غزة - وسام البردويل
تسعى غالبية الدول العظمى، تجنب كل ما يهدد أمنها ومستقبلها فتسارع نحو القضاء على أي خطر يقترب منها ، ومؤخرا أصبح التهديد النووي القضية الأبرز في العالم، في ظل الرغبة في إنهائه وصعوبة تحقيقه.
فالحرب النووية باتت تشكل هاجسا للدول العظمى في ظل المساعي الحثيثة لتطوير المنظومة التي تمتلكها كل دول لتصدير نفسها القوي، ما يعني حتميتها وقربها في حال فشل تحجيم ذاك الخطر أو القضاء عليه.
ويقول كارل بيلت رئيس الوزراء السويدي السابق إن الغالبية العظمى من الدول ترغب في القضاء على التهديد الوجودي للكوارث النووية، وهم محقون في ذلك؛ ولكن إيجاد عالم خال من الأسلحة النووية أمر سهل القول وصعب الفعل، وهناك خطر في أن بعض محاولات القيام بذلك تحمل في طياتها بوادر الفشل.
وأضاف بيلت أنه قد توقف التقدم في السنوات الأخيرة نحو نزع السلاح النووي، وتقوم روسيا حاليا بتحديث قواتها النووية الإستراتيجية، وبدأت تشير أحيانا كثيرة إلى قدراتها النووية في البيانات العامة، وهذا ما يفسر توقف الجهود الرامية إلى خفض الترسانات النووية في أوروبا الغربية. وتُراجع الولايات المتحدة -من جانبها أيضا- خياراتها لتحديث ترسانتها النووية.
ويتابع" وفي الوقت نفسه واصلت باكستان إنتاج المواد الانشطارية المستخدمة في الأسلحة النووية، كما أن الجهود الرامية إلى جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية لم تحقق نجاحا يُذكر، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى إسرائيل".
وأشار رئيس الوزراء السويدي السابق إلى أن المجتمع الدولي لم يتمكن من الاتفاق على وسيلة للمضي قدما في مؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في عاميْ 2005 و2015. وبالطبع، فإن الطموحات النووية لكوريا الشمالية خلقت أزمة نووية أخرى في شرق آسيا.
وأوضح أن مجموعة كبيرة من البلدان اقترحت معاهدة شاملة بشأن حظر الأسلحة النووية، حيث أقرت 122 دولة عضواً في الأمم المتحدة مسودة تلك المعاهدة في أوائل يوليو/تموز الماضي. وللأسف، فإن ما بدأ جهدا إنسانياً جديرا بالاهتمام بلغ ذروته باقتراح معيب للغاية. هناك ثلاث قضايا تبرز أولاً، فبما أنه لا توجد دول نووية تؤيد معاهدة حظر الأسلحة النووية، فإن الاقتراح الحالي -بحد ذاته- لن يخلص العالم من رأس حربي نووي واحد.
ولفت بيلت إلى أن لأسوأ من ذلك، أن المعاهدة الجديدة يمكن أن تقوض معاهدة عدم الانتشار التي تحظى -رغم عيوبها- بدعم أوسع بكثير، بما في ذلك من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن (الصين وفرنسا وروسيا وبريطانيا وأميركا). وأخيرا، فإن التعامل مع مفهوم الردع النووي الشامل على أنه غير قانوني -أو حتى غير أخلاقي- يمكن أن يهدد الأمن بأوروبا وشرق آسيا.
وأردف " لم تتضمن المسودة الأولى للمعاهدة -عندما تم الكشف عنها في وقت سابق من هذا العام- نصوصا تحظر صراحة استخدام الأسلحة النووية كرادع، ولكن النسخة التي صوتت عليها البلدان في يوليو/تموز تضمنت ذلك، وهذا يعتبر تغييرا حاسما".
ونوه إلى أن التهديد بضربة نووية مضادة هو ما يمنع البلدان من استخدام الأسلحة النووية في المقام الأول، علما بأن ما يسمى الردع الشامل عبر التحالفات هو ما يحمي الدول غير النووية من الابتزاز من قبل الدول النووية. وبدون الردع الشامل، يمكن للبلدان غير النووية أن ترى أن من المناسب الحصول على أسلحة نووية خاصة بها.
رئيس الوزراء السويدي السابق قال " لهذا السبب صوتت هولندا في نهاية المطاف ضدها، وهي البلد الوحيد العضو في منظمة حلف شمال الأطلسي الذي شارك في صياغة معاهدة حظر الأسلحة النووية. كما امتنعت اليابان -وهي الدولة الوحيدة التي تعرضت للهجوم بالأسلحة النووية- عن تأييد المعاهدة، لأنها تعتمد على الردع النووي الشامل من أميركا. وبدون هذه الحماية، ستكون اليابان معرضة تماما للابتزاز النووي الصيني والهجمات الصاروخية الكورية الشمالية".
وأضاف بيلت" الواقع أنه نظرا إلى أن الدبلوماسية والعقوبات الصارمة لم تضع حدا للبرنامج النووي لكوريا الشمالية، فإن الردع النووي هو الوسيلة العملية الوحيدة لحماية بلدان شرق آسيا من الابتزاز أو الهجوم النووي. وبالمثل، فإن الغالبية العظمى من البلدان الأوروبية (من فنلندا إلى البرتغال) لا ترغب في العيش تحت ظل الرؤوس الحربية النووية الروسية دون أي شيء لحمايتها".
ولفت إلى أن مسودة المعاهدة يمكن أن تؤدي من خلال حظر الردع فعليا- إلى عالم أقل أمنا مما هو عليه فعلا؛ وبطبيعة الحال، يقول مؤيدو المعاهدة إنهم سيبنون الدعم الشعبي لحظر الأسلحة النووية على مر الزمن، مما يجبر حكومات الدول النووية على التخلي عن ترساناتها في نهاية المطاف.
ونبه أن هذا الأمر يُعتبر من السذاجة بمكان؛ حيث لا يمكن لأي شخص ذي صلة بالواقع أن يعتقد جديا أن حكومات الصين وإسرائيل وباكستان وروسيا ستتخلى ببساطة عن أسلحتها النووية، لأن الرأي العام قد تحول ضدها.
بيلت أشار إلى أن هناك نهج أكثر واقعية يتمثل في مواصلة إجراء مزيد من التخفيضات في الأسلحة النووية في كل من أميركا وروسيا، حيث لا تزال هناك حاجة للتعامل مع مخاطر كبيرة. ومن أجل تحقيق هذه الغاية؛ فإنه من المهم ألا يقوم أي من البلدين بتحديث ترسانته النووية بطريقة يُنظر إليها على أنها توسّع قدراته النووية. وبدلا من ذلك، يجب أن يمهد البلدان الطريق لمزيد من التخفيضات.
وختم " وفي النهاية، ربما لا يمكن تحقيق نزع السلاح النووي الشامل بخطوة كبيرة واحدة، فالعالم يحتاج لنهج تدريجي يستند إلى معاهدة عدم الانتشار النووي، وتخفيضات الأسلحة الإستراتيجية لدى القوى الكبرى، وحل النزاعات في المناطق الرئيسية".
وتابع" وفي السيناريو الأفضل؛ ستكون معاهدة الحظر النووي المقترحة مجرد موضوع ثانوي، ولكن هناك ما يدعو إلى الخوف من أنها ستؤدي إلى تعقيد الجهود الجارية لتخفيض الترسانات النووية، وزيادة الفجوة بين الدول النووية وغير النووية. وفي أسوأ السيناريوهات؛ يمكن أن تزيد من خطر نشوب صراع نووي في المناطق الرئيسية".
