بين الضغوط الداخلية والتوازنات استراتيجية .... هل تتوقف بريطانيا عن تصدير الأسلحة إلى إسرائيل؟

خاص / شهاب

يثير ملف صادرات الأسلحة البريطانية إلى إسرائيل جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والحقوقية، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى التزام حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر بتعهداتها القانونية والأخلاقية في ضوء الانتهاكات الموثقة للقانون الإنساني الدولي خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة.

ورغم اتخاذ الحكومة البريطانية عددًا من الإجراءات الرمزية، بما في ذلك تعليق عدد محدود من تراخيص التصدير، إلا أن المعطيات تكشف استمرار تدفق المعدات العسكرية البريطانية إلى إسرائيل، ما يلقي بظلال من الشك حول جدية لندن في مراجعة علاقتها الدفاعية مع تل أبيب.

تحولات في الخطاب

وبحسب التقارير المعلوماتية والصحفية أعلنت حكومة المملكة المتحدة تعليق 30 ترخيصًا لتصدير مواد عسكرية لإسرائيل، بعد تصاعد الانتقادات الدولية لطريقة إدارة الجيش الإسرائيلي للعمليات في غزة. وشملت التصريحات الرسمية، ولا سيما من وزير الخارجية ديفيد لامي، لهجة حادة غير مسبوقة، إذ وصف ما تقوم به إسرائيل بأنه "تطرف خطير"، مؤكدًا أن "توسيع العملية العسكرية لا يمكن تبريره أخلاقيًا".

كما علّقت لندن مفاوضات التجارة الحرة مع إسرائيل وفرضت عقوبات على أفراد وكيانات في الضفة الغربية متهمة بالتورط في أعمال عنف ضد الفلسطينيين. هذه الإجراءات لقيت ترحيبًا من بعض الأوساط، إلا أنها لم تلبِّ مطالب عشرات المظاهرات الحاشدة التي شهدتها لندن ومدن بريطانية أخرى، والتي طالبت بوقف كامل وفوري لتصدير الأسلحة.

وأوضح وزير الخارجية البريطاني دافيد لامي أن "توسيع إسرائيل العملية العسكرية لا يمكن تبريره أخلاقيا. هذه ليست طريقة لاستعادة الرهائن"، مضيفا "لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ممارسات إسرائيل في غزة".

وأكد الوزير في كلمة أمام مجلس النواب أن "أسلوب إدارة اسرائيل لحرب غزة يضر العلاقات الثنائية بين البلدين"، مشددا على أن "ما يحدث الآن (في غزة) هو تطرف خطير وندينه بأشد العبارات. حكومة نتنياهو تخطط لإجلاء الفلسطينيين من منازلهم، وعدم توفير إلا النذر اليسير من المساعدات لهم"، لافتا إلى أنه ليس هناك أي مخزون للأغذية والأدوية على الإطلاق في القطاع.

وأعلن وزير الخارجية البريطاني تعليق لندن مفاوضات التجارة الحرة مع إسرائيل بسبب الوضع في غزة. كما فرضت المملكة المتحدة عقوبات على عدد من الأفراد والكيانات في الضفة الغربية المحتلة، قالت إنهم مرتبطون بأعمال عنف ضد الفلسطينيين.

وزاد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر انتقاده لإسرائيل، مشيرا إلى أن مستوى معاناة الأطفال في غزة "لا يحتمل" مطلقا وجدد دعوته لوقف إطلاق النار، وقال أمام البرلمان: "أريد أن أسجل اليوم أننا مذعورون من التصعيد من جانب إسرائيل".

و تشير بيانات وزارة الأعمال والتجارة البريطانية إلى أنه في الفترة بين أكتوبر 2023 ومايو 2024، تم إصدار 42 ترخيصًا جديدًا لتصدير معدات عسكرية إلى إسرائيل، رغم الإعلان عن تعليق التراخيص في سبتمبر.

