الكفالات المالية .. "آخر المعروف،، ضرب كفوف !!"

شهاب - عبد الرحمن السويطي

  في إحدى زوايا أحد البنوك المحلية المشهورة وسط مدينة غزة، يجلس المواطن أحمد أبو الدر في الثلاثينيات من العمر، يمسك في يده مبلغاً من النقود وعلامات الحسرة والغضب بدت واضحة على وجهه، يقلب الأوراق النقدية بين اصابعه تارةً ويقبض عليها بيده تارةً أخرى.  

الناظر في وجه أحمد يكاد يجزم أن هذه النقود ليست ملكه، "بل هي دفعه كفالة مالية" هكذا أجابنا.   نقودك تضطر لدفعها لغيرك وتكاد تختنق طوال الشهر حتى تستطيع الحصول عليها ثم بلمح البصر تذهب هباءً لمجرد أنك أخذت على عاتقك وكفلت أحد أقربائك أو أصدقائك ماليا، ثم يبدأ أصحاب المال المكفول يطالبوك به ثم ترسل لك النيابة استدعاءات وتصبح انت المتهم وانت الجاني، أما صاحب المشكلة والدين فقد تحرر بمجرد أنك كفلته وكأنك لم تكفله ليسد ماله بل كفلته لتسده أنت أما هو لا شأن له!، خرجت هذه العبارات من فم أحمد كالطلقات المتوهجة وصف بها رحلته مع الكفالة المالية بعد أن كفل أحد أصدقائه بسداد مبلغ من المال كان قد اقترضه.  

وأسهب أبو الدر في حديثه لـ"شهاب" الأسباب التي دفعته لكفالة صديقه قائلاً: "أتاني أحد الزملاء والاصدقاء المقربين لي وطلب مني كفالته بأن يسد مبلغاً اقترضه و تراكم عليه ما دفع صاحب المال لرفع دعوى قضائيه عليه وتم استدعاؤه للسجن".  

وتابع: " لم يكن لدي خيار سوى الموافقة، كيف لا وهو زميلي وصديقي وقد اختارني لأفك محنته، ولم ألبث الا اني صرت أنا المديون والمطارد". موضحاً أن النيابة أرسلت له أكثر من مرة وصدر بحقه أمر بالسجن والمكفول لم يحرك ساكناً.  

يصف خبراء اقتصاديون أن الوضع الاقتصادي العام في غزة في انهيار متتالي، في حين أن الأزمة المالية التي تعاني منها غزة الآن هي الأكبر منذ فرض الحصار على القطاع قبل 10سنوات، ما أدى لهبوط المستوى الاقتصادي بالنسبة للأفرد والشركات وحتى المؤسسات، مخلفة ورائها تراكم ديون ومستحقات وأعباء على المواطنين.

  وعلى "التيلر" رقم (4) في ذات البنك، يقف المواطن محمد فياض (44 عاماً) مع مواطن آخر ينتظر استلام دفعه مالية من راتبه ليدفعها له تحت بند الكفالة أيضاً.

  يتكلم فياض وملامح وجهه تدل على القهر قائلاً: " انت تقع في احراجات عندما يطلب منك شخص ان تكفله بالاخص لو كان مقرب منك، لن تستطيع الرفض لانك لن تسلم من الكلام، وان قبلت فانت بدأت المغامرة!".  

ويضيف: " ها أنا انتظر استلام راتبي وقد جاء صاحب المال المكفول ليستلم دفعته مني أنا، بعد تخلف المكفول عن سدادها، أصبحت أنا المديون الآن!". موضحاً أن هذه هي ثالث مرة يدفع فيها الكفالة عن قريبه الذي كفله.

  واتفق فياض وأبو الدر على أن المقربين لك واحراجهم هو سبب وقوعك في "مستنقع الكفالات المالية" كما وصفاها.  

وختما حديثهما بعبارة واحدة: "متى تنتهي الكفالات المالية من حياتنا!، متى أصبح حر؟".

  يذكر أن مجلة الأحكام العدلية المطبقة في فلسطين تعتبر أن المدين ملتزم تجاه الدائن برابطة مفادها " الالتزام بإعطاء شيء" وحددت نظام حبس المدين وفقا لقانون التنفيذ الفلسطيني رقم (23) لسنة 2005 كـطريقة قانونية لإجبار المدين على تنفيذ التزامه إذا امتنع عن التنفيذ بإرادته, وذلك من باب حفظ الحقوق وعدم ضياعها.  

لم يكن فقد الكفلاء والمكفولون هم من يعانون من هذا المستنقع كما وصفه أبو الدر وفياض، فالمواطن رفيق الشاعر( 43عاما ) احد التجار من مدينة غزة أوضح أن أكثر من ثلث رأس ماله في التجارة عبارة عن ديون على الناس وأنه لم يستطع تحصيلها بشكل كامل مادفعه للقبول بتقسيطها عليهم شرط وجود كفيل يدفعها عنهم في حال تخلفوا عن الدفع.  

وأضاف أن الوضع الحالي السيء لقطاع غزة نتيجة الحصار جعلني اقبل بأي دفعه مالية في سبيل استرداد أموالي.مبيناً أنه في كل شهر يجد صعوبة في تحصيل الدفعات اما نتيجة تخلف المديون أو الكفيل، واصفاًحاله حال أغلب التجار في البلد.  

وحول الاجراءات القانونية في موضوع معاملات الديون والكفالات النقدية تناقشنا مع المحامي محمد مروان من غزة، قال لـ"شهاب": "إن المحكمة تتعامل مع الشكاوي في هذه الملفات بكامل الحرص والموضوعية، وتراعي الوضع العام للمواطنين والظروف التي يمر بها قطاعنا المحاصر".  

وأضاف أن القانون والقضاء يسمح لك بالحصول على كفيل بشرط أن تلتزم بدفع المستحقات المتراكمة عليك، وان وجود كفيل لك يضعه تحت طائلة المسؤولية للسداد عنك في حال قصرت وتهاونت بدفع المستحقات.

  وأكد مروان أن المحكمة تراعي الوضع الاقتصادي السيء الذي يعاني منه قطاع غزة منذ مايزيد عن 10 سنوات بسبب الحصار. موضحاً أن المستحقات المالية يتم تقسيمها على دفعات مبسطة تناسب قدرة المديون على السداد بشرط أن يكفله أحد المقتدرين ذوي الدخل المستمر لسدادها في حال قصّر المديون.

  ومما سبق يتضح أن كثير من المواطنين يقعون في هذه المشلكة وقد ينتهي بهم الأمر الى الزج بالسجون، حيث دعا من اكتوى بنار هذه المشلكة غيره للتفكير جدا وعدم التورط إلا إذا كان مقتدرا، متمنين في الوقت ذاته زوال الكفالات المالية من الحياة كونها لا تجلب سوى الأسوأ. على حد وصفهم.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة