أبو عبيدة.. حينما تكون البلاغة من فوهة البندقية

محمد عزتي

وم الجمعة الموافق 16 فبراير/شباط 2024، كانت مراسم "جاهة" في الأردن تمر بشكل طبيعي مثلها مثل كل الجاهات التي تجري كل يوم في البلاد. ذهب الشاب ليطلب يد فتاة من أهلها مصطحبًا أهله وعزوته. وبينما كان الحاضرون يتناقشون ويتعارفون استعدادًا لقراءة الفاتحة واستكمال مراسم الخطبة، توقف أحد الحاضرين ليقول بصوت عال "لا صوت يعلو فوق صوت أبي عبيدة"، إذ وصل خبر أن الناطق الرسمي باسم كتائب القسام قد بدأ في بث خطابه. التُقطت المقاطع المصورة لرجال الجاهة وهم جالسون وقد توقفوا عن كل شيء لينصتوا لكلمة الملثم. 

حينها، كان قد مر 33 يومًا على آخر خطاب لأبي عبيدة، للدرجة التي دفعت المتابعين للتعبير عن خشيتهم من أن يكون قد استشهد، وقد كان هذا الخطاب بعد مرور 133 يوما على ما يصفه عدد من الخبراء والمراقبين بحرب الإبادة، التي شنها وما يزال جيش الاحتلال الإسرائيلي على غزة. لقد طل أبي عبيدة بطريقته المعتادة الحاسمة، وقد كان لحديثه نفس الأثر الذي اعتاد أن يتركه في مستمعيه منذ بداية الحرب. أما اليوم، في السابع من يوليو/تموز، لم يتغير حجم الترقب والاهتمام بكلماته، إذ وفور إعلان الجزيرة عن بث كلمة مصورة قد حصلت عليها، حتى وطّن المتابعون أنفسهم لمتابعة ما استجد، مترقّبين أقواله وتصريحاته وإعلاناته. أما السؤال القديم المتجدد، هو كيف استطاعت أيقونة أبي عبيدة أن تظل راسخة وقادرة على التأثير إلى هذا الحد حتى بعد كل هذا الدمار الذي تسببت فيه آلة الإبادة الصهيونية؟

 الاجتماعي وفي الغرافيتي في الشوارع وحتى في ساحات "أرقى جامعات العالم".

قبل السابع من أكتوبر/تشرين الثاني 2023 كانت القضية الفلسطينية قد تأخرت على سلم أولويات العالم، إذ كانت اتفاقات التطبيع تجري على قدم وساق مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأت تأخذ خطوات في السنوات الأخيرة لإتمام صفقة تقضي على حقوق الفلسطينيين، بعد أن تراجعت حتى عن موقفها التاريخي بخصوص مدينة القدس ونقلت سفارتها من تل أبيب إلى القدس، اعترافًا منها بأحقية دولة الاحتلال بالمدينة.

وفي عصر يلهث فيه الجميع وراء الشهرة، جاءت النجومية الكاملة إلى ذلك الرجل المُلثَّم، الذي أصبحت شعبيته مع بداية الحرب -من دون منافس- بطول العالم العربي كله، رغم أن حدا لا يعرف وجهه الحقيقي وربما لن يعرفه أبدا، باستثناء أفراد قليلين من قادة المقاومة في غزة. فالرجل الذي يمشي بين الناس في القطاع بوجهه من دون أن يتعرف عليه أحد، يبدو في نظر الكثيرين مثل "الأبطال الخارقين" الذين يعيشون حياة عادية في الصباح، قبل أن يرتدوا أقنعة تخفي هوياتهم في المساء ليحاربوا "أشرار المدينة"، دون أن يرى الناس وجوههم الحقيقية، لكنهم يرون آثارهم فقط.

