تقرير- شهاب
في صباح دامي لم يكن يختلف عن مئات الصباحات الدامية والخانقة التي عاشتها غزة، استيقظت محافظة خان يونس جنوب القطاع على فاجعة جديدة، لكن هذه المرة كانت أشد وقعًا وأقسى من سابقاتها.
مجمع ناصر الطبي، ذلك المكان الذي لطالما كان ملاذًا للجرحى والمرضى، تحوّل في لحظات إلى ساحة موت جماعي، المكان الذي يفترض أن يكون فيه الشفاء والحياة، أصبح شاهدًا على جريمة مروّعة لن تُمحى من الذاكرة.
عند الساعة التاسعة صباحًا تقريبًا، اخترقت صواريخ الموت الطابق الرابع من مبنى الاستقبال والطوارئ في مجمع ناصر الطبي، مخلفة دمارًا هائلًا، وفيما كانت فرق الإسعاف والدفاع المدني تهرع لإنقاذ من تبقى على قيد الحياة، وكان الصحفيون يجهزون كاميراتهم لبث الحقيقة إلى العالم، حدث ما لم يكن في الحسبان، غارة ثانية استهدفت ذات المكان، لتسقط الضربة المزدوجة على من جاءوا لينقذوا الضحايا أو لينقلوا الحقيقة، فتحوّل المستشفى إلى مسرح جريمة مكتملة الأركان.
وبحسب مراقبون، فإن القصف لم يكن عشوائيًا، حيث كان اغتيالًا متعمدًا لكل ما يرمز إلى الحياة والإنسانية، من أطباء في غرف الإسعاف، وصحفيون خلف عدساتهم، ومسعفون الذين يتنقلون بين الجثث والركام لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والمدنيون الذين كانوا يستنشقون آخر أنفاس الأمان في حرم المستشفى.
كما أن هذه المجزرة استهدفت الحقيقة، وأسكتت الأصوات التي كانت تصرخ بوجع غزة إلى العالم، لتؤكد انهيار القوانين وسقوط المبادئ في لحظة واحدة، كما ارتفعت جثث الصحفيين بجانب الأطباء والمسعفين في مشهد يلخص وحشية الحرب التي لا تفرق بين حامل كاميرا وطبيب، ولا بين مسعف ومريض.
وبحسب حقوقيون، فإن هذه المجزرة تعتبر سلسلة جرائم ارتُكبت في لحظة واحدة، تتمثل باستهداف منشأة طبية محمية، وقتل طواقم إنقاذ، وتصفية صحفيين، وإعدام مدنيين.
جريمة بشعة تستوجب المحاسبة
رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، صلاح عبد العاطي، أدان بشدة الجريمة البشعة التي ارتكبها الاحتلال "الإسرائيلي" باستهدافه مجمع ناصر الطبي في خانيونس، والذي أسفر عن استشهاد 5 صحفيين بدم بارد، إلى جانب استهداف مباشر لأطقم الدفاع المدني والطواقم الطبية، وكاميرا وكالة "رويترز" التي كانت توثق عملية تدمير المنازل في المدينة.
وأكد عبد العاطي خلال حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن هذه الجريمة تمثل الاستهداف الرابع لمجمع ناصر الطبي، وتُضاف إلى سجل الاحتلال الحافل بجرائم الحرب المتكررة بحق الصحفيين، حيث ارتفع عدد شهداء الحركة الصحفية إلى 244 صحفيًا، بالإضافة إلى 138 شهيدًا من عناصر الدفاع المدني، و1590 من الكوادر الطبية.
وأوضح أن تكرار هذه الجرائم يأتي نتيجة غياب المساءلة الدولية، وفشل المجتمع الدولي والدول الموقعة على اتفاقيات جنيف في حماية المدنيين والعاملين في الحقل الإنساني، مؤكدًا أن الاحتلال يستغل هذا الصمت لتكريس سياسة الإفلات من العقاب.
وطالب عبد العاطي بتحرك دولي عاجل لتوفير الحماية اللازمة للصحفيين والطواقم الطبية والإنسانية، والعمل الجاد لمساءلة الاحتلال "الإسرائيلي" أمام المحاكم الدولية، وصولًا إلى وقف حرب الإبادة الجماعية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.
وقاحة غير مسبوقة
من جانبه، قال الخبير القانوني الدكتور أنيس قاسم إن ما يقوم به جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة من عمليات قتل وتجويع وحرمان للفلسطينيين من أبسط مقومات الحياة، يعكس "انحطاطًا أخلاقيًا وفقدانًا لأي سلوك يليق بمقاتل شريف"، مؤكدًا أن هذه الممارسات تمثل "إصرارًا على ارتكاب جريمة الإبادة".
وأضاف قاسم في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، أن شراسة الهجمات وتنوع وسائل القتل دليل على "وقاحة غير مسبوقة"، مشيرًا إلى أن آخر الاستفتاءات أظهرت أن 82% من المجتمع الإسرائيلي يؤيدون هذه السياسات، ما يعكس "انحطاطًا وانحلالًا أخلاقيًا في بنية المجتمع ذاته".
وتابع أن القيادة الإسرائيلية التي تصدر أوامر تنفيذ هذه الجرائم "فاقدة للشرعية ومطاردة من قبل العدالة الدولية"، معربًا عن أمله في أن "يأتي اليوم الذي تقع فيه هذه العصابة في قبضة العدالة الدولية".
