الشهيد الأسير ياسر حمدونة (44 عامًا) سيرته عامرة بالعطاء والتضحية؛ فهو أحد أبناء فلسطين المحتلة، الذي استشهد وهو يقاوم حتى النفس الأخير الاحتلال والسجان والإهمال الطبي، وكان له ما كان يتمنى من الشهادة الخالدة، مع الصديقين والشهداء والأبرار، وحسن أولئك رفيقًا.
الشهيد حمدونة فارق الأهل والأحبة بسبب الإهمال الطبي، ولكنه قبل أن يفارقنا طرق أبوابنا بقوة، أبواب العزة والنخوة، وأبواب الانتصار للكرامة فينا؛ لعله يجد فينا من تتحرك فيه الدماء، ولا يكتفي كالعادة بالشجب والاستنكار، اللذين لا يزعجان الاحتلال في العادة.
ما ميز الشهيد حمدونة أنه كان متميزًا بقيمه الثورية والجهادية، ويسمو بأخلاقه ودينه، وزاده جمالًا وطيبًا خبرته في مقاومة المحتل باللغة التي يفهمها جيدًا، وابتعدت بعيدًا عن مقاومة الشموع.
عمل حمدونة بصمت، وكان تفكيره ليس عاديًّا وروتينيًّا، بل كان متطورًا ومستعدًّا إلى تقديم الغالي والنفيس في سبيل رفع الظلم عن شعبه، عادًّا روحه الطاهرة أقل شيء يمكن له أن يقدمه مهرًا للوطن، وكان له ذلك.
ويشهد الأسرى الذين عاشروه في السجن أنه كان مثالًا للوحدة الوطنية، فتجميع الأسرى كان شغله الشاغل طوال الوقت، وإنه عمل خلال سنين اعتقاله على تقريب وجهات النظر بين أسرى حماس وفتح.
حادثة استشهاد حمدونة مثال حي على إجرام الاحتلال، الذي لا يقيم وزنًا للإنسان الفلسطيني، ويتلذذ بتعذيبه وهو يصارع الموت بسبب الإهمال الطبي.
مرة أخرى تؤكد حادثة استشهاد حمدونة بعد تكرار حوادث الاستشهاد في السجون نتيجة الإهمال الطبي أهمية سرعة توحيد الأجندة الوطنية في قضية الأسرى المقلقة وذات الأهمية الكبرى، التي لا يجوز التقاعس فيها مطلقًا.
سيخرج علينا كيان الاحتلال كالعادة أن موت حمدونة طبيعي، ولا شأن له بموته، أو التسبب بمقتله بالإهمال الطبي، وهكذا ليصل عدد الأسرى الذين قتلهم في أقبية التحقيق والسجون إلى 208 أسرى.
ماذا ينفع الاحتلال قتل الأسرى، ومواصلة سرقة أعمارهم الوردية؟، هل بالبطش والإجرام والقوة الظالمة يسمو كيان الاحتلال، أم أنه يحجز مقعدًا له مع سيئ الصيت والسمعة والشياطين والأبالسة؟
في المحصلة الغريق لا يخشى البلل، والشعب الفلسطيني ما عاد يخشى بطش كيان الاحتلال، ولا قمعه، ولابد له من فعل على الأرض يجعل احتلاله أكثر كلفة وثمنًا ليخرج صاغرًا ذليلًا، وفق برنامج وطني موحد يجمع الكل الفلسطيني في بوتقة النضال والتحرير، سواء طال الوقت أم قصر، حتى كنس الاحتلال، "أوليس الصبح بقريب"؟
