خاص / شهاب
رغم الأوضاع الميدانية الصعبة، لا تزال المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة متمرسة وقادرة على إظهار وتطوير قدرتها الفائقة على الصمود والمواجهة، وإيقاع خسائر متتالية في صفوف قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتكبيده أثمانًا باهظة على الصعيدين الميداني والمعنوي.
في واحدة من أكثر الحروب إبادة، ورغم الإمكانيات غير المتكافئة، تواجه المقاومة جيشًا نظاميًا ذا قوة مفرطة، معتمدة على حرب العصابات التي لا تحتكم إلى حقوق الإنسان أو المبادئ الدولية.
وتبرز تكتيكات المقاومة كعامل حاسم في إفشال مخططات الاحتلال وإرباك حساباته الميدانية.
إبداع ميداني
تؤكد التطورات الميدانية الأخيرة التي ينقلها القسام بين الفينة والأخرى، لا سيما في خان يونس، أن فصائل المقاومة الفلسطينية تتقن فن الكمائن النوعية، معتمدة على عنصر المباغتة والمفاجأة.
ففي منطقة قتال حضرية معقدة، ذات شوارع ضيقة وبنايات عالية وشبكة أنفاق متداخلة، يبرع المقاتلون الفلسطينيون في القتال، مستغلين معرفتهم الدقيقة بالتضاريس وقدرتهم على قراءة أساليب قتال العدو.
وقد تجلّى ذلك في الكمين الذي استهدف قوة نخبة إسرائيلية في خان يونس، حيث تم تفخيخ مبنى بدقة عالية، مما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين، في اعتراف إسرائيلي رسمي بالخسائر.
يشير الخبراء العسكريون إلى أن هذه الكمائن، التي تعتمد على معلومات استخباراتية دقيقة وتوزيع محكم للواجبات، تشكّل عقبة رئيسية أمام جيش الاحتلال في تحقيق أي تقدم ميداني.
فالمقاومة تظهر في مناطق كان الاحتلال يتوقع أنه قد سيطر عليها و"طهّرها"، لتنفذ عمليات نوعية تقلل من خسائرها وتزيد من خسائر القوات المتقدمة.
هذا الاستنزاف المستمر، لا سيما لقوات النخبة، يؤثر سلبًا على معنويات الجنود الإسرائيليين ويزيد من الضغط على قيادتهم التي تعاني من نقص كبير في القوة البشرية.
في المقابل، يعاني جيش الاحتلال الإسرائيلي من حالة من التخبط وغياب الأهداف الواضحة والخطط القابلة للتحقيق في غزة.
فبعد مرور ما يقرب من 20 شهرًا على المواجهة، يتضح أن الجيش لم يكن مستعدًا لحرب طويلة الأمد كهذه، مما أدى إلى استهلاك هائل للمعدات وتآكل في القدرات.
وقد اعترف قادة إسرائيليون كبار بأنهم أخطأوا في تقدير مدة الحملة العسكرية، وأن كل آلية لها عمر افتراضي، وأن الجيش يعاني من نقص في القوة البشرية.
سياسية متفاقمة
تواجه القيادة العسكرية الإسرائيلية اتهامات بدفع الجيش إلى "فخ" في غزة، وأن استمرار الحرب يهدف إلى بقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الحكم، رغم أن من يخوضون الحرب حاليًا هم أنفسهم الذين فشلوا في السابع من أكتوبر 2023.
هذه التحديات الميدانية والمعنوية تدفع جيش الاحتلال إلى إعادة حساباته بشأن التوغل في المناطق الحضرية، حيث أن فاتورة هذه الحرب باهظة على الجانبين.
وتظهر التقارير الصحفية المنشورة تصاعد الانقسامات الداخلية والضغوط السياسية على حكومة نتنياهو في إسرائيل.
ففي حين يعارض تيار واسع داخل المجتمع الإسرائيلي الحرب وتوسيع العمليات العسكرية في غزة، إلا أن الحكومة لا تستمع إلى هذه الأصوات.
ومع ذلك، فإن التأثير الأساسي يأتي من الجيش، الذي يبدو حاليًا في انسجام مع الحكومة.
ويرى محللون أن المخرج من المأزق الراهن يكمن إما في إبرام اتفاق مع المقاومة الفلسطينية أو إسقاط حكومة نتنياهو.
وقد أعلنت المعارضة الإسرائيلية، بما في ذلك أحزاب رئيسية، عزمها التقدم بمشاريع قوانين لحل الكنيست وإسقاط الحكومة.
كما هددت الأحزاب الدينية "الحريديم" بحل الكنيست بسبب تعثر إقرار قانون التجنيد الذي يعفيهم من الخدمة العسكرية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي الإسرائيلي.
رسائل القسام
في خضم هذه التطورات، تواصل المقاومة الفلسطينية التأكيد على صمودها وقدرتها على استنزاف الاحتلال.
وقد وجه الناطق باسم كتائب عز الدين القسام، أبو عبيدة، رسالة واضحة إلى جمهور العدو، مفادها أنه "ليس أمام جمهور العدو إلا إجبار قيادتهم على وقف حرب الإبادة أو التجهز لاستقبال المزيد من أبنائهم في توابيت".
هذه الرسالة تعكس الثقة بقدرة المقاومة على مواصلة المواجهة، وتؤكد أن الشعب الفلسطيني لن يرضخ للاحتلال، وأن النصر قادم لا محالة.
فيما نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قوله إن الحرب لن تكون بلا نهاية، وإنه سيعمل على تقصير مدتها، وذلك بعد تزايد خسائر جيش الاحتلال من الضباط والجنود في معارك قطاع غزة.
وكان زامير قد أجرى تقييمًا، ووافق على خطط المعركة في القيادة الجنوبية، وفق ما ذكر بيان للجيش، حيث أوضح البيان أن زامير اجتمع مع قائد القيادة الجنوبية، اللواء يانيف آسور، لتقييم القتال الدائر والموافقة على خطط العمليات لمواصلة القتال في القطاع.
وتأتي تصريحات زامير مع تصاعد خسائر جيش الاحتلال المتواصلة في معارك قطاع غزة، حيث قُتل له 4 جنود وأُصيب 17 آخرون - بعضهم بجروح خطيرة - خلال المعارك المتواصلة في قطاع غزة.
توعد وترقّب
في المقابل، توعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، الثلاثاء الماضي، بمواصلة الحرب حتى تحقيق جميع أهدافها، مكررًا تعهّده بـ"هزيمة حركة (المقاومة الإسلامية) حماس"، وتحرير جميع الأسرى الإسرائيليين، وضمان "ألا تُشكّل غزة تهديدًا لإسرائيل بعد الآن".