ورغم انخفاض صادرات الأسلحة من 55 مليون دولار عام 2022 إلى 24.2 مليون دولار عام 2023، إلا أن تحليلًا جديدًا أجرته صحيفة الغارديان و"المنظمة التقدمية الدولية" كشف عن شحن 14 دفعة عسكرية من المملكة المتحدة إلى إسرائيل بعد بدء الحرب، بينها شحنات ضمّت أكثر من 160 ألف قطعة عسكرية، بما في ذلك ذخائر، مكونات طائرات، ومركبات مدرعة.

كما تم تسجيل شحن 8630 قطعة من الذخائر الحربية من بريطانيا إلى إسرائيل منذ سبتمبر 2024، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى التزام الحكومة بقراراتها المعلنة.

برز اسم شركتي BAE Systems وRolls-Royce وقال مراقبون أن من بين أبرز المزودين لإسرائيل خلال الحرب، خاصة في ما يتعلق بمكونات تُستخدم في الدبابات القتالية "ميركافا 4 و5"، والتي شاركت في اقتحامات كبيرة جدا في قطاع غزة ابرزها اقتحامات المستشفيات منها  مستشفى الشفاء والمستشفى الإندونيسي وكمال عدوان وما يحدث الان ما إبادة وااسعة في رفح  ، وفق ما وثقته منظمات حقوقية

تبرير غير كاف.

رغم إعلان الحكومة أن هذه الصادرات ضرورية للأمن القومي وسلاسل التوريد الدولية، يرى مراقبون أن هذا التبرير غير كافٍ من الناحية القانونية أو الأخلاقية، خاصة في ظل تقارير الأمم المتحدة حول الاستخدام المحتمل لهذه المكونات في قصف مدنيين.

من جانبها وصفت النائبة عن حزب العمال، زارا سلطانة،  استمرار الصادرات بأنه "خيانة  لقيم حقوق الإنسان"، مؤكدة أن الحكومة "تكذب على البرلمان". من جهته، دعا وزير المالية السابق في حكومة الظل، جون ماكدونيل، إلى تحقيق برلماني شامل في الملف، معتبرًا أن الحكومة "ضللت البرلمان والشعب البريطاني بشأن حقيقة التورط في دعم آلة الحرب الإسرائيلية".

أصدر أكثر من 44 مسجدًا ومؤسسة إسلامية، من بينها مسجد شرق لندن، ومسجد برمنغهام المركزي، وفينسبري بارك، رسالة مفتوحة تطالب بوقف تام لتصدير الأسلحة، والاعتراف الرسمي بدولة فلسطين.

وأكدت الرسالة أن استمرار الدعم العسكري لإسرائيل يجعل بريطانيا "شريكة في ارتكاب الإبادة"، محذّرة من أن غضّ الطرف عن الانتهاكات في غزة يقوّض التزامات المملكة المتحدة بالقانون الدولي.

 ن جانب يرى الدكتور ريتشارد نورتون تايلور، المحلل العسكري في "ذا غارديان"، أن بريطانيا تجد نفسها "عالقة بين ضغط أخلاقي محلي متصاعد والتزامات استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة والناتو"، موضحًا أن "الخطاب السياسي الجديد لا يزال بعيدًا عن تغيير جوهري في السياسة الدفاعية".

بدوره، يشير البروفيسور ديفيد ويرنر، المتخصص في القانون الدولي، إلى أن "استمرار تصدير الأسلحة في ظل استخدام محتمل لها في انتهاكات جسيمة قد يُعرض المملكة المتحدة للمساءلة القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية"، مؤكدًا أن "الامتثال للقانون الدولي الإنساني لا يمكن أن يكون انتقائيًا".

مجرد موقف

رغم اللهجة الجديدة من الحكومة البريطانية والضغوط الشعبية والمؤسسية المتزايدة، إلا أن الأرقام والوقائع الميدانية تشير إلى فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة ، مما يجعل السؤال المطروح حاليا في الافق القريب البعيد هل تتحوّل لندن إلى نموذج أوروبي في مقاطعة التوريد العسكري لإسرائيل؟ أم أن توازنات المصالح الاستراتيجية ستبقي الموقف البريطاني مجرد "تصريحات سياسية دون تطبيق فعلي"؟.

 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة