النابضة بالعطاء، رغم الجوع الذي ينهش أجسادهم والحصار الذي يشتد يومًا بعد يوم.
جميعهم يدركون أنهم يعانون من نقص حاد في الغذاء والدواء، لكنهم لا يعانون من نقص في النخوة والكرامة والشجاعة، فيصرّون على التبرع بوحدات من دمائهم، لعلها تكون وسيلة لنجاة شخص آخر من الموت.
مفارقة مأساوية
ومع ازدياد وتيرة الإصابات الناجمة عن القصف العنيف، تزداد الحاجة إلى وحدات دم منقذة للحياة، في ظل تعنت سلطات الاحتلال التي تواصل، منذ مطلع مارس الماضي، إغلاق المعابر ومنع إدخال أي كميات من الدم أو المشتقات الطبية اللازمة.
وعلى الرغم من استجابة عديد من المواطنين لهذه النداءات، فإن الطواقم الطبية تواجه مفارقة مأساوية؛ حيث تُظهر الفحوصات الأولية أن جميع المتبرعين يعانون من فقر دم بدرجات متفاوتة، ناتج عن سوء التغذية المزمن الذي يضرب السكان منذ فرض الحصار الإسرائيلي الخانق، الأمر الذي يجعل سحب الدم منهم غير ممكن طبيًا، ويعني أن الكميات المتبرع بها لا تحقق الفائدة المرجوة في إنقاذ الأرواح.
على وجه السرعة، توجه أشرف أبو سيف "23 عامًا" مع مجموعة من أصدقائه للتبرع بالدم، بعد مشاهدتهم نداءات متواصلة من وزارة الصحة لإنقاذ المرضى. نجح أشرف وصديقه علاء بالتبرع بالدم بعد تخطيهم الفحص اللازم للتأكد من صلاحية تبرعهم، بينما لم يستطع ثلاثة من أصدقائه التبرع، نظرًا لإصابتهم بفقر الدم نتيجة المجاعة.
أحمد مقبل (20 عامًا) اكتشف بعد الفحوصات أن دمه لا يصلح للتبرع بسبب سوء التغذية، يقول لـ"شهاب": "لقد شعرت بالقهر الشديد كوني لم أستطع التبرع لإنقاذ الآخرين، وحاولت الضغط على الأطباء حتى يقوموا بسحب الدم، لكنهم رفضوا وبشدة، وأخبروني أنني بحاجة إلى العلاج بسبب ضعف دمي".
في حين قالت نورة أبو صهيبان "22 عامًا" إنها قصدت مركز التبرع بصحبة زميلاتها، وعند دخولها لإجراء الفحص الخاص باعتماد تبرعها، فتبين أنني مصابة بالأنيميا ولم أكن أعلم بذلك أصلًا. وتنوّه أنها شعرت بالخنق الشديد، كونها تبحث عن أي فرصة تمكنها من مساعدة أي شخص وسط الإبادة.
الدكتورة صوفيا زعرب، رئيسة بنك الدم في مجمع ناصر الطبي جنوب قطاع غزة، أوضحت أن الوضع الراهن يبعث على القلق الشديد، حيث بلغ النقص في وحدات الدم مستوى حرجاً، ما يهدد حياة مئات المرضى والجرحى الذين يحتاجون يومياً إلى عمليات نقل دم عاجلة.
قالت زعرب: "المخزون المتوافر حالياً لا يغطي الحد الأدنى من احتياجات غرف العمليات، ونحن مضطرون إلى اتخاذ قرارات صعبة بتأجيل بعض التدخلات الجراحية بسبب هذا العجز الخطير".
وأضافت: "نحن نواجه تحدياً مزدوجاً؛ فإلى جانب النقص الحاد في كميات الدم، يعاني غالبية المتبرعين من فقر دم شديد بسبب تدهور الحالة الغذائية العامة، وهو ما يضعف جدوى التبرعات ويعرقل جهودنا لتلبية الطلبات المتزايدة".
تدهور غذائي
وأكدت زعرب أن التحاليل الطبية أثبتت وجود انخفاض ملحوظ في نسبة الهيموغلوبين ومستوى الحديد في دماء المتبرعين، ما يعكس مدى التدهور الغذائي العام في القطاع.
وأشارت إلى أن استمرار الوضع الحالي دون تدخُّل دولي عاجل قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة بشكل يصعب السيطرة عليه.
وختمت حديثها بمناشدة عاجلة للمنظمات الإنسانية الدولية، داعيةً إياها إلى التدخل الفوري لتأمين وحدات الدم والمستلزمات الطبية الأساسية، وقالت: "كل دقيقة تمرّ دون توفير هذه الاحتياجات قد تعني وفاة مريض جديد كان يمكن إنقاذه".
من جانبها قالت وزارة الصحة فى تصريح صحفى سابق أن أرصدة المختبرات وبنوك الدم مستنزفة تمامًا، وما هو متوفر حاليًا لا يلبي متطلبات العمل، خاصة مع تزايد أعداد الجرحى.
وأوضحت الوزارة، أن استمرار إغلاق المعابر أمام الإمدادات الطبية والتجهيزات الخاصة بالمختبرات يزيد من تفاقم الأزمة، وأشارت إلى أن وحدات الدم تُعد عصب تقديم الخدمة الطبية.
وأفادت الوزارة، أن الحاجة الشهرية للمستشفيات في قطاع غزة تصل إلى 8000 وحدة، لتغطية احتياجات الجرحى ومرضى الدم و"الثلاسيميا".
ولفتت الوزارة إلى أنها تواجه تحديًا كبيرًا في تأمين وحدات الدم من المتبرعين، بسبب تدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع، حيث يعاني المواطنون من انعدام الأمن الغذائي والمائي والدوائي، ما يؤثر على قدرتهم على التبرع.
وفى ظل هذه المعطيات برزت معاناة مرضى التلاثيميا ، الذين يحتاجون للغذاء والعلاج مع الاستمرار بنقل وحدات الدم المستمرة على مدى الحياة ومع ازدياد شدة القصف وعدد الإصابات الكبير لا تستطيع المستشفى توفير الكميات الوفيرة والكافية للمرضى والإصابات.
وائل سمارة " 33 عاما " يوقل لـ"شهاب" انه يتردد منذ ثلاث سنوات مع طفلت الصغيرة المصابة بالتلاثيميا الى المستشفى كل اسبوعين تقريبا من اجل اضافة وحدات دم تمكنها من مواصلة حياتها على الشكل المطلوب .
ويتابع قبل الحرب كنا نجد هذه الوحدات فى بنوك الدم دون معاناة تذكر ، لكن مع بدء الحرب تعيرت المعايير فى ظل اذياد الطلب على وحدات الدم جراء الاصابات والامراض المهمولة فى مقابل انعدام التبرعات بسبب مشكلة سوء التغذية التى تضرب غزة بشكل متواصل منذ بدء الابادة .
ويواصل ابحث عن متبرعين لاصطحبابهم معى الى المستشتفي للحصول على وحدة دم لطفلتى ومن بين كل خمسة متبرعين هناك شخصا واحد فقط يمكنه التبرع اذا يصنف البقية بانهم بحاجة الى العلاج نتيجة سزوء التغذية وتردي صحتهم العامة .
من جهته، حذر الدكتور أحمد الفرا، مدير مستشفى التحرير داخل مجمع ناصر الطبي، من أن القطاع الصحي في غزة يمر بواحدة من أخطر مراحله في التاريخ الحديث، نتيجة الحصار المفروض والإغلاق الكلي الذي يمنع إدخال أي معدات طبية أو كميات دم من الخارج.
وقال الفرا :"لقد أصبحنا نعتمد كلياً على سكان القطاع لتوفير الدم، لكن معظم المتبرعين يعانون من فقر دم يجعل دمهم غير مناسب للاستخدام السريري. فحتى هذا المصدر المحلي لم يعد فعالاً".
وأوضح أن بنك الدم يعاني من عجز حاد يعرّض حياة المصابين للخطر، في وقت توقفت فيه تماماً كل المبادرات الإنسانية الدولية التي كانت تسهم في دعم القطاع الصحي وتوفير الاحتياجات الطارئة. وأضاف: "الحصار تسبب في شلل كامل لكل أركان النظام الصحي؛ ما دفعنا إلى اتخاذ قرارات مؤلمة بتقنين استخدام الدم في العمليات".
الوفاة فى دقائق
وأشار إلى أن غالبية الإصابات التي تصل إلى المستشفيات ناتجة عن قصف مباشر، وتؤدي إلى تمزقات شريانية، ونزيف حاد يتطلب وحدات دم فورية، محذراً من أن غياب الدم في مثل هذه الحالات يؤدي إلى الوفاة في دقائق.
وشدد الفرا على أن قطاع غزة دخل بالفعل مرحلة خطيرة من المجاعة وفق تصنيفات المنظمات الدولية، بسبب النقص التام في المواد الغذائية وتوقف النشاط الزراعي بفعل القصف، ما أدى إلى اختفاء الخضراوات من الأسواق وندرة المعلبات والمواد المحفوظة.
ولفت إلى أن نحو 600 ألف طفل يواجهون خطر الموت جوعاً، إضافة إلى أكثر من 2.3 مليون إنسان أصبحوا على شفا الانهيار الغذائي، مشيراً إلى أن الانعكاسات النفسية والصحية لهذه الكارثة قد تستمر عقوداً، حتى بعد توقف العدوان.
