أجواء الفرح والارتياح عمت في شوارع غزة مع الإعلان رسميا عن انتهاء الحرب لكنه ممزوج بألم ووجع عايشه أهلها على مدار عامين متكاملين ففي كل لحظة عذاب ومعاناة بين قصف الأحزمة النارية ونيران الدبابات والمدفعية والسفن الحربية عدا عن التجويع وعذابات النزوح بين حين وآخر – لقد فرح أهل غزة ليس لأنهم نسوا أو تناسوا ما حل بهم من عذابات ؛ بل لأن أفضل وأجمل ما في الحرب نهايتها ؛ فكيف بنا ونحن نتحدث عن أبشع حرب إبادة عرفها التاريخ الحديث انتُهِكَت فيها جميع القوانين الدولية والأعراف الإنسانية بل إن شريعة الغاب تنفر منها وتتبرأ من مجرميها
فقد اعتمدت إسرائيل في هذه الحرب على عدة ركائز
أ- الصمت الدولي واكتفاء الأنظمة الرسمية والمؤسسات الحقوقية بإصدار بيانات الشجب والاستنكار ووصف ما يحدث في غزة بالكارثة دون القيام بخطوات عملية لوقف الحرب كفرض العقوبات الاقتصادية أو قطع العلاقات الدبلوماسية أو على الأقل وقف بيع الأسلحة رغم علمها بان هذه الخطوات كانت كفيلة بإجبار إسرائيل على وقف الحرب خلال أشهر معدودة – فقد شعرت بأن العالم يغض الطرف عن جرائمها كما اعترف بذلك عضو الكنيست تسفي سوكوت حينما قال بان العالم اعتاد على مقتل مئة فلسطيني يوميا
ب- تذكير العالم بأهمية دورها ككيان وظيفي لمحاربة الإسلام وتقسيم العالم العربي وتعميق انقسامه وخلافاته وهو ما تحدث به رئيس الكيان يتسحاق هرتسوغ ووزير الخارجية جدعون ساعر علنا بأن إسرائيل تحارب من أجلها ومن أجل العالم الغربي بأكمله
ت- استخدام القوة المفرطة وتبنيها لأسلوب البلطجية والعصابات الإجرامية لتحقيق أهدافها وهو ما يتجلى بوضوح من مشاهد الدمار وعدد الشهداء والجرحى وجرائمها التي طالت حتى الموتى في قبورهم وهو ما يكشف زيف ادعاءاتها بأنها واحة الديمقراطية التي تحترم حقوق الانسان وأن جيشها الأكثر أخلاقية في العالم رغم أن ما فعله يمثل إهانة وتحقير لجيوش العالم أجمع ولكل من ينتمي إلى شرف العسكرية
ماذا يعني الاتفاق
أ. القضاء على فكرة التهجير القسري للفلسطينيين من خلال الضغط على المدنيين العزل إلا أن بقاءهم في غزة رغم تعدد وسائل الضغط وارتكاب أبشع المجازر قد أفشل خططهم العسكرية وحطم أوهام اليمين المتطرف لتهويد غزة كما تحدث عن ذلك صراحة وزير التراث عميحاي إلياهو حينما قال بأن الهدف هو إزالة غزة عن الوجود وإقامة مدينة يهودية على أنقاضها بل إن وزير الأمن القومي والمشهور بأفعال البلطجة قد تعهد بإقامة مدينة للشرطة على شاطئ غزة
ب. مجرد مصادقة الحكومة والكابينت المصغر على الاتفاق يعني إقرار بالفشل – لاسيما وأن أهداف الحرب المعلنة تمثلت أولا بالقضاء على حماس؛ إلا أنها حافظت على تماسكها وكيانها رغم تلقيها لضربات موجعة أضعفت قدرتها العسكرية ومكانتها السياسية – بل إن المحللين الإسرائيليين قد اعترفوا بان اتفاق وقف اطلاق النار قد عزز من شعبيتها في الشارع الفلسطيني – أما فيما يتعلق بالهدف الثاني المتمثل بإعادة المختطفين " الأسرى" فقد كانت خطة ورغبة نتنياهو وحكومته المتطرفة أن تنجح في إعادتهم بالقوة العسكرية المفرطة التي عولوا على أنها ستدفع حماس للاستسلام ورفع الراية البيضاء وأن تأتي صاغرة تستجدي إطلاق سراحهم بدون مقابل ؛ إلا أن ما حدث هو العكس تماما فقد اضطرت حكومة نتنياهو للتسليم بالأمر الواقع والموافقة على دفع أثمان باهظة بالنسبة لها مقابل إعادتهم
ت. ضياع حلم نتنياهو بإعادة تشكيل الشرق الأوسط حسب رؤيته ورغبته واضطراره لقبول الاتفاق رغم تعارضه مع تعهداته وتصريحاته السابقة بسبب تراكم الضغوطات المحلية والدولية والأمريكية – ما يعني فقدان نتنياهو أهم شروط لاستمرار الحرب وهو الشرعية المحلية والدولية
ث. أحد نتائج واستنتاجات الحرب هي إدراك العالم بأن استقراره وأمنه مرهون بإقامة دولة فلسطينية ومنح الفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم
