خاص/ شهاب
بعد 22 يومًا من تنفيذ المرحلة الأولى من صفقة التبادل بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال "الإسرائيلي"، انسحب الجيش من كامل محور "نتساريم"، الذي كان يفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه، وقد كشف هذا الانسحاب عن حجم الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية، والمنازل، والمنشآت الفلسطينية، نتيجة الإبادة التي ارتكبها الاحتلال على مدار أكثر من 15 شهرًا.
مشاهد الدمار في المغراقة، والنصيرات، وجحر الديك، وحي الزيتون، كانت مروعة، حيث بدت هذه المناطق مدمرة بالكامل بفعل القصف المكثف والتجريف الواسع الذي طال المنازل والأراضي الزراعية والممتلكات المدنية.
هذا المحور كان وجهة الاحتلال في كل عدوان شنه على قطاع غزة، لكنه في كل مرة يخرج منه مكسورا مرغما، فمنذ عام 2005 وحتى عام 2025، لم يبقَ للاحتلال موطئ قدم في هذا المحور، بفضل صمود الشعب الفلسطيني وضربات المقاومة.
اعتراف بالهزيمة
الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون قال إن انسحاب الاحتلال من محور "نتساريم" يمثل لحظة فارقة في مسار المواجهة، موضحًا أن هذا الانسحاب ليس مجرد تراجع ميداني، بل هو اعتراف "إسرائيلي" ضمني بفشل مشروعه الاستعماري أمام صلابة المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني.
وبيّن المدهون، في حديث خاص لوكالة "شهاب" للأنباء، أن هذا الانسحاب يأتي امتدادً طبيعيًا لحالة الاستنزاف التي تعرض لها العدو منذ بداية طوفان الأقصى، مشيرًا إلى أن الاحتلال دخل الحرب بكل ثقله وسعى إلى فرض وقائع جديدة، لكنه وجد نفسه اليوم مهزومًا أمام إرادة لا تُكسر.
وأضاف أن هذا التراجع لا يأتي من فراغ، بل هو جزء من سلسلة التحولات الكبرى التي فرضتها المقاومة، بدءًا من انهيار أهداف الاحتلال، ومرورًا بإفشال خططه العسكرية، ووصولًا إلى ضرب منظومته الأمنية والاستخباراتية في الصميم، مؤكدًا أن استمرار انسحاباته التدريجية يثبت أن المشروع الصهيوني يتهاوى، وأن معادلة الاحتلال الدائم أصبحت جزءًا من الماضي.
وتابع المدهون حديثه قائلًا: "لكن الأهم أن هذا الانسحاب ليس حدثًا منعزلًا، بل هو حلقة في سلسلة اندحارات ستتكرر حيثما وُجد الاحتلال، سواء في غزة أو الضفة أو أي بقعة على أرض فلسطين، وما حدث في نتساريم اليوم، سيحدث غدًا في مستوطنات الضفة الغربية، حيث لا بقاء للاحتلال، فهو لا يفهم إلا لغة القوة، ولا زوال له إلا بالمقاومة والمواجهة المستمرة".
وأشار المحلل المدهون إلى أن انسحاب الاحتلال من "نتساريم" هو بروفة مصغرة لنهاية المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية، ودليل قاطع على أن الاحتلال أضعف من أن يصمد أمام شعب قرر انتزاع حريته بدمائه وعزيمته.
وأكد أن الاحتلال، كما خرج من غزة مذلولًا، فإن إرادة المقاومة ستظل تلاحقه حتى يرحل عن كل شبر من فلسطين.
انسحاب في كل مرة
من جانبه، قال الإعلامي إسلام بدر، مراسل "التلفزيون العربي"، إن "إسرائيل" تنسحب للمرة الثالثة خلال عشرين عامًا من محور "نتساريم".
وأضاف بدر، في تدوينة نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي: "في عام 2005، عندما انسحب أرييل شارون من القطاع، ثم في عام 2009، بعد احتلاله المحور لأكثر من ثلاثة أسابيع خلال حرب غزة، و المرة الثالثة انسحب بعد أشهر من احتلاله المنطقة وتشييد مبانٍ وتعبيد طرق، وسط حملات دعائية مكثفة تروج لأن هذه المرة ستكون دائمة، وأنهم يبنون ليبقوا، لكنهم وجدوا من يصفق لهم، حتى من بعض الناطقين بالعربية".
وأكد أن الاحتلال ينسحب مجددًا من محور "نتساريم"، لكنه لو عاد، فسوف ينسحب كما في كل مرة، مضيفًا: "الاحتلال شر في ذاته، ولا يهدأ إلا بالتحكم فينا، لكن أهل الأرض قادرون على استرداد أرضهم".
وكان الاحتلال قد فصل محافظتي غزة والشمال عن محافظات الوسط والجنوب في أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وأجبر حينها مليون فلسطيني على النزوح تحت القصف والإبادة إلى جنوب وادي غزة.
وفي 27 يناير/ كانون الثاني الماضي، انسحب الجيش من محور "نتساريم"، الممتد من شارع الرشيد (غربًا) حتى شارع صلاح الدين (شرقًا)، تنفيذًا لاتفاق وقف إطلاق النار، ما مكّن عدد كبير من النازحين من العودة إلى شمال قطاع غزة.
إبادة جماعية
وبدعم أمريكي، ارتكبت "إسرائيل" بين 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 و19 يناير/ كانون الثاني 2025، إبادة جماعية في غزة، أسفرت عن أكثر من 159 ألف شهيد وجريح من الفلسطينيين، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 14 ألف مفقود.
وفي 19 يناير الماضي، بدأ تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي تضمن صفقة تبادل أسرى بين حركة حماس و"إسرائيل"، وشمل ثلاث مراحل، تستمر كل منها 42 يومًا، على أن يتم التفاوض خلال المرحلة الأولى للانتقال إلى الثانية والثالثة، بوساطة مصر وقطر، وبدعم الولايات المتحدة.
