سلاح "كارلو" ورجال ما بدلوا، غيروا قواعد اللعبة في حاجز "الجلمة" وأعادوا إلى الأذهان عمليات لطالما تغنى بها الشارع الفلسطيني ووقفت "إسرائيل" أمامها عاجزة مستسلمة لقرار الأبطال، وعلى الصعيد الآخر أعادت العملية إلى أذهان المستوطنين مناشدة رئيس بلدية القدس "لا تخرجوا من بيوتكم" بعد عملية البطل ضياء حمارشة في "بني براك" وتساؤلات المستوطنين "من يعيد الأمن إلى شوارعنا" بعد عملية البطل رعد خازم في "ديزنغوف"، وتعقيب مراسل صحيفة "يديعوت أحرونوت" بعد عملية الخضيرة بقوله: "قبل 20 عاماً، كنا نخاف الصعود في الحافلات، واليوم، بتنا نخشى السير في الشوارع".
تأتي عملية حاجز "الجلمة" تحمل في جوانبها دلالات كبيرة وإشارات تؤكد من جديد أن العنصر البشري الفلسطيني أهم وأبرز عوامل الانتصار وتسجيل النقاط على العدو، وأن امتلاك العدو ترسانة عسكرية لا ولن يوفر لجنوده ومستوطنيه الأمن والاستقرار ما دامت فلسطين تحت نير الاحتلال، فقد شكلت العملية هاجسا للاحتلال ومستوطنيه وحفرت عميقا في منظومته الأمنية وأكدت فشل الاستعدادات وأكذوبة الجهوزية للتعامل مع التهديدات من قبل الجيش الذي لا يقهر -زعماً-؛ وبسلاح بسيط مثل "الكارلو" المحلي الصنع يواجه مقاومان اثنان وحدات نخبة "إسرائيلية" مدججة بأحدث الأسلحة ومتمترسة في "حصون".
سعت "إسرائيل" جاهدة لكسر موجة العمليات الفردية وكبح العدوى النضالية ومنعها من الانتشار بين الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية و كسر سلسلة من العمليات الفردية التي وقعت داخل العمق الصهيوني، في "الخضيرة" و"بني براك" و"ديزنغوف" وأسفرت مجتمعة عن قتل 17 مستوطناً وما تبعها من عمليات بطولية في سبيل النيل من الروح المعنوية المتصاعدة لدى الفلسطينيين بفعل هذه العمليات، علاوة على منح "الإسرائيليين" شعورا بالأمن، فأطلقت عملية "كاسر الأمواج" في نهاية مارس الماضي بنقل المعركة إلى داخل أراضي الضفة الغربية باعتبارها مركز التهديد الموجه "لإسرائيل"، وقامت بعمليات اغتيال واعتقال وهدم منازل وكثفت انتشارها الأمني والعسكري.
إلا أن كل هذه الخطوات فشلت فشلا ذريعاً في منع أو تقليص عمليات المقاومة في الضفة المحتلة فاستمرت تباعاً، إلى أن جاءت عملية حاجز الجلمة صباح اليوم لتبرهن من جديد على فشل منظمة الاحتلال الأمنية في "كاسر الأمواج" وتهشمها تهشيماً، كما أكدت جرأة وإقدام واستعداد الفلسطينيين للتضحية، وأثبتت أن عدوى العمليات الفدائية الفردية لا تزال تمتد في كل أصقاع الوطن المحتل، على يد جيل يمتلك زمام المبادرة منتظراً قدوم الاحتلال للقرى والمدن الفلسطينية مقتحما حتى تغازل أصابعه الزناد، ليبدأ معزوفته القتالية الخالدة.
شيئاً فشيئاً يفقد "الإسرائيليون" شعورهم بالأمن والثقة، وبعد كل عملية بطولية تجدهم عاجزين عن إيجاد الحلول لاستعادة الاستقرار، وتحاول المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" بعد كل عملية بطولية ترويج انتصاراتها والظهور بهيئة القابض على أدوات الردع، في سبيل إعادة الثقة والهيبة لمقاتليها، ولكن ما جدوى الاعتقالات والاغتيالات بينما تقف "إسرائيل" عاجزة عن وقف أمواج الغضب الفلسطينية، وما جدوى كذب المؤسسة الأمنية الصهيونية حال أعلن عن الخسائر بين صفوف مقاتليها، وعلت زغاريد الانتصار وخرجت مسيرات الفرح والحلوى في جنين القسام، وبدأ أبطال آخرون يعدون لعملية جديدة يكملون بها مسيرة الأبطال الراحلين وشهداء عملية "الجلمة" أحمد وعبد الرحمن عابد، اللذين هشما "كاسر الأمواج" ومرغا أنوف بني صهيون في التراب، لتستمر عملية تآكل قوة الردع لدى الاحتلال وتفشل محاولاته لترميمها، ولتبقى جذوة المقاومة مشتعلة ما بقي الاحتلال، شهيد يسلم الراية لمن بعده حتى نقطة النصرالمنتظر.