رأت الشعوب العربية مع اندلاع الحرب في أبي عبيدة ناطقا باسمها هي أيضا، إذ صعد نجم الرجل حتى صار انتظار خطاباته طقسا أساسيا في البلاد العربية، مع ارتباط عاطفي واضح به، تحوَّل معه إلى الأيقونة الأشهر للحرب منذ بدايتها. ففي مصر كُتِبَت لأبي عبيدة أغان شعبية، وفي الأردن توقف الشباب في الصالات الرياضية عن أداء التمارين لمتابعة خطاباته وأذاعت المساجد خطاباته بمكبرات الصوت، وفي لبنان أُضيف اسمه إلى أسئلة الامتحانات في المدارس، كما انتشرت صوره في شوارع بيروت وقد كُتب عليها "الناطق باسم الأمة"، وتنافس الأطفال في الجزائر على تأدية دوره في مسرحياتهم وألعابهم. وفي تركيا صار تقليد أبي عبيدة لعبة مفضلة للأطفال فضلا عن تعليق صوره في المقاهي. وقد انتشرت الصور على مواقع التواصل الاجتماعي لأطفال من مختلف البلدان العربية وهم يتابعون خطاباته أو يقلدونه، وكذلك صور أخرى لمسنّين يقفون بإجلال رغم مرضهم وهم يُشاهدون خطابه احترامًا له.

أصبح أبو عبيدة أيقونة عربية، ومع ذلك تجاهل الإعلام الغربي ظاهرته عن عمد، فليس من الممكن أن تفوِّت الصحافة الأمريكية والأوروبية مناقشة ظاهرة شديدة الحضور مثل أبي عبيدة. وربما كان هذا تعلُّمًا من خطأ المؤسسات الإعلامية الكبير في تحويل الأيقونة الثورية اليسارية تشي جيفارا إلى رمز يغزو الثقافة الغربية في كل أرجائها، ويُستحضَر عند أي غضب أو انتقاد للرأسمالية والعولمة. ويشرح أستاذ القانون في جامعة ولاية أريزونا خالد بيضون، أن العالم في ظل الهيمنة الأميركية قد تم تكييفه على أساس التطبيع مع موت المسلمين، بينما يُنظر فيه إلى أي معاناة تلحق بالبيض بوصفها وضعا شاذا وغير مقبول، ومن ثم فحتى أعمال المقاومة والتحرر الوطني والبطولة، وإن اتسمت بكل الشرعية الأخلاقية، دائما ما يُنظَر إليها بريبة وخوف إذا قام بها مسلمون.

 الغربي عن ظاهرة أبي عبيدة مفهوما. فماذا سيقولون عنه للجماهير؟ هل سيقولون إنه شخص مجهول اكتسب شعبية جارفة في العالم العربي لأنه يتحدث باسم المقاومة المسلحة ضد احتلال بلاده؟

 عن صوت المقاومة لم تكسره قوة تفجيرية تجاوزت ثلاث قنابل نووية، ولا يزال قادرا حتى بعد كل تلك التضحيات والليالي الحالكة على حشد اهتمام العالم العربي. لقد تهيأت الظروف لتجعل التواصل الإعلامي من خلال أبي عبيدة الأنجح على الإطلاق في تاريخ تواصل الجيوش مع شعوبها في العالم العربي، حتى وصل الأمر إلى تحوُّل الناطق العسكري لأيقونة في حد ذاته تمثل قيم المقاومة والكرامة والاستقلال.

النجاح الإعلامي للمقاومة

لقد كانت البداية الحقيقية لقصة أبي عبيدة مع الشارع العربي في يونيو/حزيران 2006، حين أعلن عن نجاح المقاومة في تنفيذ عملية "الوهم المتبدد"، التي أدت إلى قتل جنديين من جيش الاحتلال، وجرح اثنين آخرين، وأسر الجندي جلعاد شاليط. وقد جاء خطاب أبي عبيدة بعد أيام من المقطع المُصوَّر الذي أبكى العَرَب للطفلة هدى التي أخذت تجري بين جثث عائلتها تنادي "يا بابا يا بابا" على إثر المجزرة التي ارتكبتها دولة الاحتلال في شاطئ منطقة بيت لاهيا، واستشهد جرّاءها الأب "عيسى غالية" وزوجته "رئيسة" وأبناؤهم الخمسة.