وشدد الخبير القانوني بالقول: "علينا أن نتذكر دائمًا أن للحق نافذة واحدة، تتيح للضحية الانطلاق وتوقع الصياد في شباك العدالة."
إصرار على تغييب الرواية الفلسطينية
كما أدان رئيس منتدى الإعلاميين الفلسطينيين محمد ياسين بأشد العبارات جريمة استهداف الاحتلال الإسرائيلي لخمسة من الصحفيين الفلسطينيين في مستشفى ناصر بخان يونس، مؤكداً أن هذه الجريمة تأتي استكمالاً لسياسة ممنهجة تهدف إلى تغييب الحقيقة ومنع العالم من الاطلاع على حجم الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في قطاع غزة.
وقال ياسين في حديثه لوكالة "شهاب" للأنباء، إن "دماء الزميلين أنس الشريف ومحمد قريقع وكوكبة من الشهداء الصحفيين الذين ارتقوا قبل نحو أسبوعين لم تجف بعد، حتى نفجع اليوم بجريمة جديدة أودت بحياة خمسة من خيرة الزملاء الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الحقيقة ونقل الرواية الفلسطينية".
وأضاف أن "دماء أكثر من 240 صحفياً فلسطينيًا أُريقت خلال نحو عامين من العدوان الإسرائيلي على غزة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حماية الصحفيين وحرية العمل الإعلامي".
وأوضح ياسين أن الاحتلال يتعمد استهداف الصحفيين من أجل "منع وصول صور ومشاهد جرائمه للعالم، وقطع الطريق أمام معرفة الحقيقة"، مشيراً إلى أن هذه السياسة مرتبطة بمحاولاته التغطية على مخططات التهجير القسري ومشاهد المجاعة التي فضحت زيف روايته.
وأكد أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الممارسات إلى "فرض روايته المضللة في المحافل الدولية عبر تغييب الصوت والصورة الفلسطينية، لكن عبثاً يحاول؛ فالكاميرا الفلسطينية لن تُكسر، والصوت الفلسطيني سيبقى حياً ينقل الحقيقة مهما كان الثمن".
ودعا ياسين المجتمع الدولي والهيئات الحقوقية إلى التحرك الفوري لوقف استهداف الصحفيين الفلسطينيين، محملاً الاحتلال كامل المسؤولية عن هذه الجرائم المتواصلة.
وكان المكتب الإعلامي الحكومي، أعلن اليوم الاثنين، عن استشهاد خمسة صحفيين جراء قصف إسرائيلي استهدف مستشفى ناصر بمحافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، ما رفع حصيلة الشهداء من الصحفيين منذ بدء الحرب إلى 245 شهيداً صحفياً.
وأوضح المكتب أن الشهداء هم: الصحفي حسام المصري، مصور وكالة رويترز، والصحفي محمد سلامة، مصور قناة الجزيرة، والصحفية مريم أبو دقة، التي عملت مع عدة وسائل إعلام بينها اندبندنت عربية ووكالة أسوشيتد برس، والصحفي معاذ أبو طه، المراسل مع شبكة NBC الأمريكية، والصحفي أحمد أبو عزيز ويعمل مع شبكة قدس فيد ووسائل إعلام أخرى
وأشار البيان إلى أن الصحفيين كانوا في مهمة ميدانية لتغطية الأحداث داخل مستشفى ناصر لحظة استهدافه، ما أدى إلى ارتقاءهم إلى جانب عدد من الشهداء المدنيين.
وأدان المكتب الإعلامي الحكومي بأشد العبارات ما وصفه بـ"الاستهداف الممنهج للصحفيين الفلسطينيين"، محمّلاً الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية ودولاً أوروبية بينها بريطانيا وألمانيا وفرنسا المسؤولية عن هذه "الجرائم النكراء".
ودعا المكتب الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب وكافة المؤسسات الإعلامية في العالم إلى التحرك العاجل لإدانة هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها في المحاكم الدولية، مطالباً بضغط دولي جاد لوقف الحرب وحماية الصحفيين والإعلاميين العاملين في غزة.
وحتى تاريخ 25 أغسطس 2025، تشير التقارير إلى أن عدد الشهداء في قطاع غزة نتيجة الحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023 قد تجاوز 62,000 شهيد، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال، وفقًا لوزارة الصحة في غزة.
فيما يتعلق بالصحفيين، تُعد الحرب في غزة الأكثر دموية للصحفيين في التاريخ الحديث وفقًا لتقرير صادر عن مشروع "تكاليف الحرب" التابع لجامعة براون، اغُتيل ما لا يقل عن ٢٤٤ صحفيًا وعاملًا في وسائل الإعلام في غزة منذ بداية الحرب.
كما أفادت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) بأن عام 2024 كان الأكثر فتكًا بالصحفيين منذ بدء تسجيل البيانات، حيث قُتل 124 صحفيًا وعاملًا في وسائل الإعلام.
وتُظهر هذه الإحصاءات حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان غزة، وتُبرز الحاجة الملحة لتدخل دولي لحماية المدنيين وضمان حرية الصحافة في الأراضي الفلسطينية.
