في خطوة غير مسبوقة نحو المساءلة الجنائية، سلّم الصحفي الاستقصائي الفلسطيني يونس الطيراوي رسميًا أول ملف قانوني شامل يوثق مجزرة تل السلطان إلى كل من الهلال الأحمر الفلسطيني ومكتب الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى الفريق القانوني لجنوب أفريقيا التابع لمحكمة العدل الدولية.
الملف، الذي جاء تحت عنوان "أنت تحدد هوية أي شخص فأنت تقضي عليه"، يتكوّن من مئات الصفحات ويُعدّ من أشمل الوثائق القانونية المتعلقة بالجرائم المرتكبة في حي تل السلطان بمدينة رفح جنوب قطاع غزة.
ويكشف الطيراوي، استنادًا إلى تحقيقات ميدانية وشهادات موثقة، هويات الضباط والقادة الإسرائيليين المسؤولين مباشرة عن المذبحة، رغم محاولات جيش الاحتلال التمويه والتستر على تفاصيل العمليات العسكرية.
أبرز المتورطين
حدّد التقرير بالاسم هوية نائب قائد الكتيبة الذي أعطى الأمر الأول بإطلاق النار على طواقم الإسعاف، وهو الرائد نيكولاي أشرُف، بينما أشار إلى أن قائد اللواء الرابع عشر، العقيد طال الكوبي، أمر بشكل مباشر بـ"دفن الجثث وسحق سيارات الإسعاف ومركبات الأمم المتحدة".
كما ألقى الملف الضوء على دور المقدم عساف شاليم، بصفته مسؤولًا في عمليات اللواء القتالية، والذي يُشتبه في أنه خطط ونفذ المجزرة إلى جانب وحدات الاستطلاع الخاصة.
وعلق الصحفي الفلسطيني بالقول، "أقر جيش الإسرائيلي بأن نائب قائد الكتيبة كان هو من قاد القوات في يوم المجزرة وأصدر الأمر الأولي بإطلاق النار على المسعفين، مما دفع مرؤوسيه لتنفيذ هذا الأمر".
من خلال التحقيقات، تم تحديد هوية الضابط المسؤول وهو المقدم نيكولاي أشروف. كما أفاد الجيش الإسرائيلي بأن قائد اللواء أمر بإلقاء الجثث ودفن سيارات الإسعاف ومركبات الأمم المتحدة وسيارات الإطفاء.
قائد اللواء الرابع عشر هو العقيد طال الكوبي، ويُشتبه في أن المقدم عساف شاليم، الذي كان يشغل منصب ضابط العمليات القتالية في اللواء، لعب دورًا محوريًا في اتخاذ القرار.
وبالنظر إلى منصبه كقائد قتالي للواء أثناء الغزو، فإنه من المحتمل أن يكون قد شارك بشكل وثيق في تخطيط وتنفيذ الأحداث التي وقعت في حي تل السلطان.

أدلة جنائية وشهادات شهود
توصل فريق التحقيق، بعد 48 ساعة من المجزرة، إلى إثبات مسؤولية وحدة الاستطلاع في لواء غولاني، التي طوقت الحي عبر سبع ناقلات جند مدرعة، وشاركت في عمليات الإخفاء القسري للجثث وتهجير المدنيين.
تعرّف شهود عيان - أجريت معهم مقابلات رسمية عبر استمارات مفصلة من قبل لجنة التحقيق الفلسطينية - بصريًا على عدد من الجنود الإسرائيليين من وحدة استطلاع غولاني الذين كانوا متواجدين في موقع المجزرة يوم وقوعها. وكان من بين الذين تم التعرف عليهم القائد ديفيد كوهين، وعدد من قادة الفرق، وأعضاء محدّدون من كل من وحدة الدعم ومجموعة التجنيد في نوفمبر ۲۰۲۳
كما وثّق التحقيق استخدام الذخيرة من عيار 7.62 ملم على مركبات مدرعة، وأجرى مقابلات مع شهود عيان تعرفوا بصريًا على جنود وقادة ميدانيين، من بينهم المقدم ديفيد كوهين، قائد وحدة الاستطلاع.
لقطة شاشة من شاهد عيان يحدد هوية قائد وحدة الاستطلاع في جولاني المقدم ديفيد كوهين.

نحو المساءلة الدولية
أكد الطيراوي في مرفقات الملف أن ما حدث في تل السلطان يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، مطالبًا بتفعيل الآليات القانونية الدولية لمحاكمة القادة الإسرائيليين المتورطين، وتوفير حماية حقيقية للمدنيين.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه المطالب الدولية بفتح تحقيقات جدّية في الجرائم المرتكبة خلال العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، خصوصًا بعد تراكم الشهادات حول الانتهاكات بحق الطواقم الطبية والمدنيين العزل.
🧵🚨🚨Announcement:
1/ New Revelations Regarding the Paramedic Massacre in Rafah
One month ago, on 23 March, Israeli forces executed 15 Palestinian aid workers—among them Red Cresent paramedics, rescue teams, and UN staff. In the same operation, troops killed at least 10… pic.twitter.com/aEinmaGv7p
وقبل أيام، كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، عن معطيات جديدة بشأن المجزرة التي ارتكبتها قوة من لواء "غولاني" التابع لجيش الاحتلال الإسرائيلي بحق 15 مسعفاً وعاملاً في فرق الإغاثة المدنية بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، خلال شهر مارس/آذار الماضي، مشيرةً إلى أن الجيش لم يُفصح عن كافة نتائج تحقيقه في الحادثة.
ووفقًا لما أوردته الصحيفة، فقد أظهرت الوثائق التي جُمعت بعد وقوع المجزرة أن الجنود أطلقوا النار بكثافة على طواقم الإسعاف، رغم تلقيهم معلومات مسبقة تفيد بتحرك مكثف لمركبات الإغاثة في المنطقة، والتي كانت تسلك طريقاً مفتوحاً يُسمح المرور فيه دون تنسيق.
وأكد التقرير أن نائب قائد الكتيبة في وحدة "سييرت غولاني"، وهو ضابط احتياط، تجاوز المهام الموكلة له، وقرر استهداف مركبات الإسعاف بناءً على تحقيق ميداني أجراه جندي لا يتحدث العربية. وبحسب الوثائق، تم إطلاق النار بشكل متواصل على مركبة إسعاف لمدة قاربت ثلاث دقائق ونصف، من مسافة قريبة، رغم أن المسعفين كانوا يرتدون سترات مميزة ويستخدمون الأضواء التحذيرية.
وأشارت الصحيفة إلى أن التحقيق الذي أجراه الجيش برئاسة الجنرال المتقاعد يوآف هار إيفين لم يتضمن جميع التفاصيل التي تم توثيقها ميدانياً، وأن الرواية الرسمية التي نُشرت لاحقاً هدفت لاحتواء موجة الانتقادات الدولية.
وبيّن التقرير أن القوة الإسرائيلية أطلقت النار في ثلاث مناسبات منفصلة على سيارات إسعاف ومركبة تابعة للأمم المتحدة، رغم وضوح هويتها، وادعت أن ما جرى كان نتيجة "سوء تقدير" في منطقة قتال نشطة.
وذكرت "هآرتس" أن الجيش حصل على تسجيلات مصورة من طائرات مُسيّرة ومروحيات، توثق بوضوح أن مركبات الإغاثة كانت ظاهرة بأضوائها التحذيرية، وأن المسعفين لم يُبدوا أي سلوك عدائي.
في إحدى الحوادث، قرر نائب قائد الكتيبة إطلاق النار على سيارة إسعاف أثناء اقترابها من نقطة كمين، قبل أن تُطلق القوة النار مجدداً على قافلة إنقاذ جاءت لتفقد الجثث، ما أدى إلى ارتقاء عدد كبير من الطواقم، رغم صراخهم ومحاولتهم التعريف بأنفسهم بالقول: ""نحن مسعفون".
ووفقًا للمعطيات، فقد طلب قائد اللواء لاحقاً من القوة إخفاء الجثث والتخلص من سيارات الإسعاف، خشية انكشاف خطة هجوم أكبر كان من المقرر تنفيذه لاحقاً في حي تل السلطان.
كما كشف التقرير أن مركبة تابعة للأمم المتحدة قُصفت أيضاً رغم تحركها ببطء وبأضواء ظاهرة، ما أسفر عن مقتل موظف تابع للمنظمة الأممية.
