ولاعة مفقودة.. شرارة تختصر وجع غزة

غزة – محمد هنية
لم تعد مسألة إشعال النار مسألة بديهية في قطاع غزة، بل تحولت إلى معاناة يومية تكشف عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان، بعد نحو من عشرين شهرًا على العدوان الإسرائيلي الشامل. في ظل غياب الوقود وانقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار أبسط أدوات الحياة، بات امتلاك قدّاحة نار، وإن كانت متهالكة، حلمًا صعب المنال لكثير من العائلات.

بين الأنقاض: نار العدس لا تشتعل


أبو أحمد الزعلان (55 عامًا) يجلس في خيمته على شاطئ بحر دير البلح،  تحيط به أطلال الذكريات، ويحاول عبثًا إشعال النار لزوجته لطهو القليل من العدس لأطفالهم، قدّاحته القديمة تعطلت منذ أسابيع. لم يعد لديه المال لإصلاحها أو شراء واحدة جديدة. ولأن الغاز مفقود والكهرباء مقطوعة، يلجأ إلى بدائية مخيفة: يطرق حجرًا بمسمار حديدي لتوليد شرارة تشعل ورق كرتون.
يقول: "لم أعد أستطيع إشعال النار، لا غاز، لا كهرباء، لا طعام، لا ماء… حتى إشعال الحطب بات معضلة، رضينا في توليع النار والنار ما رضيت فينا".
ثم يصمت لحظة، ويضيف بصوت متكسر: "الاحتلال لا يقتلنا فقط بالصواريخ، بل يقتلنا كل يوم بالحاجة. يسرق منا تفاصيل الحياة الصغيرة... النار، والخبز، والضحكة".

قدّاحة بـ70 شيقلًا... والفقر يبتلع الناس


قبل حرب الإبادة، كان سعر القداحة لا يتجاوز نصف شيقل. اليوم، إن وُجدت، تباع بسعر يصل إلى 70 شيقلًا (20 دولارًا) في اقتصاد منهار، ووضع معيشي يائس، بينما يُكلف إصلاح قدّاحة قديمة يكلف ما بين 15 إلى 20 شيقلًا، وهو مبلغ يعجز عنه كثيرون، في وقتٍ فقد فيه معظم سكان القطاع مصادر دخلهم.

أم السيدة أم محمد أبو شمالة نازحة من خانيونس في خيمة بدير البلح، تروي كيف احترقت قداحتها الوحيدة، فاضطرت إلى استعارة جمر مشتعل من الجيران لطهي الطعام. تقول: "لم أفاصل حين اشتريت قدّاحة مستعملة من قريبي بـ35 شيقلًا. هذه ليست رفاهية، بل وسيلة حياة".

ولاعة... بوابة إلى مأساة أوسع


ليست أزمة فقدان القداحات سوى وجه آخر لانهيار كامل تعانيه غزة، في ظل حصار إسرائيلي يستهدف كل ما هو أساسي وبديهي: من الوقود والماء إلى الطعام والدواء. وتمنع سلطات الاحتلال منذ شهور إدخال غاز الطهي ومشتقاته، ما أجبر السكان على الاعتماد على الحطب، في ظروف بيئية وصحية شديدة القسوة.
ويؤكد حقوقيون أن منع دخول القداحات، وإن بدا تفصيلاً صغيرًا، يكشف سياسة ممنهجة تسعى إلى تفكيك الحياة اليومية وتجريد الإنسان من كرامته، وتحويل البقاء إلى صراع يومي على أدوات النجاة الأولية.

أطفال بلا طعام... ومخيمات أُغلقت أبوابها


المشهد يزداد قتامة مع تراجع المساعدات الإنسانية، وإغلاق مئات التكيات (المطابخ الخيرية) نتيجة فقدان التمويل وانقطاع الإمدادات، ولم يبقَ سوى عدد محدود من المخيمات التي توزع وجبات محدودة، فيما تواجه آلاف العائلات الجوع المطلق.
تقرير صادر عن منظمة اليونيسف أظهر أن 80% من العائلات في غزة أفادت بأن أحد أطفالها لم يتناول أي طعام خلال الأيام الثلاثة الماضية. كما يعاني 335,000 طفل دون سن الخامسة من "مستويات حادة" من انعدام الأمن الغذائي، بينهم أكثر من 10,000 طفل مهددون بسوء تغذية مميت.

الحصار كأداة للقتل البطيء


كل ما يجري في غزة، من فقدان الغاز إلى غياب القداحات، ومن توقف المساعدات إلى عجز الأمهات عن طهو الطعام، ليس عشوائيًا، بل جزء من حملة منظمة، هدفها "تجويع وتجفيف" الحياة. هكذا يصفها نشطاء دوليون، يرون في هذا الواقع ما يتجاوز حدود الحرب العسكرية، إلى جريمة مستمرة تستهدف الوجود الفلسطيني بكل تفاصيله.
"أن تعيش في غزة اليوم، يعني أن تصارع من أجل الشرارة"، تختم أم محمد، وربما كانت تلك الشرارة، في معناها الأعمق، تمثل كفاحًا عنيدًا من أجل البقاء، في وجه من أراد لشمعة الحياة هنا أن تنطفئ.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة