لا يكاد يمر يومٌ على قطاع غزة دون أن يودّع صحفيًا أو صحفية، أو عائلاتهم، أو حتى منازلهم، في استهداف مباشر لهم، ظنّ الاحتلال الإسرائيلي أنه سيسكت صوتهم ويُطفئ كاميراتهم التي تنقل الحقيقة في محاولة منه لإخفاء جرائمه المروعة ومنع توثيقها.
استهداف بالطائرات والدبابات، واعتقال في السجون، وآخرها حرقًا في خيامهم؛ تنوّعت الأساليب، لكن الاستهداف والقتل والإجرام الإسرائيلي واحد، في محاولة لوقف دورهم الحيوي في نقل حقيقة الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحق الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين.
210 صحفيين قُتلوا بنيران الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، ولكن لم يتنازل الصحفيون الفلسطينيون عن حقهم في نقل هذه الجرائم إلى العالم.
وقصف الاحتلال الإسرائيلي فجر اليوم الاثنين، خيمةً للصحفيين بالقرب من مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد الصحفي حلمي الفقعاوي، مراسل وكالة "فلسطين اليوم" الإخبارية، وإصابة عددٍ آخر بجروحٍ خطيرة.
ووثّقت مقاطع فيديو احتراق الصحفي أحمد منصور، وإصابته بجروح بليغة، بعد استهداف الخيمة بالصواريخ الحربية، ما أدى إلى احتراقها. كما أُصيب عددٌ من الصحفيين بجروح، من بينهم: حسن إصليح، أحمد الأغا، محمد فايق، عبد الله العطار، إيهاب البرديني، محمود عوض، ماجد قديح، علي إصليح، وأحمد منصور.
"مشاهد قاسية"..
أطلق صحفيون ونشطاء فلسطينيون وعرب حملة إلكترونية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، تنديدًا بالاعتداءات الإسرائيلية المستمرة بحق الصحفيين في قطاع غزة، والتي كان آخرها استهداف خيمة مخصصة للصحفيين قرب مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، تحت وسمَي #الصحافة_تحترق و#ThePressIsBurning.
وانتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثّق لحظة اشتعال النيران بجسد الصحفي أحمد منصور بعد استهداف الاحتلال الإسرائيلي لخيمة الصحفيين.
وفي سرد مُؤلم، كتب الصحفي أنس الشريف تعليقًا على المشهد "أحرقته إسرائيل"، في إشارة إلى زميله منصور الذي يعمل مراسلًا لوكالة "فلسطين اليوم".
وتابع الشريف قائلًا إن "أحمد أب يُعيل أسرة، يعاني الآن من إصابات بالغة الخطورة، والأطباء يبذلون جهودًا مضنية لإنقاذ حياته"، مضيفًا أن "مشهد حرق زميلنا الصحفي حلمي الفقعاوي لا يمكن وصفه، الكلمات تخوننا أمام هذه الفاجعة".
حرقته إسرائيل
— أنس الشريف Anas Al-Sharif (@AnasAlSharif0) April 7, 2025
الزميل الصحفي الذي شاهدتموه يحترق تحت نيران القصف الإسرائيلي الذي استهدف خيام الصحفيين قرب مستشفى ناصر في خان يونس، جنوب قطاع غزة، هو زميلنا أحمد منصور، مراسل وكالة “فلسطين اليوم” المحلية. أحمد أب يعيل أسرة، وهو الآن يُعاني من إصابة بالغة الخطورة، بينما يبذل الأطباء… pic.twitter.com/ChHYAl5mZH
وعلق مدونون فلسطينيون وأهالي غزة على المشهد المروع بالقول "لأنهم لا يريدون للصحافة أن توثق جرائمهم التي لم تتوقف، قصفوا الصحفيين وحرقوهم أمام العالم، والعالم لم يتحرك. #التغطية_مستمرة ولن تتوقف".
وهذه هي الإستراتيجية الجديدة للأسف// بعد استخدام العنف المفرط ضد كل اشكال الحياة في غزه سوف يعملون على قتل من يوثقون وينقلون جرائمهم بدعم وتواطئ الجميع دول ومنظمات
— احمد الطلول (@altalool60) April 7, 2025
كما وصف آخرون المشهد بمزيد من الألم: "الصحفي حلمي الفقعاوي التهمته النيران حيًّا، وعلى الهواء مباشرة! لم يحمل سلاحًا، بل كاميرا.. لم يُطلق رصاصًا، بل نقل الحقيقة. كأنهم يريدون قتل الحقيقة وإسكات كل شاهد على المجازر. أي لغة تصف هذا؟ وأي ضمير لا ينكسر أمام المشهد؟".
وكتب أحدهم "الصحفي حلمي الفقعاوي استُشهد وهو في خيمة الصحافة.. أمام مستشفى ناصر. لم يكن يحمل سلاحًا، بل كاميرا. لم يكن يُطلق رصاصًا، بل ينقل حقيقة. حرية الصحافة؟ أكذوبة تُقال في المؤتمرات وتُقتل في الميدان. قدسية المستشفيات؟ مجرد شعار مهترئ على لافتة أممية! والعالم؟ شاهد زور، أصمّ، أعمى، شريك في الإبادة".
الصحفي حلمي الفقعاوي، استُشهد وهو في خيمة الصحافة، أمام مستشفى ناصر
— صلاح صافي| غزة 🇵🇸 (@iSalahSafi) April 7, 2025
لم يكن يحمل سلاحًا، بل كاميرا
وما كان يطلق رصاصًا، بل حقيقة
حرية الصحافة؟
أكذوبة تُقال في المؤتمرات وتُقتل في الميدان.
قدسية المستشفيات؟
شعار مهترئ على لافتة أممية!
والعالم؟
شاهد زور، أصمّ أعمى، شريك في الإبادة pic.twitter.com/eXLTD5Pp7z
ونشر صحفيون من غزة صورة للصحفي أحمد منصور وهو يرقد في المستشفى، يغطي الشاش الأبيض وجهه وجسده المحترق، كأن النيران أرادت أن تترك بصمتها على جسده شاهدة على قسوة الاحتلال وعجز العالم.
دعواتكم للصحفي أحمد منصور، الذي استُهدف مع زملائه الصحفيين من قِبل جيش الاحتلال الإسرائيلي الإرهابي أثناء تواجدهم في خيمة الصحفيين، مما أدى إلى استشهاد صحفيين اثنين وإصابة 6 آخرين بجروح خطيرة. الصحفي أحمد منصور متواجد الآن داخل غرفة العمليات pic.twitter.com/FDgOHGPaoW
— حسام شبات (@HossamShabat) April 7, 2025
حـــرقاً يُقتل الصحفيون
— mohammed haniya (@mohammedhaniya) April 7, 2025
لا يريدون أثرا لكلمة أو عدسة أو مايك
رحم الله الزميل حلمي الفقعاوي وشفا الزملاء المصابين جميعا. pic.twitter.com/eukapuPUuy
"سياسة ممنهجة لقتل الحقيقة"..
نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين تحسين الاسطل، أكد أن جريمة إحراق الصحفيين بالقرب من مجمع ناصر الطبي تعدّ جريمة بحق الصحفيين الفلسطينيين، تضاف إلى سلسلة الجرائم الوحشية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين في الأراضي الفلسطينية.
وقال الأسطل في تصريح خاص بوكالة "شهاب" للأنباء، إن "الاحتلال الإسرائيلي لا يزال مستمراً في ارتكاب هذه الجرائم والمحرقة والمجزرة بحق الصحفيين، لأنه يشعر بالحصانة التي توفرها الإدارة الأمريكية له، والتي تمارس إرهاباً حقيقياً وفعلياً على الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية".
وأضاف الأسطل أن تلك الضغوطات التي تمارسها الإدارة الأمريكية على الدول الموقعة على المحكمة الجنائية الدولية تهدف إلى إعاقة ملاحقة قادة الاحتلال، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على جرائم الحرب التي ارتكبوها.
وتابع: "منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم، استشهد 210 صحفيا فلسطينيا، وما زال مسلسل الجرائم بحق الصحفيين مستمراً. هذه الجرائم باتت سياسة ممنهجة يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي، التي تشمل أيضاً استهداف الطواقم الطبية والإنسانية والإغاثية، وهي أفعال تدل على استهداف الاحتلال للمجتمع المدني الفلسطيني بأسره".
وأوضح الأسطل أن الصحفيين الفلسطينيين يتم استهدافهم بشكل خاص بسبب دورهم الحيوي في نقل حقيقة الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحق الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين، مؤكداً أن الصحفيين لن يتنازلوا عن حقهم في نقل هذه الجرائم إلى العالم.
ودعا الأسطل المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في حماية حقوق الإنسان وحماية حرية الصحافة، مطالباً بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية لوقف هذه الجرائم التي تمس شرف الصحافة وحريتها.
كما شدد على ضرورة العمل الجاد لملاحقة قادة الاحتلال الإسرائيلي أمام المحكمة الجنائية الدولية، مشيراً إلى أن استمرار هذه الجرائم لن يتوقف إلا في حال تم ممارسة ضغوط حقيقية على الإدارة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي لوقف انتهاكاته المستمرة بحق الصحفيين والشعب الفلسطيني.
"جريمة في حرب الإبادة"..
من جانبه، أكد المدير العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عمار دويك، أن استهداف الاحتلال الإسرائيلي للصحفيين في قطاع غزة يُعد جريمة تأتي في سياق حرب الإبادة الجماعية المستمرة، والتي تتسم باستهداف ممنهج للقطاع الإعلامي والصحفي.
وأشار دويك في تصريح خاص بوكالة "شهاب" للأنباء إلى أن هذه الجرائم تشمل قتل الصحفيين، ومنع دخول المراسلين الأجانب إلى القطاع، وتدمير مقرات الوكالات الإعلامية، مما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني الذي يعتبر الصحفيين مدنيين يجب حمايتهم وعدم استهدافهم.
وأضاف دويك أن الاحتلال يتعمد قتل الصحفيين مع معرفة مسبقة بهويتهم، وأحيانًا أثناء قيامهم بعملهم وارتدائهم ما يشير إلى مهنتهم، مؤكدًا أن هذا السلوك يعكس غياب المساءلة والمحاسبة، مما يشجع الاحتلال على التمادي في جرائمه دون رادع أخلاقي أو قانوني.
وشدد دويك على أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية هذه الجرائم غير المسبوقة، حيث لم يشهد أي "نزاع دولي مسلح" منذ الحرب العالمية الثانية استهدافًا بهذا الحجم للصحفيين أو العاملين في المجال الإغاثي والطبي.
وتابع أن دولة الاحتلال ستستمر في هذا النهج الإجرامي، وقد تصل إلى مستويات أخطر، ما لم يتم وضع حد لها من خلال مساءلة مجرمي الحرب الإسرائيليين، ومعاقبة دولة الاحتلال على جرائمها، وفرض الحصار عليها بدلاً من فرضه على الشعب الفلسطيني.
ومن جهته، أدان، المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بأشد العبارات استهداف وقتل واغتيال الاحتلال "الإسرائيلي" للصحفيين الفلسطينيين، داعيا الاتحاد الدولي للصحفيين، واتحاد الصحفيين العرب، وكل الأجسام الصحفية في كل دول العالم إلى إدانة هذه الجرائم الممنهجة ضد الصحفيين والإعلاميين الفلسطينيين في قطاع غزة.
وحمّل الاحتلال "الإسرائيلي" والإدارة الأمريكية والدول المشاركة في جريمة الإبادة الجماعية مثل المملكة المتحدة بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا؛ المسؤولية الكاملة عن ارتكاب هذه الجريمة النَّكراء الوحشية.
وطالب المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والمنظمات ذات العلاقة بالعمل الصحفي والإعلامي في كل دول العالم إلى إدانة جرائم الاحتلال وردعه وملاحقته في المحاكم الدولية على جرائمه المتواصلة وتقديم مجرمي الاحتلال للعدالة، داعيا إياهم إلى ممارسة الضغط بشكل جدي وفاعل لوقف جريمة الإبادة الجماعية، ولحماية الصحفيين والإعلاميين في قطاع غزة، ووقف جريمة قتلهم واغتيالهم.
وفي ذات السياق، أدان التجمع الإعلامي الفلسطيني، بشدّة جريمة قصف الاحتلال خيمة للصحفيين بجوار مجمع ناصر الطبي فجر اليوم الاثنين؛ ما أدَّى إلى استشهاد الزَّميل الصحفي حلمي الفقعاوي، مراسل وكالة "فلسطين اليوم" الإخبارية، وإصابة عدد من الزملاء الصحفيين، وُصفت حالة بعضهم بـ "الخطيرة".
وأكد أن قصف الاحتلال المباشر لخيمة الصحفيين وتعمّده استهدافهم تُعدّ جريمة حرب جديدة، تضاف إلى الجرائم المروّعة والمجازر الدموية التي يرتكبها بحق الصحفيين والإعلاميين الفلسطينيين في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.
وطالب المؤسَّسات الدولية التي تُعنى بالعمل الصحفي التَّدخل العَاجل لوقف جرائم الحرب التي يتعرَّض لها الصّحفيون والإعلاميون الفلسطينيون، بالشكل الذي يُمكِنهم من مواصلة مسيرتهم المهنية على أكمل وجه، اسْتنادًا للقوانين الدوليَّة ومواثيق حُقوق الإنسان.