أتى صوت أبو عبيدة الحازم مُعلِنا عن نجاح عملية المقاومة أشبه بعناق مواساة للأمة العربية والإسلامية وإعلان صريح عن أن الكرامة لم تمت، وكأن خطابه يقول: "للبيت رب وللطفل أب"، وتتابعت الأحداث حتى وصلنا إلى حرب السابع من أكتوبر/تشرين الثاني 2023 التي تحوَّل معها إلى بطل الجماهير العربية، التي شعرت بأن هذا زعيمها الملهم الحقيقي الذي أرادته ولم تجده منذ سنوات بعيدة. بمعنى آخر، فإن رمزية أبي عبيدة لا تكمن في أنه متحدث بارع يمتلك ناصية التواصل الإعلامي بقدر ما تكمن في أنه كان تجسيدا في العقل العربي للمقاومين على الأرض ولسانا فصيحا لهم. إن ما جعل أبا عبيدة يكسب كل تلك الشعبية التي لم تكتسبها بالقدر نفسه بعض الكوادر السياسية للمقاومة، هو أن الشعب العربي استشعر في خطابه أنه ليس سياسيا بقدر ما رأى فيه شاعرا يعبر بموسيقى الكلمات عن الملحمة التي يخطها المقاومون في المعارك.

 شعبيته تتسع، تجاهلته إسرائيل، لكنه أصبح مع مرور السنوات من أهم المواضيع التي تتناولها البرامج التلفزيونية الإسرائيلية، وصارت كل خطاباته تُترجَم سريعا في وسائل إعلام الاحتلال. ومع تزايد اهتمام دولة الاحتلال بشخصية أبي عبيدة واعتباره أحد أهم المطلوبين في قوائم الاغتيالات لديها بسبب الحرب الإعلامية والنفسية التي يقودها، بدأت تل أبيب تنسج روايتها عنه وادَّعت أنها تعرف اسمه وصورته، كما زعمت أكثر من مرة في أعوام 2008 و2012 و2014 إنها قَصَفت منزله.

تذكر الرواية الإسرائيلية أيضا أن أبا عبيدة ينحدر من قرية "نعليا" التي احتلها الصهاينة عام 1948، وأن أسرته نزحت بعد النكبة إلى منطقة جباليا شمال شرقي غزة. وقالت الصحافة العبرية عام 2014 إن الرجل إلى جانب عمله القيادي في القسام يستكمل دراساته الأكاديمية في جامعة غزة، إذ يكتب رسالة الدكتوراه بعد أن ناقش رسالة الماجستير في كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية تحت عنوان "الأرض المقدسة بين اليهودية والمسيحية والإسلام"، وهي كلها تفاصيل لم تثبت صحتها من أي جهة فلسطينية موثوق بها، وربما تكون جانبا من محاولة إعلام دولة الاحتلال نسج روايات لقدرتها النافذة على الوصول إلى معلومات عن رجال المقاومة، من دون أن يكون ذلك صحيحا فعلا. وسواء صحت المعلومات المتناثرة عن أبي عبيدة أو لا، فلن يتغير تعلُّق الجماهير به، النابع من كونه صوت المقاومة الذي امتزج بوجدانهم وأحيا آمالهم في الحرية والكرامة.

 دعاية لا تدعمها الحقائق. أما أبو عبيدة، فله طريقة أخرى: فهو واقعي تماما في حديثه ولا يميل إلى المبالغة. على سبيل المثال، تحدث أبو عبيدة في حوار له عام 2012 بوضوح عن ضعف قدرات المقاومة العسكرية مقارنة بقدرات جيش الاحتلال، وتحدث كذلك عن الصعوبة الكبيرة التي تفرضها طبيعة البيئة الجغرافية لغزة على المقاومة، فهي بيئة غير مساعدة على الدفاع العسكري. ومن جهة أخرى إضافة إلى الحرص على المصداقية والإنصاف في المعلومات، فإن خطابات أبي عبيدة موجزة ولا تتعدَّى في الغالب 15 دقيقة.

عادة ما تشتمل خطابات الرجل، الذي يُوصف بأنه رأس حربة الحرب النفسية على دولة الاحتلال، على تثقيف موضوعي بمجريات المعركة، ورسائل بلاغية دقيقة الصياغة للأطراف المختلفة، ولا تخلو كلماته أيضا من الرسائل ذات الطابع الساخر، وأشهرها حين قال: "إلى زعماء وحكام أمتنا العربية، نقول لكم من قلب المعركة التي تشاهدون ولا شك تفاصيلها عبر شاشاتكم، إننا لا نطالبكم بالتحرُّك لتدافعوا عن أطفال العروبة والإسلام في غزة من خلال تحريك جيوشكم ودباباتكم لا سمح الله". وقد انتشرت لفظة "لا سمح الله" حينها بطول العالم العربي وعرضه مضربًا للمثل في سياقات التخاذل على مواقع التواصل.

 المصداقية سمة جلية في أبي عبيدة منذ بداية ظهوره حين عُيِّن المتحدث باسم كتائب القسام في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005. فقد ظهر أبو عبيدة حينها في فيلم قديم صوَّرته قناة الجزيرة في العام نفسه بعنوان "في ضيافة البندقية"، فأطلَّ بقناعه وهو في بداية مسيرته قبل أن يصبح علما معروفا لكل الجماهير العربية. وحين سأله صحفي الجزيرة عن عدد الذين شاركوا في عمليات بناء الأنفاق، توقف أبو عبيدة للحظات ثم قال "دعني لا أحصي عددا"، وحين أعاد الصحفي التساؤل عما إن كانوا عشرات أم مئات، أجاب أبو عبيدة بأنهم "عشرات"، مُفضلا الدقة على المبالغة في تضخيم عدد المشاركين.

لقد كان التدقيق واحترام المشاهد العربي مفتاح تواصل أبي عبيدة مع الجماهير العربية منذ البداية، فحرصه على احترام الجمهور وتقديم المعلومات الدقيقة الموجزة قدر الإمكان، أصبح له بالغ الأثر في بناء المصداقية بينه وبين الشارع العربي، وقد وصل هذا الأمر إلى ذروته في الحرب الأخيرة. وقد اتخذت حماس في هذه المعركة بشكل عام خطا إعلاميا ذكيا يمزج بين المصداقية وعدم الانخراط في الدعاية، وفي الوقت ذاته الحفاظ على الروح المعنوية للجبهة الداخلية. ومن ثم فإن خطابها الإعلامي عبر أبي عبيدة يتمتع بالمصداقية حتى وإن آثر ألا يتحدث عن خسائر شعبه وقواته يوميا، إذ ليس مطلوبا من المقاومة أن تقدم لعدوها معلومات عن خسائرها في حرب ضد أحد أقوى الكيانات العسكرية في العالم.

وقد جاء في تقرير لجريدة الأهرام أونلاين المصرية باللغة الإنجليزية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي: "بينما يستخف أبو عبيدة بالعدو ويقوضه، فإن كلماته مدعومة بلقطات وأدلة موثقة من الأرض. وفي حين لم يكن لدى إسرائيل أي صور أو لقطات فيديو لتبثها عن الانتصارات العسكرية ضد حماس وجناحها المسلح، فإن كتائب القسام تبث المحتوى مباشرة من ساحة المعركة لهجماتها على القوات الإسرائيلية في غزة".

أخيرا، وليس آخرا، تمتع الملثم بميزة في خطابه قرَّبته من الجماهير العربية، خاصة طبقاتها الوسطى المُتعلِّمة. فعلى عكس ما اعتدناه لدى معظم العسكريين في العالم العربي، يُظهِر الرجل الكثير من الاحترام للثقافة والمثقفين، ويتجلَّى ذلك في استشهاده بأبيات شعر قديمة وحديثة، والاحتفاظ بلغة عربية رائقة تخلو من أي لحن أو خلل. ويظهر ذلك أيضا في إشارته إلى أفكار نظرية طوَّرها مفكرون كبار في العالم العربي، مثل المفكر المصري الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري، الذي كرَّس جزءا كبيرا من حياته لدراسة اليهودية والصهيونية، فضلا عن متابعته أولا بأول لما يُنشَر من كتابات وترجمات حول العدو ليستخدمها في خطاباته.

يعطي هذا صورة جديدة لعسكري لا يحتقر المثقفين، بل يحرص على التواصل معهم بلغتهم. ولعل المفارقة التي تجعل أبا عبيدة تجربة فريدة في التواصل الجماهيري هي أنه في الوقت نفسه الذي يتحدث فيه بالأساس إلى جمهوره العربي بطريقة تمتلئ بالشحنات المعنوية، يستطيع أن يرسل رسائل خاصة إلى دولة الاحتلال وشعبها على نحو يجعله يسير على حبل اللغة والتواصل ببراعة مع الصديق والعدو في آن واحد، دون أن يفقد اتزانه.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة